بسم الله الرحمن الرحيم . إذا أردت أن تحفظ القرآن وتحصل على سند ، ما عليك سوى الاتصال بنا . كما يمكنك الحفظ معنا عبر الإنترنت
إذا أردت دراسة أحد علوم اللغة أو أحد المواد الشرعية فقط راسلني .::. إذا أردت إعداد بحث لغوي أو شرعي فنحن نساعدك بإذن الله

language اللغة

English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

اذكر الله

12‏/08‏/2011

آليات عملية مقترحة لتوحيد الصف الإسلامي

آليات عملية مقترحة لتوحيد الصف الإسلامي
الوحدة الإسلامية بين المسلمينالحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين. وبعدُ:
فإنَّ المتتبِّع لحال الأُمة الإسلاميَّة عامَّة، وحال مصرنا الحبيبةِ خاصة، ليؤلِمه ما آلَ إليه حالُ المسلمين من التشرذُم والتحزُّب، والفُرقة والاختلاف الذي لَم يَطُل العوام فحسب، بل لقد طالَ أيضًا أبناءَ الصحوة الإسلاميَّة؛ فُرادى وجماعات.

أيها الإخوةُ الكرام، إنَّ حقلَ الدعوة إلى الله -تعالى- والعمل لدِينه، مَيدانٌ واسع كبير، لا ينبغي لبعضنا أن يستأثِرَ به دونَ البعض الآخر، وإنما ينبغي أن نسعى دائمًا لتكميل بعضنا بعضًا، ولسَدِّ أيِّ ثغرٍ قد يؤْتَى من قِبَلِه الدِّين، كلٌّ حسبما يَفْقَه ويُحسن، فهذا يدعو إلى التوحيد الخالص وإلى نَبْذ البدع والخُرافات، وآخرُ يَمتلكُ حِسًّا دعويًّا عاليًا يجوبُ به الآفاق، وثالثٌ يُحسن تربيةَ الناس ومعاملتهم، ورابعٌ لَدَيه القدرةُ على الدخول في مُعترك السياسة دون تقديم التنازُلات، وخامسٌ نحسبُ أنه يُتقن العلم؛ ليتصدَّرَ للإفتاء والتأليف، وسادسٌ وسابع!

أيُّها الكرام، ما كتبتُ لكم هنا لأَسْرِدَ لكم واقعًا نَلمسه وحاضرًا نعيشه -لعِلمي أنه لا يَخفى على أكثركم- ولكني كتبتُ اليومَ متناسيًا كلَّ ما مضَى، ومُتهللاً ببشائر بدَتْ من بعض عُلمائنا الغيورين على أُمَّتهم ودعوتهم، وإنا لنسأل الله -تعالى- أن يُكَلِّل جهودهم، وأن يوحِّدَ صفوفَهم.

أيُّها العاملون في حقل الدعوة إلى الله، "إن ترابُطَ المسلمين من شأْنه أن يخطوَ بنا خُطوات واسعةً نحو النصر والتمكين، وتعاون الجماعات العاملة في حقل الدعوة من شأْنه أن يُكسِبَ رصيد الصحوة زَخمًا يُؤَثِّرُ ولا شكَّ في انطلاقتها العالَميَّة"[1].

من أجْل هذا فإنني أتصوَّر أنَّ هذا المشروع (توحيد الصف الإسلامي) سيُلاقي -بإذن الله تعالى- قَبولاً بين أبناء الصحوة الإسلامية الذين يتلمَّسون تحقيقَ القدْر الأكبر من المكاسب لصالح الدعوة، وقد جمعتُ فيه ما يُقارب العشرين آليَّة لتوحيد الصف الإسلامي[2]، أرى أنها -بإذن الله تعالى- تُحقِّق الوَحْدة والائتلاف بين أبناء الصحوة دونَ الحَيْد عن العودة الأصيلة إلى الكتاب والسُّنة، راجيًا الله -تعالى- أن يُوجِدَ لهذا الكلام مَسلكًا عمليًّا لتطبيقه به، وأن يفتحَ له قلوبَ الشبيبة والشيوخ.

آليات مقترحة لتوحيد الصف الإسلامي:

1- نزْعُ عَباءة القَداسة التي ألْبسها البعضُ للدُّعاة والعلماء، حيثُ لا يقبل أن يُخطئ شيخه أبدًا، ونبْذُ العصبيَّة الممقوتة للأسماء، وضرورة الاتفاق على منهاج الكتاب والسُّنة، لا على منهاج الأشخاص والأهواء.

2- تغافُر العلماء والدُّعاة وأبناء الجماعات عمَّا صدَر منهم من أخطاء أو شَحناء، أو غيرها -عن قصْدٍ أو دون قصد- وفتْحُ صفحةٍ جديدة قائمة على حُسن الظنِّ وتوسُّم الخير، والتعاون على البرِّ والتقوى.

3- تعميق قضية الولاء والبراء في نفوس الأُمَّة عامَّة، وفي نفوس أبناء الصحوة الإسلاميَّة خاصَّة.

4- تكثيف الأدبيَّات التي تُعنَى بتوحيد المناهج وَفْقَ الكتاب والسُّنة، وتقليل الأدبيَّات الخاصَّة بالجماعات، وتعميم الخطاب الدعوي؛ ليشمل كلَّ أبناء الصحوة الإسلامية، ولا يكون مقصورًا على أبناء جماعةٍ دون أخرى.

5- تربية شباب الصحوة على احترام الآخر، وقَبول رأْيه حتى وإنْ كان مخالفًا لِمَا يَنتهجونه، طالَما أنه يستند إلى دليلٍ صحيحٍ من الكتاب والسُّنة.

6- تلاقي القيادات الإسلاميَّة والدُّعاة والعلماء في المناسبات المختلفة، والأفضل أن تكون هناك لقاءات دوريَّة ومؤتمرات؛ لمناقشة شئون الدعوة، وعلى الصعيد الفردي فإنه من السهل على كلِّ داعية أن يتعهَّد إخوانه بالسؤال والزيارة، والتهنئة والموَاساة في المناسبات المختلفة، أو أن يبعثَ بالرسائل الإخوانيَّة التي تبثُّ الدِّفء في العلاقات وتُذيب كلَّ بقايا الشَّحناء والبغضاء، والنَّزْغ الذي يزرعه الشيطان.

7- ضرورة الأخْذ بمبدأ المناصحة، وعدم احتكار الحقِّ، والتغافُر في قضايا الخلاف السائغ.

8- تكثيف التعاون بين الجماعات في القضايا المصيريَّة، والتوحُّد في المواقف التي تستلزمُ عدمَ التنازع والفُرقة أمام أعداء الدِّين.

9- الرُّقي بمستوى التعاون بين الجماعات العاملة في حقْل الدعوة، عبر تكثيف تبادُل الخبرات الدعويَّة؛ لتوسيع مساحة الدعوة بين شرائح المجتمع، ومن مقاصد هذا الاتجاه أن يتمَّ التنسيق بين القيادات في الأعمال الدعويَّة؛ حيثُ لا يجور بعضنا على بعضٍ، فالمجتمع ساحته رَحبة تتَّسع لعمل كلِّ الدُّعاة، فلنَهْجُرْ مَسْلك التناحُر والتسابُق إلى احتلال المواقع من بعض، وليَكُن النزاعُ بيننا وبين أعداء الله تعالى.

10- تنمية رُوح المودَّة في الأفراد عبر هجْر مَسلك التحذير وتشويه الصورة، بأن يكون حديث الدُّعاة عن بعضهم حديثَ أخٍ مُحِبٍّ لأخيه، محترم لغَيْبته، فينشأ الناشئون في الصحوة على احترامِ كلِّ الدُّعاة وتوقيرهم، والْتماس المعاذيرِ لمخطِّئهم، والدُّعاء لهم جميعًا بظَهْر الغيب.

