بسم الله الرحمن الرحيم . إذا أردت أن تحفظ القرآن وتحصل على سند ، ما عليك سوى الاتصال بنا . كما يمكنك الحفظ معنا عبر الإنترنت
إذا أردت دراسة أحد علوم اللغة أو أحد المواد الشرعية فقط راسلني .::. إذا أردت إعداد بحث لغوي أو شرعي فنحن نساعدك بإذن الله

language اللغة

English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

اذكر الله

‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات أدبية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات أدبية. إظهار كافة الرسائل

25‏/07‏/2012

من روائع المقالات القديمة : استقبال شهر رمضان للعلامة الراحل أحمد محمد شاكر " يرحمه الله "



من روائع المقالات القديمة

استقبال شهر رمضان
أحمد محمد شاكر
نشر سنة 1361هـ

لقد أظلَّكم شهر رمضان؛ شهر الصيام، شهر العبادة، شهر سمو الروح ونقائها، ويوشك أن تصبحوا غدًا صائمين... فهل أعددتم العدة لاستقباله؛ فحاسبتم أنفسكم على ما أسلفتم من خير، تحمدون الله عليه، وتسألونه التوفيق إلي المزيد منه، أو شرٍّ تأسفون عليه، وتتوبون وتستغفرون الله منه، وتسألونه أن يحفظكم من العودة إليه.
هكذا يُستقبل شهر رمضان، وأخشى أن يفهم كثير من الناس أن رمضان يُستقبل بالاحتفالات الرسمية، والاستعداد للتألُّق في المأكل والمشرب، والاستكثار من ألوان الطعام والشراب، والاستعداد لأصناف من اللهو واللعب في السهرات، ثم لا يفكرون فيما وراء ذلك!
أيُّها الناس: إنَّ الله شرع لكم الصيام تطهيرًا لأرواحكم، وحفظًا لها من طغيان الجسد وشهواته، ولم يشرعه لتقاسوا آلام الجوع والعطش فقط، ولذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من لم يَدَع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)).
شرع الله لنا صيام نهار رمضان، وقيام ليله، فجعله شهر عبادة، بذكر الله وقراءة القرآن، والإكثار من الصلاة، وخاصة صلاة الليل، وجعل ثوابه أعظم الثواب.
وفي الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة بعشر أمثالها إلي سبعمائة ضعف، قال الله تعالى: إلَّا الصوم؛ فإنَّه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلى . للصائم فرحتان : فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك)).
أيُّها السادة: إنِّي أرى في كثير مما اتخذنا من العادات في الصوم ما ينافي حقيقته، بل ما يحبط الأجر عليه، بل ما يزيد الإنسان به إثمًا. فَهِمنا أنَّ معنى قيام الليل، سهر الليل، فسرنا نسهر في القهوات والنوادي، لا نفكِّر إلا في اللهو واللعب، إلي ساعة متأخرة من الليل، ثم نأكل ما شاء الله أن نأكل، ثم نصبح مرهقين متعبين، قد ضاقت صدورنا، واضطربت أعصابنا، وساءت أخلاقنا، فلا يكاد اثنان يتحدثان، حتى ينفجر الغضب، وتثور الثائرة، وتتدفَّق الألفاظ النابية، إلي ما ترون من حال، كلُّكم تعرفونها، وقد تعتذرون لصاحبها بأنَّه صائم. ولا استثني من ذلك أحدًا إلا من عصم الله. فانظروا وتفكروا، وقارنوا هذه الحال الشاذة الشائعة في الصوم بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابَّه أحد أو قاتله، فليقل: إني صائم إني صائم)). وذلك أنَّ الصائم ينبغي أن يكون هادئ النفس، رضي الخلق، يضع نصب عينه أنَّ الصيام جُنَّة له من الآثم، جُنَّة له من سوء الخلق، جُنَّة له مِن المعاصي، جُنَّة له من فحش القول، جُنَّة له من قول الزور والعمل به.