11- تكوين مجلس حُكماء من قادة ودُعاة الجماعات العاملة في الساحة، يقوم بحسْم النِّزاعات بينها، والتخطيط والسَّعْي لوَحْدة الصف الإسلامي[3].

12- إصدار البيانات المشتركة في حالة الأحداث الجسيمة التي تُلِمُّ بالأُمَّة؛ فإنَّ هذا من شأْنه أن يُشْعِر الشباب بتوحُّد القيادات، فتنموَ رُوحُ العِزَّة الإسلاميَّة في نفوس الشباب، ويَزدادوا ثِقَة وطاعةً لقياداتهم.

13- دَرْءُ كلِّ خلاف يحدث بين الأفراد والجماعات، ومحاولة منْعِ تَفَاقُمه، أو التقليل من أضراره ومَفاسده، وتسوية الخلافات عبر المسئولين، وعدم استخدام المنابر ووسائل الإعلام للحديث عن الخلافات بين الدعوات والدُّعاة.

14- ضرورة التخلُّق بآداب العمل الجماعي، وبآداب الأخوَّة الإسلاميَّة على وجْه العموم، وتطبيق مواثيق المودَّة والموالاة بين المؤمنين.

15- الحدُّ من ظاهرة السَّعْي وراء حشْدِ الشباب إلى الفصيل أو الجماعة التي ينتمي إليها البعض؛ فإنَّ من شأْن هذا الأمر أن يُثيرَ الكثيرَ من الخلافات بين شباب الصحوة.

16- عدم الحيلولة دون مشاركة شباب أحد الجماعات في الأعمال والأنشطة الدعوية تحت مِظَلة جماعة أخرى، كما ينبغي إِعْمَالُ مبدأ تسديد الخير، والعمل لدين الله مع كلِّ أحد.

17- تشكيل مجلس دعوي في كلِّ مدينة أو منطقة يضمُّ مُمثِّلين عن كافة الطوائف الدعويَّة بالمدينة أو المنطقة، يعمل كآليَّة عامة لتنظيم العمل الدعوي بهذه المنطقة.

أيها الإخوة الأعزَّاء، إنْ كُنَّا نشتاقُ إلى أن تجتمع أُمَّتنا يومًا على كلمة واحدة، وتُوَحَّد صفوفها تحت راية التوحيد، فإننا نُهيبُ بعلمائنا ودُعاتنا وقادتنا أن يَسْعوا جاهدين لتحقيق هذا الأمر، ولعلِّي ألفتُ الانتباه إلى أن مجرَّد تطبيق بعض هذه الآليَّات -ولو في الوقت الحالي- هو أمرٌ يحقِّقُ للدعوة إلى الله -تعالى- زخمًا كبيرًا، ومكاسبَ هائلة، تقتربُ بنا من توحيد الصفِّ الإسلامي.

وأخيرًا، فإنني على يقينٍ من أنَّ أُمَّة "الجسد الواحد" لن تُفَرِّط في شرط الخيريَّة التي خصَّها الله -تعالى- بها في قرآنه؛ {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [آل عمران: 110]، وهي في ذات الوقت لن تتغافَلَ عن وصْفِ ربِّنا جلَّ وعلا: {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29].

واللهُ وحْده مِن وراء القصد.

عاصم صفوت الشوادفي . موقع الألوكة

الصوم ووحدة الصف مقال قيم للدكتور . فؤاد على مخيمر ( رحمه الله )

الصوم ووحدة الصف مقال قيم للدكتور . فؤاد على مخيمر ( رحمه الله )

شهر رمضانالحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:
فإن دين الإسلام دين الفطرة الصحيحة، دين يدعو إلى وحدة الصف؛ لأن أتباعه المؤمنين يُعَدّون أمة واحدة، إلههم واحد لا شريك له، قال سبحانه: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 92].

ومن ثَمَّ، جعل الله تعالى مظاهر هذا الدين تتجلى في الدعوة إلى الوحدة: وحدة في الألوهية والربوبية وفي صفاته تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: 1-4]. ووحدة في العبودية: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5]. ووحدة في الصف والقوة والبأس، قال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} [آل عمران: 103]. ووحدة في الجهاد، قال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} [الصف: 4].

فالعبادات الدعوة فيها إلى وحدة الصف موجودة وقائمة، وتُعَدُّ مَظهرًا بَارزًا من مظاهرها..

فالصلاة: النداء لأدائها واحد، وإمام الصلاة واحد، والمسلمون من خلفه وحدة متكاملة في انتظام صفوفهم وائتلاف أرواحهم، وهم مؤتمون بإمام واحد؛ يؤدون خلفه أركانًا وسننًا بنسق واحد بمتابعة إمام واحد، وكذلك توحيد وقت الصلاة مظهر وحدوي.

والزكاة: في أدائها دعوة إلى وحدة الصف؛ ففي مال الغني حق معلوم للسائل والمحروم، كأن الفقير شريك الغني في ماله، وفي ذلك من ارتباط القلوب والتراحم ما لا يخفى، وكذلك إحساس الغني بالفقير؛ اعترافًا بأخوَّة الإيمان التي أفصح عنها القرآن في قوله تعالى: {فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} [آل عمران: 103]، {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10].

والحج: مظاهر الوحدة فيه كثيرة؛ فملابس الإحرام بهيئة واحدة، والتلبية واحدة لمناجاة رب واحد، وأداء الأركان والواجبات والسُّنن في مكان واحد، وهو الحرم الشريف والكعبة المكرمة، وعرفات ومزدلفة ومِنى وكلها في مكة المكرمة، فضلاً عن اجتماع المسلمين من شتى بقاع الأرض على عرفات، وفي حَرم الله الآمن، وغير ذلك من مظاهر وحدة الصف والكلمة.

والصوم: رُقي للروح، وحصن للجسد، وتربية للأعضاء، وهو نصف الصبر، وتجديد للعهد مع الله سبحانه بالتوبة والاستغفار وكثرة الذكر والدعاء والتوحيد الخالص، وتدريب الأعضاء على مهام الرجولة، وإذا تأصّلت الرجولة الإيمانية في المسلمين اتحد صفهم، وقويت شكوتهم، وعلت همتهم؛ ليصبحوا قوة ضاربة في الأرض.

لذا؛ نجد وحدة الصف تنبع من ساحة الصوم، ومن أبرز مظاهرها ما يلي:

أولاً: فرض الصوم بنداء الله للمؤمنين عامة:

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة: 183]. فنداء الله للمؤمنين تكريم لهم وتشريف، ودعوة لهم إلى وحدة صفهم، وتآلف قلوبهم، لعزتهم ورفعة مكانتهم، وفي ذلك من المساواة بينهم ما لا يخفى: فلا فرق بين غني وفقير، ولا بين أبيض وأسود.

ثانيًا: اجتماع المسلمين على بداية رمضان ونهايته دليل على وحدتهم وقوتهم:

البلد الذي يشترك في مطلع الشمس مع غيره من بلاد العالم الإسلامي أو غير الإسلامي، أو كان مطلعه قريبًا من بعضها يلزمه الاتحاد معها في بداية شهر رمضان؛ لأن ذلك يُعدُّ مظهرًا لوحدة المسلمين، وقوة لرباطهم الإيماني، حيث يَتّحِدون في وقت الإفطار والإمساك، ومناجاة الله عند فطرهم وإمساكهم.

كذلك مظهر المسلمين في وحدة صفهم يبرز واضحًا في نهاية رمضان وبداية أول ليلة من شوال؛ فالمسلمون يتحدون في التكبير والتهليل، وفي اجتماعهم لصلاة عيد الفطر في الخلاء، أو في مساجدهم على قلب رجلٍ واحدٍ، وفي ذلك من وحدة الصف ما لا يخفى.

ثالثًا: صلاة القيام في جماعة قوة ووحدة:

اختصاص رمضان باجتماع المسلمين بعد العشاء في كل ليلة منه؛ لأداء صلاة التراويح في جماعة يُعدُّ دعوة إلى وحدة الأمة في عبوديتها لربها، ووحدة صفها.

رابعًا: اعتكاف صفوة من المسلمين في المساجد تربية على وحدة الصف:

فسنة الاعتكاف اختصت بها العشر الأواخر من رمضان؛ تدريبًا لصفوة من أبناء الأمة المسلمة على الرجولة والجندية والاتحاد في المظهر والجوهر؛ لتؤصل في المسلمين وحدة الصف. وهناك مظاهر أخرى للوحدة يطول المقام بذكرها، ولكنها لا تخفى على ذي لُبٍّ.

الصوم يربي الفرد ويبني المجتمع ويؤصل الوحدة

إن المجتمع المسلم المعاصر الذي تمزّق كيانه، وتفرّق صفه، فأضحى ساحة لمطامع أعدائه، فاستولى العدو على بعض مقدساته، وأراق دماء أبنائه على أرضه.. أرى أن هذا المجتمع في حاجة ماسة إلى إعادة بنائه.. ومعلوم أن لبناته هم أفراده.

والصوم أحد أركان هذا الدين الحنيف الذي يتم به البناء؛ فمن أبرز آثاره في تربية الفرد، وبناء المجتمع وتحصين وحدته ما يلي:

1- الإرادة تقوي الإيمان وتتمم البناء:

فالمسلم ينتصر على نفسه، فيكبح جِمَاحها ويُربيها تربية إيمانية قوية، فعندئذ تَقوى إرادته فينتصر على نفسه وعلى أعداء الله؛ لأن كل شيء يَهون أمامه إلا عقيدته ومقدساته، ويُفصح ربُّنا عن هذه التربية فيقول: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} [الأحزاب: 23]. فالإرادة الإيمانية عند أداء الصوم هي التي أصّلت فيهم هذه الروح، وأصّلت الهمَّة والرجولة في كيانهم. فقبل أن يطلب العبد النصر على أعدائه، ينتصر هو على نفسه.

2- الإرادة صمام أمن الجندي المسلم:

فالمسلم إن لم تكن عنده إرادة منضبطة في ضوء الإيمان وصدق عزيمته على الصوم، فلا يمكن أن يقدِّم نفسه فداء لدينه ومقدساته ووطنه؛ لأن من تأصّلت الإرادة في قلبه، فقد قَهر نفسه وشيطانه وعدوه. فمن مأثورات عمر رضي الله عنه: اسألوا الله العون على أنفسكم قبل أن تسألوه النصر على أعدائكم.

ومن ثَمَّ يُعدُّ الصيام علاجًا للنفس وضَابطًا للإرادة، وداعيًا إلى وحدة الأمة؛ ولذا نجد المسلمين قد انتصروا في معاركهم مع العدو في شهر رمضان كغزوة بدر، وفي العاشر من رمضان 1393هـ.

3- الصوم يدعو إلى:

أ- وحدة الهدف والغاية: فالهدف: العبودية، والغاية: تقوى الله.

ب- وحدة الضمير: فالصوم يُؤدَّى بنية صادقة في ضوء مراقبة الله سبحانه، وأثر ذلك يعود على المجتمع في شئونه الاقتصادية والاجتماعية، والعسكرية والميدانية في ساحة القتال.

ج- وحدة الشعور بالمسئولية: فالإحساس بالمسئولية التضامنية في بناء المجتمع وازدهاره أمر واجب، والدفاع عنه واجب، والشعور بآلام المسلمين واجب، والمشاركة الوجدانية والمادية في تفريج كروبهم ومناصرتهم واجب... إلخ.

د- وحدة الصف: تتجلى وحدة الصف في تربية الصائمين على الخشونة والصبر وقوة الإرادة، واحتمال المتاعب، والتدريب على الجندية؛ فلا مجال للترف والإسراف، بل سبيل الصائم التقشف وضبط النفس، والحسم والعزم؛ فتكتمل الوحدة على أساس متين من الدين.

4- الصوم ثورة تصحيح وتغيير في المجتمع المسلم:

فثورته تتجلى في ذلك التغيير في الطعام والشراب، وضبط الوقت عند الإفطار والإمساك، وفي السلوك التربوي، والقيم العالية في البيت والشارع والعمل، والاعتكاف في ساحة العبودية، وغير ذلك مما يطول المقام بذكره.

والله وحده من وراء القصد.

شياطين رمضان الموثقة والمطلقة

شياطين رمضان الموثقة والمطلقة
شياطين رمضان الموثقة والمطلقةمن أعظم ما ميّز الله به شهر رمضان المبارك؛ تصفيد الشياطين فيه، وإراحة الخلق من شرِّهم وضُرِّهم، وترك الفرصة مواتية لمن أسرف على نفسه بالذنوب أن يتوب.. فمن صفَّدته الشياطين على مدى عامه المنصرم فلا يتحرك إلا في رضاها تغيَّر به الحال، فصار القيد على عدوِّه، وأطلقه الله بعد قيده، وحرّره من أسر خصمه، فماذا بقي له إلا الفرار إلى الله؟!

فعن أبي هريرة t قال: قال رسول الله : "إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ، فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ"[1].

وعنه t قال: قال رسول الله : "أَتَاكُمْ رَمَضَانُ شَهْرٌ مُبَارَكٌ، فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، لِلَّهِ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ"[2].

وعنه t قال: قال رسول الله : "إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ"[3].

فرمضان فرصة عظيمة لكل مذنب -وكلنا ذاك الرجل- أن ينطلق في باحة الطاعة الرحبة بعد أن كان في قبضة الشيطان أو كاد، بعد أن فُكَّت عنه القيود، وحُلَّت الأصفاد.

تصفيد الشياطين وذنوب بني آدم!

ويعجب البعض من جرأة الناس على انتهاك حرمة الشهر المبارك بالولوج إلى سجن المعصية، والتلطخ بأوحال الذنوب، والوقوع في شراك السيئة، وقد فُقد المحرِّض، وزال الموسوس، وغاب المُزين… فما معنى تصفيد الشياطين وما زال الناس يقعون في الذنوب والمعاصي؟!
والحقيقة أن هذا سؤال مهم، والأهم منه أن نُجيب عليه..
فنقول -وبالله نصول ونجول-: إنه لا يمكن لذي عينين أن يُنكر إقبال الناس على الخير في رمضان، وكفِّ الكثير منهم عن الكثير من الذنوب والعصيان، فها أنت ترى المساجد تمتلئ بعد قطيعة، والفقراء يغتنون بعد مسغبة، والقرآن يُتلى بعد هجر، وترى معالم الإيثار بعد مظاهر الأثرة، وتبصر النفوس تسكن، والضمائر ترتاح، والقلوب ترضى، والصلات تعود، والروابط تقوى، وغير ذلك مما لا تكاد تراه في غير رمضان، فهذا دليل ظاهر على الإقبال بعد الإدبار، والرجوع عقب التولي، وفي أعداد التائبين الرمضانيين ما يفوق العد والحصر، والمردُّ في ذلك الخير إلى تصفيد الشياطين وسلسلتهم لمنعهم من وسوستهم.

ردود على هذا الإشكال

ومن الردود على هذا الإشكال والإجابة على السؤال، نقول:
* إن الشياطين لا تخلص فيه لِما كانت تخلص إليه في غيره، فتضعف قواها، وتقل وسوستها، لكنها لا تنعدم بالكلية.
* وربما أن المراد بالتصفيد والسلسلة إنما هي للمردة ورءوس الشياطين، دونما من دونهم، فيفعل الصغار ما عجز عن بعضه الكبار، وقيل العكس؛ فالمصفَّد الصغار، والمطلوق كبيرهم وزعيم مكرهم وكيدهم؛ لأن الله أجاب دعوته بأن ينظره إلى يوم يبعثون، ليواصل الإغواء والإغراء والإضلال، وفي كلا الحالين فالعدد يقل، والوسوسة تضعف.
* وربما أن المراد أن الصيام يستلزم الجوع، وضعف القُوى في العروق وهي مجاري الشيطان في الأبدان، فيضعف تحركهم في البدن كأنهم مسلسلون مصفَّدون، لا يستطيعون حراكًا إلا بعسر وصعوبة، فلا يبقى للشيطان على الإنسان سلطان كما في حال الشبع والري.
* وربما أن المراد أن الشياطين إنما تُغل عن الصائمين المعظِّمين لصيامهم، والقائمين به على وجه الكمال، والمحققين لشروطه ولوازمه وآدابه وأخلاقه، أما من صام بطنه ولم تصم جوارحه ولم يأت بآداب الصيام على وجه التمام، فليس ذلك بأهل لتصفيد الشياطين عنه.
* وربما أن المراد أن الشياطين يصفدون على وجه الحقيقة، ويقيدون بالسلاسل والأغلال، فلا يوسوسون للصائم، ولا يؤثِّرون عليه، والمعاصي إنما تأتيه من غيرهم كالنفس الأمَّارة بالسوء. والله أعلم بالمراد.

ومن المعلوم المفهوم والمحسوس الملموس أن الشياطين ينقسمون إلى شياطين إنس وشياطين جن، فمن يحمينا من شياطين الإنس الذين ينشط بعضهم في رمضان أكثر من أي شهر آخر؟! فهم يقومون بدور إبليس على أكمل وجه، ويحتلون مكان الشيطان على أتمِّ صورة، ويهتفون في مسمعه البغيض: نم، عليك شهر طويل عريض، ونحن على آثارك مهتدون، وبدورك قائمون، وعن مهام حزبك مناضلون. ونظرة منك فاحصة لِما يُعرض في أكثر القنوات الفضائية في رمضان يثبت لك ما يقوم به شياطين الإنس من سوءٍ وفحش يعجز عن إخوانهم المصفَّدين، فيا ليت شعري متى نرى القيود والأصفاد في أرجل هؤلاء الشياطين المفسدين، نعوذ بالله منهم أجمعين.
عبد اللطيف بن هاجس الغامدي . داعية سعودي

من انتصارات رمضان فتح البوسنة والهرسك 791 هــ

فتح البوسنة والهرسك   فتح البوسنة والهرسك سيكون الحديث عن منطقة من مناطق العالم الإسلامي تواجه أعظم هجمة صليبية في العصر الحديث، حيث يُقضى على المسلمين بالقتل والأسر والتهجير، وحيث يموت الآلاف بأيدي الصليبيين، أو نتيجة الجوع والعطش والمرض، حيث هم محاصرون منذ سنوات.

إنها منطقة البوسنة والهرسك، نعود إليها عبر سنين مضت لنعرف كيف وصلها الإسلام وانتشر فيها، وكيف انتصر المسلمون على النصارى الصرب في ذلك الوقت، وضموها إلى بلادهم.

في ذلك التاريخ كانت الدولة العثمانية في أوج قوتها وازدهارها حينما اكتسحت أوربا الشرقية، فتهاوت مدنها ودولها تحت ضربات الجيش العثماني المسلم، ووصلت طلائع هذا الجيش إلى مدينة فيينا لتحاصرها فترة من الزمن، ويتسابق ملوك أوربا بإعلان الولاء والانقياد للسلاطين العثمانيين، في ذلك التاريخ كان همُّ هؤلاء السلاطين الجهاد في سبيل الله، ونشر كلمة التوحيد في كل مكان.

لنتوقف قليلاً في عهد السلطان مراد الأول بن السلطان أورخان الغازي، فقد كان من السلاطين العظام الذين جاهدوا في سبيل الله، ففتحوا المناطق الواسعة من أوربا.

ولد هذا السلطان سنة ست وعشرين وسبعمائة للهجرة (726هـ)، ونشأ على كريم الأخلاق، ولما شبَّ اشترك مع والده في جهاد اليونان، فأظهر بسالة لا توصف، وإقدامًا لفت الأنظار، وبعد وفاة والده تولى الحكم سنة إحدى وستين وسبعمائة هجرية (761هـ)، فقضى كل سِنِي حكمه في جهاد مستمر.

كانت أول أعماله الجهادية فتح مدينة (أدرنة) فجعلها عاصمة لدولته، وظلت كذلك حتى فتحت القسطنطينية، ثم ساق جيشه نحو البلقان فتبوءوا مدنها وافتتحوا حصونها، وأبرم معاهدة مع ملك اليونان، بيد أن هذه المعاهدة لم تستمر طويلاً، حيث نقضها اليونان، وهكذا استطاع السلطان مراد الأول أن يستولي على جزء كبير من أوربا الشرقية، وأن يحيط بالقسطنطينية من جميع الجهات.

وهنا اضطرب ملوك أوربا النصارى وارتعدت فرائصهم، وأدركوا عظيم الخطر الذي تشكله هذه الدولة المسلمة الفتية، فطلبوا من البابا (أوربانوس) الخامس أن يأمر جميع الدول النصرانية أن تتحد للوقوف في وجه المسلمين، وإخراجهم من أوربا قبل أن يجتازوا حدود البلقان، وحينئذٍ لا يستطيع أحد الوقوف في وجههم، فيكتسحوا أوربا كلَّها.

ولبَّى البابا استغاثتهم وكتب لجميع ملوك أوربا النصارى يأمرهم بالتأهُّب لمحاربة المسلمين، وأن يشنوا حربًا دينية للحفاظ على النصرانية في وجه الإسلام، ولم ينتظر الملك أوروك الخامس ملك الصرب وصول الإمدادات من أوربا، بل استعان بالدول القريبة منه وكوَّن جيشًا جرارًا من اليونان والصرب والمجر والرومان، وسار بهم إلى عاصمة العثمانيين أدرنة فحاصرها، وكان السلطان مراد خارجها فعاد مسرعًا بجيشه، وهاجم النصارى بغتة، حيث فوجئوا بالتهليل والتكبير وسيوف المسلمين تعلوهم، فلم يلبثوا إلا قليلاً حتى ولوا الأدبار تاركين الثرى مخصبًا بدمائهم، وهكذا فشلت محاولة الصرب هذه ضد المسلمين.

وكان من نتيجة هذه المعركة أن تسابق حكام البلقان لإعلان الولاء للمسلمين، ودفع الجزية لهم.

وفي سنة إحدى وثمانين وسبعمائة (781هـ) تحالف ملك الصرب الجديد (لازارجر بلينانوفتش) مع ملك البلغار على مهاجمة المسلمين، لكنهما بعد عدة مناوشات تحققا من عجزهما عن هزيمة العساكر الإسلامية، فأبرما صلحًا مع السلطان مراد، على أن يدفعا له خراجًا سنويًّا.

ولم يستمر هذا الصلح طويلاً فقد نقضه النصارى، وبدءوا يُعِدُّون العُدَّة لمحاربة المسلمين، إلا أن العثمانيين لم يمهلوهم، فاجتاحت جيوشهم بلاد البلغار، وهزمت ملكها واحتل مدنها، وانتهى الأمر بأسر ملك البلغار.

ولما علم ملك الصرب لازار بذلك، بدأ يستعد لمواجهة المسلمين فألَّف جيشًا من الصرب والبوسنة والهرسك والألبان والأفلاق والبُغدان، وتعاهد الجميع على محاربة المسلمين والاستيلاء على الدولة العثمانية، وبلغ الخبر مسامع السلطان مراد، فألف مجلسًا للشورى والنظر في الأمر، لكن ولده بايزيد هتف قائلاً في المجلس: "الحرب الحرب، والقتال القتال"، فأبطل كل مشورة.

ودقت طبول الحرب وسار الجيش الإسلامي إلى الأعداء، فالتقاهم في سهل (قوص أوه) سنة إحدى وتسعين وسبعمائة (791هـ)، ونشب القتال بين الجانبين، ووثب المسلمون على النصارى والتحموا معهم في القتال التحامًا لم يعد يُرى معه إلا جماجم طائرة وفرسان غائرة، ودويّ سلاح يدك الجبال الشامخة، وبقيت الحرب بينهما سجالاً مدة من الزمن، دافع الصليبيون الصرب خلالها دفاعًا مستميتًا، وتناثرت الرءوس، وأزهقت النفوس، وفي أثناء المعركة انحاز صهر ملك الصرب بفرقته إلى المسلمين، ودارت الدائرة على الصربيين، وجرح ملكهم لازار، ثم وقع أسيرًا في يد المسلمين، وانتصر المسلمون على الصربيين، وكانت من المعارك الحاسمة في تاريخ أوربا الشرقية، وظلَّ ذكرها شهيرًا في أوربا بأسرها، وزال استقلال الصرب وخضعت كل بلادها للمسلمين، كما فقدت البلغار استقلالها من قبل.

وبعد المعركة أخذ السلطان مراد يتمشى بين الجثث وينظر إليها بعين الاندهاش، إذ قام من بينها جندي صربي اسمه (ميلوك كوبلوفتش)، فطعن السلطان بخنجر طعنة قاضية، وسقط -رحمه الله- ليسلم الروح بعد قليل.

سهل كوسوفو بولجي معركة قوص أوه وهكذا شهد سهل كوسوفو بولجي معركة (قوص أوه) الحاسمة بين المسلمين والصرب، وانتصر المسلمون انتصارًا عظيمًا، وأخذ الإسلام ينتشر في تلك البقاع حتى تحولت مناطق كاملة إلى الإسلام، كما هو الحال في البوسنة والهرسك وكوسوفو وغيرها.

وكما يشهد هذا السهل انتصار المسلمين، فقد شهد أيضًا غدر الصرب الذي ذهب ضحيته سلطان المسلمين مراد، فمات -رحمه الله- أوائل شهر رمضان من سنة إحدى وتسعين وسبعمائة من الهجرة (791هـ)، وسجل التاريخ منذ ذلك الوقت -وإلى يومنا هذا- أن الصرب لا يلتزمون بعهد ولا ميثاق، ولا يعرفون في تعاملهم مع المسلمين إلا لغة القوة والبطش وسفك الدماء.

واليوم وكما غدر الصرب وأعوانهم بقائد المسلمين في تلك المعركة، يغدرون بالمسلمين جميعًا في البوسنة والهرسك، فيقتلون ويأسرون ويغتصبون، لا يردعهم خلق ولا دين، ولا يرقبون في مؤمن إلاًّ ولا ذمة، والعجب كل العجب أن يقف المسلمون جميعًا موقف المتفرج على هذا كله.

المصدر: كتاب (من معارك المسلمين في رمضان) للدكتور عبد العزيز بن راشد العبيدي.

حرب العاشر من رمضان بقلم د . يوسف القرضاوي

حرب العشر من رمضان
د. يوسف القرضاوي
حرب العاشر من رمضانمن أهم ما حدث في شهر رمضان المبارك، ما فاجأنا وفاجأ العالم كله من حدث، اهتزت له القلوب طربًا، وابتسمت له الثغور فرحًا، ولهجت به الألسنة ثناء، وسجدت الجباه من أجله لله شكرًا.

إنه الحدث الذي عوضنا عما فُوجئنا به من قبل في الخامس من حزيران (يونيو) 1967م، والذي خسرت به الأمة ما خسرت، وكسبت إسرائيل ما كسبت، وضاعت به -إلى اليوم- القدس والضفة والقطاع والجولان، إضافةً إلى سيناء التي استردتها مصر فيما بعد.

وهذا الحدث الذي أحيا الأمة العربية من المحيط إلى الخليج، بل الأمة الإسلامية من المحيط إلى المحيط، هو حرب العاشر من رمضان (10 رمضان 1393هـ/ 6 أكتوبر 1973م). وأنا أحب دائمًا أن أسميها معركة العاشر من رمضان، وليس السادس من أكتوبر؛ لأن (شهر رمضان) ونفحاته وبركاته وإمداداته التي هبت نسماتها على الجنود والصائمين والمصلين كان له أثره في تحقيق النصر، وإمداد المقاتلين بشحنة إيمانية دفعتهم إلى البذل والفداء، أما (أكتوبر) فليس له أي إيحاء، أو دخل في هذا النصر.

ما زلت أذكر هذا اليوم المشرق، وقد خرجت من درس العصر في مسجد الشيخ خليفة، فإذا الأنباء المبشرة تستقبلني، وإذا الهواتف تدق ولا تتوقف، للاتصال بي من هنا وهناك، مهنئة بما وقع، شاكرة لله -تعالى- الذي صدق وعده، وأعز جنده، وهزم الظالمين وحده.

في أول الأمر خفت أن نكون مخدوعين، كما خدع كثيرون أيام نكبة 5 يونيو 1967م، فقد كانت القاهرة تذيع الأكاذيب على الناس، وتخدرهم بأخبار لا أساس لها: طائرات إسرائيلية تسقط بالعشرات، والحقيقة أن طائراتنا هي التي ضُربت في مدرجاتها، ولم تطر حتى تسقط، ولكن كانت الشواهد كلها تؤكد أن هذه حقيقة وليس حلمًا، وأنه واقع وليس من نسج الخيال.

ألا ما أحلى مذاق النصر، وخصوصًا بعد تجرع مرارة الهزيمة المذلة من قبل! وللأسف طالت هزائم الأمة في معارك شتى، وذرفت الدموع كثيرًا على هزائمها، حيث لم تغنِ الدموع، وآن لها أن تجد مناسبة تفرح بها بعد حزن، وأن تضحك بعد طول بكاء.

لقد عبر الجيش المصري القناة، صنع قناطر أو جسورًا للعبور عليها، مكونة من أجزاء، تُركب في الحال، ويوصل بعضها ببعض، فتكون جسرًا فوق الماء تعبر فوقه المصفحات والمجنزرات والدبابات إلى البر الآخر، وقد بدأ بالعمل فيها منذ سنوات، ثم بدأت تجربتها، والتدريب عليها منذ شهور، في تكتم وسرية بالغة، وهذا عمل مصري خالص، لم يشترك فيه خبراء أجانب؛ ولهذا حُفظ السر، ولم يبح به أحد.

بعد عبور القناة بسلام وأمان ونجاح، اقتحمت القوات المصرية ما عُرف باسم خط بارليف، الذي أقامته إسرائيل؛ ليكون حاجزًا ترابيًّا بعد الحاجز المائي، وكانت العدة قد أعدت لتخطيه بإحكام ومهارة.

وكان كل شيء مُعدًّا بجدارة وأناة وحكمة، ولم يكن هناك شيء مرتجل، وقام كلُّ سلاحٍ بدوره: سلاح المهندسين، وسلاح الفرسان والمدرعات، وسلاح الطيران، كلٌّ قام بما هيئ له، وما كلف به.

وقد اختير التوقيت المناسب لبدء المعركة، وكان رمضان هو الوقت الملائم نفسيًّا وروحيًّا؛ لما يمد به الجنود من نفحات، وما يعطيهم من شحنة روحية، وكان أكتوبر مناسبًا، من حيث المناخ، وليس فيه حرارة الصيف، ولا برد الشتاء.

وكان الوقت مناسبًا من ناحية أخرى أنه يوم الغفران، أو عيد الغفران عند اليهود، فلننتهز غفلتهم وانهماكهم في الاحتفال بالعيد؛ لنفاجئهم بضربتنا، كما فاجئونا بضربتهم في يونيو 67.

ولا يقال: كيف نباغتهم ولا ننذرهم؟ فمثل هذه الحرب لا تحتاج إلى إنذار ولا إبلاغ؛ لأنها حرب دفاع للمحتل، وهي مستمرة معه لم تتوقف.

وأهم من هذا كله: الروح المعنوية التي كان يحملها المقاتل المصري.. إنها روح الإيمان؛ الإيمان بالله تعالى، وأنه ينصر من نصره، والإيمان بأننا أصحاب الحق، والحق لا بد أن ينتصر، والباطل لا بد أن يزهق {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء: 81].

فرق بين حربين

حرب يونيو 67 النكسةوفرق كبير بين هذه الحرب وحرب يونيو 67، فقد كان العنصر الإيماني والروحي مغيبًا عنها تمامًا؛ لذلك لم يحالفها النصر.

كانت كلمة السر في حرب 67: "بر بحر جو"، ولكن الواقع يقول: إنهم لم ينتصروا في بر ولا بحر ولا جو، ولم يكن الذنب ذنب الجيش وجنوده، ولكن ذنب القادة الذين جروهم إلى حرب لم يخططوا لها، ولم يعدوا لها العُدَّة، ولم يأخذوا لها الحذر، كما أمر الله.

لقد ترك الجنود أسلحتهم، وتركوا دباباتهم ومصفحاتهم، لم يحاولوا أن يشعلوا فيها النار بعد أن تركوها، حتى لا يغنمها العدو ويستفيد منها؛ لأن همَّ كل واحد منهم كان هو النجاة بنفسه، واللياذ بالفرار.

لقد اعتمدوا على الآلات، فلم تغنِ عنهم الآلات، واتكلوا على السلاح فلم ينجدهم السلاح؛ لأن السلاح لا يقاتل بنفسه، إنما يقاتل بيد حامله، ويد حامله إنما يحرِّكها إيمان بهدف، وإيمان برسالة، وهذا لم يعبأ به الجنود.

يقول أبو الطيب:
وما تنفع الخيل الكرام ولا القنا *** إذا لم يكن فوق الكرام كرام

ويقول الطغرائي في لاميته:
وعادة السيف أن يُزهَى بجوهره *** وليس يعمل إلا في يدي بطل

ماذا تجدي خيل بغير خيال، وفرس بغير فارس، وسيف صارم بغير بطل؟!

فلا عجب أن كانت الهزيمة الثقيلة المذلة في 67؛ فهذه نتيجة منطقية لمقدمتها، كما قال العرب: إنك لا تجني من الشوك العنب. وصدق الله I إذ يقول: {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا} [الأعراف: 58].

سُئل الرئيس حسني مبارك عندما كان نائبًا للرئيس السادات في 27-9-1975م، سأله بعض الصحفيين: ماذا أخذنا من دروس 67 في الإعداد لقتال 6 أكتوبر؟ قال: "باختصار.. في 67 لا تخطيط.. لا إعداد.. لا تدريب.. لا تنسيق بين العمل السياسي والعسكري". اهـ.

وأهم من ذلك: أننا لم نزود جنودنا بالإيمان، في حين تجتهد إسرائيل أن تزود جيشها بتعاليم التوراة، وتوجيهات التلمود، ونصائح الحاخامات.

وكان من ثمرات محنة 67: أنها أيقظت في الناس المعنى الديني، والضمير الديني، والرجعة إلى الله، وبدأت حركة إيمانية قوية في القوات المسلحة، وكان الحرص على إقامة الصلاة، وقام وعَّاظ الأزهر بدورهم في التنبيه والإحياء، وكان هناك شعور عام بالحاجة إلى الله، والدعاء بنصر الله، فلا غرو أن كان شعار المعركة "الله أكبر".

إن الجندي المصري في 73 هو نفسه في 67 من حيث الشكل والمظهر، ولكنه غيره من حيث الباطن والجوهر، إن الإنسان إنما يُقاد من داخله لا من خارجه، ولا يقود الناسَ في بلادنا شيءٌ مثل الإيمان، ولا يحركهم محرك مثل الإيمان.

وهذا ما لم تفهمه قيادة 67، فقد عزفوا على منظومة القومية، ومنظومة الاشتراكية، ومنظومة الثورية، فلم تحرك ساكنًا، أو تنبه غافلاً في الجندي المصري، أو الجندي العربي عمومًا.

ولكنك إذا حركته بـ"لا إله إلا الله والله أكبر".. إذا رفعت أمامه المصحف، إذا قلت: يا ريح الجنة هبي، إذا ذكرته بالله ورسوله، وذكرته بالأبطال العظام: خالد وأبي عبيدة وسعد وطارق وصلاح الدين وقطز وعبد القادر الجزائري، وعمر المختار - فقد خاطبت جوَّانيته، ودخلت في أعماقه، وأوقدت جذوته، وحركت حوافزه، وبعثت عزيمته.

وهنا لا يقف أمامه شيء، إنه يصنع البطولات، ويتخطى المستحيلات؛ لأنه باسم الله يتحرك، وباسم الله يمضي، وعلى الله يتوكل، {وَمَنْ يَتَوَكلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق: 3]، {وَمَن يَعْتَصِم بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [آل عمران: 101].

المصدر: موقع إسلام أون لاين.

من انتصارات رمصان فتح الأندلس ( أسبانيا حالياً ) 91هــ

فتح الأندلس في رمضان 91هــ
فتح الأندلسلم يمض القرن الإسلامي الأول حتى كان فتح عظيم من فتوحات شهر رمضان الكريم، وهو فتح عظيم في التاريخ الإسلامي يكاد يلي في أهميته الفتح الإسلامي لمصر أرض الكنانة بلد الإسلام، إنه فتح الأندلس على يد المقاتل البارع والقائد الفذ طارق بن زياد.

في عهد الدولة الأموية استطاع القائد المسلم موسى بن نصير فتح بلاد المغرب العربي، وبذلك دخل البربر في دين الله وعمل موسى بن نصير على تعليم الناس أمور دينهم وتفقيههم فيه، وعمل على تدعيم الوجود الإسلامي ببلاد المغرب العربي، فكان له ذلك بخبرته وحنكته والتزامه بشرع الله، فصار البربر من جند الله المجاهدين.

لكن بقيت إحدى مدن المغرب عصية على الفتح الإسلامي وتسمى سبتة، وحاكمها يسمى يوليان وكان من حلفاء ملك الأندلس غيطشة، وكان يأتيه المدد عبر البحر من الأندلس، ثم مات غيطشة وخلفه في ملك الأندلس لذريق، وحدث أن اغتصب لذريق هذا ابنة يوليان حيث كان قد أرسلها إلى القصر لتتعلم وتتأدب بأدب الملوك، فأقسم يوليان على أن يزيل ملك لذريق، وحاول محاولات عدة لكنه لم يجد غير التحالف مع المسلمين سبيلاً، ورأى موسى بن نصير أن الفرصة سانحة لفتح الأندلس ونشر الإسلام فيها وهي في هذه الحالة من الضعف والفوضى.

وبعث موسى بن نصير إلى الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك يستأذنه في فتح هذه البلاد وواصفًا له مكانتها من المسلمين، مبينًا سهولة دخولها بناء على ما أوضحه له يوليان، فأمره الوليد بن عبد الملك بإرسال سرية صغيرة تختبر تلك البلاد؛ كي لا يقع المسلمون في مأزق في تلك البلاد، فأرسل موسى بن نصير أحد قادة جنده ويسمى طريف بن ملوك، فعبر إلى الأندلس في خمسمائة جندي وكان ذلك في رمضان سنة إحدى وتسعين للهجرة، ونزلوا في بلدة سميت باسم القائد طريف، وشن المسلمون غارات على الساحل غنموا فيها مغانم كثيرة، ثم رجعوا إلى موسى بن نصير بما حصلوا عليه في تلك المعارك.

بعدما رأى موسى بن نصير نتيجة السرية التي قام بها طريف بن ملوك، أخذ يجهز جيشًا كبيرًا وندب على رأسه رجلاً بربريًّا شجاعًا يسمى طارق بن زياد، وأرسله إلى الأندلس على رأس سبعة آلاف مقاتل مسلم، جُلّهم من البربر الذين حسن إسلامهم والبربر كانوا يتصفون بالقوة والشجاعة والإقدام، وبدأ عبور المسلمين إلى الأندلس ولم يكن لديهم سوى أربع سفن، فتم العبور على دفعات واختبأ الذين عبروا أولاً حتى عبر الجيش كله، وتجمعوا عند جبل سمِّي بجبل طارق تيمنًا باسم القائد الفاتح طارق بن زياد، واستولى المسلمون على الجزيرة الخضراء قبالة جبل طارق، فصارت مواصلات الجيش مع إفريقيا حيث المسلمون كلها آمنة.

لما علم ملك القوط لذريق بخبر المسلمين، أرسل فرقة من جيشه لتهاجم المسلمين لكنها هُزمت وقتل كل جنودها إلا رجل واحد عاد فأخبر لذريق بما رآه من المسلمين في قتالهم، فسار لذريق جنوبًا واستولى على قرطبة وعسكر في سهل البرباط، وكان تعداد جيشه مائة ألف مقاتل تقريبًا، وسار طارق بن زياد بجيشه متوجها إلى قرطبة وتوقف عند نهر البرباط، وتحسس أخبار لذريق فعرف مكانه وعدد جيشه، فأرسل إلى موسى بن نصير طالبًا المدد، فأرسل له موسى مددًا تعداده خمسة آلاف مقاتل جُلّهم من العرب، فسار تحت قيادة طارق بن زياد حوالي اثني عشر ألفًا من المسلمين.

أما لذريق فلم يكن من بيت الملك في بلاد الأندلس، لكنه لما هلك غيطشة ملك الأندلس ترك أولادًا لم يرضهم أهل الأندلس واضطرب الأمر هناك، فتراضوا على لذريق هذا وكان من قوادهم وفرسانهم فولوه ملكهم، لكنه خالف تقاليد الملك وفعل أشياء شنيعة؛ لذا لما تلاقى الجيشان كان أبناء ملك الأندلس قد اتفقوا على أن ينهزموا بجنودهم، وقد ظنوا أن المسلمين إنما جاءوا طلبًا للغنائم فقط، ونشبت المعركة وأبلى المسلمون بلاء حسنًا، على الرغم من أن غالب المسلمين كانوا رجَّالة بلا خيول بينما جنود القوط من الفرسان، واستمرت المعركة ثمانية أيام، وانضم عدد من جيش لذريق إلى المسلمين بغضًا له وتشفيًا فيه، وحدث اضطراب في جيشه، ففرَّ لذريق وفرَّ بقية جيشه وسيوف المسلمين تحصدهم..

ولم يعثر على أي أثر للذريق بعد هذه المعركة حيًّا أو ميتًا، وقد استشهد في هذه المعركة ثلاثة آلاف مسلم، وكانت هذه المعركة العظيمة التي انتصر فيها المسلمون انتصارًا عظيمًا في شهر رمضان في العام الثاني والتسعين للهجرة النبوية المباركة.

إن هذه معركة انتصر فيها المسلمون انتصارًا عظيمًا على الكفر وأهله، رغم فارق كبير جدًّا في العدد والعتاد، ولكن الإيمان الصادق والرجال المخلصين والقيادة الواعية المدركة بمآل الأمور والفهم الواضح لهذا الدين العظيم إذا اجتمعوا في جيش، فهذا الجيش لا بد منتصر، هذا رغم اختلاف الأعراق فكان الجيش مكونًا من العرب والبربر وكان لكل منهم لغة ولكل منهم عادات وتقاليد، لكن جمعهم الإيمان بالله والأخوة في الله والرغبة الصادقة في نشر الإسلام في كل بلاد الأرض؛ لكي لا يدَّعِي المدعون والذين ينادون بالقومية والوطنية أن الدين لا ينفع أن يكون جامعًا للناس تحت لوائه، بل يقصرون ذلك على اللغة والعرق فقط.

بعد هذه المعركة توجه طارق بن زياد بجيشه إلى مدينة شذونة فحاصرها حتى فتحها (ويقال إن الذي فتح شذونة هو موسى بن نصير)، ثم توجه طارق إلى مدينة استجة وفيها فلول جيش لذريق فقاتلهم قتالاً شديدًا حتى فتح الله على المسلمين بالنصر وأسر طارق حاكمها وصالحهم على الجزية. بعد ذلك رأى طارق أن جيشه قد كثر عدده؛ بسبب عبور كثير من أهل المغرب وانضمامهم للجيش، فعمل على تقسيم الجيش إلى فرق عدة، وكلف كل فرقة بفتح مدينة من المدن الأندلسية، فبعث مغيثًا الرومي مولى الوليد بن عبد الملك إلى قرطبة في سبعمائة فارس ليس معهم راجلٌ واحد، حيث لم يبق من المسلمين راجلٌ إلا ركب من كثرة غنائم المسلمين، وبعث فرقًا أخرى إلى مدن رية ومالقة وغرناطة، أما هو فقد توجه بالجزء الأكبر من الجيش إلى مدينة طليطلة.

أما مغيث فقد فتح الله عليه قرطبة وملكها وفر منها مقاتلو القوط، وكذلك الجيش الذي توجه إلى رية فتح الله عليه وانتصر على أهلها من القوط، ثم فتحت غرناطة وكذلك فتحوا أوريولة بصلح بين المسلمين وقائد القوط فيها وكان اسمه تدمير فسميت المدينة باسمه. وهكذا توالت الفتوحات في بلاد الأندلس، ثم عبر موسى بن نصير ففتح مدنًا كثيرة أيضًا، كان من أشهرها مدينة إشبيلية وهي آخر المدن الأندلسية التي خرج منها الإسلام.

هكذا فتحت الأندلس في القرن الأول الميلادي، فتحت بدماء الشهداء الأبرار، ونقل المسلمون بلاد الأندلس من التخلف والجهل إلى نور العلم وحضارة الإسلام، فصارت الأندلس رمزًا لحضارة الإسلام وللمكانة التي وصل إليها المسلمون من العلم والتقدم، في ذات الوقت الذي كانت مدن أوربا في ظلام دامس من تخلف وجهل.

ونحن إذ نتحدث عن الأندلس يجب أن نذكر أمتنا أن الإسلام بقي في الأندلس بضع قرون حتى وهن المسلمون وضعفوا وتشتتت مدنهم وصار لكل مدينة حاكما، فقام الفرنجة الصليبيون بقتالهم وتوالت هزائم المسلمين حتى كانت آخر المعارك هي معركة أشبيلية وهزم المسلمون فيها شر هزيمة، وهكذا خرج الإسلام من الأندلس، وصارت الأندلس اليوم حليفا مهما لأقوى البغي والطغيان الولايات المتحدة والكيان الصهيوني وشاركت في تدمير بلاد إسلامية كثيرة أهمها العراق وأفغانستان، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
كتبه . مجدي داوود . شبكة الألوكة

10‏/08‏/2011

بيان للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين يندد فيه بالمجازر التي يرتكبها النظام السوري

الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
         المكتب الإعلامي

بيان للاتحاد يندد فيه بالمجازر التي يرتكبها النظام السوري
الدوحة في:  08رمضان 1432هـ
الموافق:08/08/2011م
بيان الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
يندد فيه بالمجازر التي يرتكبها النظام السوري

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.. وبعد:
فإن الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين  يتابع عن كتب وبقلق بالغ ما يحدث في سورية من قيام النظام السوري بقمع شعبه وبمجازر بشرية وجرائم إنسانية ضد الشعب السوري الأعزل كان آخرها مجزرة هلال رمضان التي راح ضحيتها أكثر من 146 شهيداً أكثرهم في مدينة حماة، وتابع جرائمه في بقية المدن والمحافظات المنتفضة في دير الزور وحمص وإدلب والمعرة وغيرها.
والاتحاد العالمي لعلماء المسلمين إذ يُذكّر النظام السوري ببياناته المتكررة وخطب ومواقف رئيسه العلامة الدكتور يوسف القرضاوي يرى ما يلي :
أولاً: يدين الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بأقسى عبارات الإدانة الجرائم البشعة والممارسات الوحشية التي يرتكبها النظام السوري  ضد شعبه الأعزل التي تجلت باستخدام الأسلحة الحربية ذات العيارات الثقيلة،  وفي مهاجمة المدن والمنشآت المدنية والممتلكات العامة والخاصة والمتظاهرين السلميين إلى درجة ترتقي إلى مرتبة الجرائم ضد الإنسانية.
ثانياً: يشدِّد الاتحاد على أهمية الحفاظ على سلمية الثورة وعدم اللجوء إلى السلاح على الرغم من التضحيات الجسيمة التي يقدمها الشعب في وجه هذا العدوان المجرم الآثم . كما يؤكد على رفض أي تدخل أجنبي غير إسلامي، ويحذر من الوقوع في فخ لعبة الطائفية التي يروجها النظام  ليشرذم الجهود ويحول الثورة إلى اقتتال  طائفي .
       ثالثاً: يقدر الاتحاد الموقف الأخلاقي السامي للشعب السوري المطالب بحريته في وجه آلة الظلم والجور والاستبداد العاتية وصبره على الأذى في سبيل ذلك، وأن ذلك يرقى إلى أعلى درجات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما قال الله عز وجل على لسان سيدنا لقمان: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} [لقمان:17] وهو كذلك من أفضل الجهاد كما في الحديث: "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر"، وأن من قتل في مواجهة الظلمة فهو شهيد.
رابعاً: يؤكد الاتحاد على وجوب دعم ومؤازرة الشعب السوري في محنته كما ورد بذلك الأحاديث الثابتة، ويدعو إلى دفع الصدقات وزكاة المال (ونحن في شهر الخير والعطاء) للمتضررين الذين فقدوا المعيل، باستشهادهم أو اعتقالهم أو ملاحقتهم.
خامساً: يندِّد الاتحاد بالتعتيم والتضليل الإعلامي الذي يمارسه النظام لتزوير الحقائق التي تجري في سورية، وقد عمدت الحكومة إلى مصادرة أجهزة الجوال وكاميرات الفيديو التي تجدها مع الشعب لإخفاء الحقائق التي أصبحت مكشوفة مهما حاول النظام إخفاءها والتستُّر عليها.
سادساً: يشيد الاتحاد بالبيان الصادر من دول مجلس التعاون الخليجي وبالخطوة السعودية في استدعاء سفيرها في دمشق للتشاور، ويتوجه الاتحاد بالشكر الخالص لخادم الحرمين الشريفين على موقفه هذا في مساندة الشعب السوري وتأييده لمطالبه العادلة أملا أن تتبع هذه الخطوة خطوات أخرى تهدف لرفع غطاء الشرعية عن النظام السوري وعزله وإضعافه والعمل بكل الوسائل الدبلوماسية وممارسة كل أنواع الضغط السياسي والاقتصادي والإعلامي والمعنوي عليه حتى يستجيب لجميع مطالب الشعب السوري.
       ويشيد الاتحاد بالتحرك التركي الأخير ويضع الحكومة التركية ولاسيما الرئيس أردوغان أمام مسؤولياته تجاه حماة التي تعهَّد بحمايتها سابقاً .
سابعاً: يطالب الاتحاد منظمة المؤتمر الإسلامي وجامعة الدول العربية أن تخرجا من صمتها القاتل، وتقوما بواجبهما نحو الشعب السوري الذي تُقمع إرادته، ويٌقتّل أبناؤه جهارا نهارا، وتقام المجازر دون استحياء.
ثامناً: يدعو الاتحاد الشعب السوري إلى الصبر والثبات واستمرار مظاهراته بقوة حتى تتحقق مطالبه المشروعة، داعيا الجيش وقوى الأمن إلى القيام بمسؤوليّاتهم الشرعيّة والوطنيّة في حماية الشعب الأعزل والدفاع عنه، ولا يجوز لهم إطلاق النار وترويع الآمنين، فضلاً عن القتل، ولا طاعة عليهم لمن يأمرهم بذلك كائناً من كان، ومن قُتل منهم لرفضه القتل وإطلاق النار، أو قُتل مطالباً بحقّه في الحرّيّة والكرامة، أو مدافعاً عن عرضه أو ماله، محتسباً لله في نيّته، فهو عند الله من الشهداء المبرورين.
تاسعاً: يذكّر الاتحاد علماء ومشايخ سورية بمسؤوليتهم أمام الله وأمام الشعب، في الوقوف مع الشعب المضطهد والجهر بكلمة الحق ونطالبهم بقيادة التظاهرات والإصرار على سلميتها، وندعوهم إلى إقامة صلاة التراويح في الساحات العامة والدعاء الطويل بعدها..
وأضعف الإيمان إذا لم يجهروا بكلمة الحق أو يشاركوا في الجهاد ضد الظلم أن لا يقفوا مع الباطل، ويلتزموا الصمت "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت".
عاشراً: يدعو الاتحاد الشعوب الإسلامية والعربية، لمساندة الشعب السوري، والشعب اليمني، والشعب الليبي، بالمظاهرات السلمية المؤيدة لهم، وبالدعاء والقنوت لهم بالنصر العاجل.
وفي الختام يقدم الاتحاد إلى الشعب السوري أحر التعازي باستشهاد ثلة مباركة ضمن قوافل الشهداء التي يقدِّمها أبناؤه المناضلون الذين نفضوا غبار الذل، وشقوا طريقَ العزة والحرية.. ومهدوا الطريق للشعب من بعدهم، وسقوا أشجار الكرامة بدمائهم الزكية الطاهرة.
وندعو الله تعالى أن يزيد هذا الشعب قوةً وثباتاً، ويربط على قلوبهم، ويثبت أقدامهم في طريق نضالهم الشائك.. حتى تستقر سفينتهم على شاطئ العزة والكرامة..
        ونسأل المولى عز وجل أن يجعل هذا الشهر شهر خير وبركة وفرَج ونصر مؤزر ونُصرةٍ للشعوب المظلومة في كل مكان وبخاصة في سورية واليمن وليبيا. وإننا على يقين باقتران النصر بشهر رمضان المبارك فهو شهر الانتصارات الحاسمة في تاريخ الأمة الإسلامية بدءا من النصر في غزوة بدر الكبرى، ثم فتح مكة ضد المشركين، مروراً بالنصر المؤزَّر في معركة عين جالوت ضد أعتى أعداء العالم من التتار، ونسأل الله أن يحقق النصر لأمتنا وشعبنا في هذا الشهر العظيم ويختمه بفرحتين: فرحة الفطر وفرحة سقوط أنظمة القمع والظلم والاستبداد التي يأتي في مقدمتها النظام السوري الغاشم.
والله مولانا وحسبنا وناصرنا، وهو نعم المولى ونعم النصير.

   أ.د علي القره داغي                           أ.د يوسف القرضاوي
     الأمين العام                                    رئيس الاتحاد