والذي ينبغي لكم في هذا الشهر المبارك– إن سمعتم لنصحي– أن تتَّبعوا شريعتكم في الصيام ؛ فتقتصدوا في الطعام والشراب، عند الفطور وعند السحور، وأن تجعلوا سهركم، إن سهرتم، في قراءة القرآن وتدبُّره، ومن استطاع منكم أن يقوم الليل فليفعل ؛ وذلك أن يصلي في بيته أو مسجده ما شاء الله له أن يصلى. وهذه هي صلاة التراويح التى غُيِّرت عن أصلها، فصار المصلون ينقرونها سراعًا في وقت تصير بعد صلاة العشاء، صلاة لا تنفع ولا تقبل، وإنما الصلاة ما كانت في خشوع وطمأنينة، وكلما أخَّرها المصلِّى إلي ما بعد الثلث الأول من الليل كان أفضل. ثم ينام أحدكم ما شاء الله له أن ينام، ثم يقوم قبل الفجر فيطعم طعامًا خفيفًا للسحور، ثم يصلي الفجر، وإن شاء نام بعد ذلك، وإن شاء تصرَّف في شأنه وعمله.
أمَّا الذين يأكلون عند انقضاء سهرتهم، ثم ينامون إلي ما بعد طلوع الشمس- فإنهم يخالفون سنة الإسلام في السحور، وأخشى أن يذهب تركهم صلاة الفجر بثواب صيامهم، فلا هم صاموا ولا هم أفطروا. وليس لله حاجة في أن يدعوا طعامهم وشرابهم، إذ لم يطيعوا أمره ؛ ولم يأخذوا بسنة نبيه، وإذ أضاعوا صلاة الفجر عن وقتها عمدًا.
أيُّها السادة: إنَّ الأُمَم تُصهر الآن في النيران، عقابًا لها على ما كفرت بأنعم الله، ولعلَّ الله قد صان بلاد الإسلام من كثير مما يلاقي غيرها، لحكمة يعلمها؛ ومأثرة يدَّخرها لهم، أن يعود للإسلام مجده، وأن يعود المسلمون حكام الدنيا كما كانوا. ولكن هذا إذا كانوا مسلمين، وإذا تمسَّكوا بدينهم، وأقاموا شريعته، واهتدوا بهديه. والنُّذُر من بين أيديكم ومن خلفكم، فاعتبروا واخشوا ربكم، فقد ترى من تهافت المسلمين على المنكرات، ما نخشى أن يعمَّهم الله بالعقاب من أجله، وها أنتم أولاء ترون المجاهرين بالمعاصي، لا يخافون الله، ولا يستحيون من الناس، ولا يخشون عاقبة ما يصنعون.
وقد كان مما نرى من مجاهرتهم ربهم بالحرب؛ أن يجاهروا بالإفطار في رمضان في الطرقات، والأماكن العامة، وفي دواوين الحكومة، يزعمون أنهم يحتمون بما يدعونه الحرية الشخصية، وما هكذا كانت الحرية، وما هكذا تكون الأمم في تمسكها بمقوماتها وعاداتها وشعائر دينها. وكان هذا العمل يؤذي المسلمين الصادقين في شعورهم، ويحرج صدورهم .
وقد وفق الله الرجل الصالح: الزعيم الجليل، صاحب المقام الرفيع مصطفي النحاس ، فأصدر بالأمس القريب كتابًا عظيمًا في هذا الشأن؛ حفظ على المسلمين كرامتهم وصان لهم شعورهم، ورفع الحرج عن قلوبهم. فأمر أن لا يجاهر مفطر بفطره؛ مسلمًا كان أو غير مسلم، احترامًا لحق الأمة في الاستمساك بشعائرها وتقاليدها. فكان عمله عمل رجل يعرف ما يريد، ويعرف كيف يضع الأمور مواضعها ، مستعينًا متوكلًا عليه.
اختيار موقع الدرر السنية: www.dorar.net
المصدر: كتاب (جمهرة مقالات العلامة الشيخ أحمد محمد شاكر)، اعتنى بها عبد الرحمن بن عبد العزيز العقل - دار الرياض 1426هـ، (1/421) بتصرف.

23‏/05‏/2012

وقاحة الأدب " أدباء الطابور الخامس " للعلامة محمود محمد شاكر رحمه الله

من روائع المقالات القديمة

 
وقاحة الأدب
 
(أدباء الطابور الخامس)
محمود محمد شاكر
 نشره عام 1359هـ
 
نحن لا نشك في حقيقتين ظاهرتين متمايزتين متحزبتين بطبيعة الفطرة الإنسانية الاجتماعية:
 فالحقيقة الأولى: هي مطالب الفرد لنفسه، ورغباتُه، وأمانيه، وأحلامُه.
 والحقيقة الأخرى: هي مطالب الجماعة المكونة من الأفراد، على اختلاف نزعاتهم في أنفسهم، وخاصتهم.
 
وكل عمل فردي لا يكاد يفلت أثره في الجماعة، وتوجيهه في الحياة الاجتماعية عامة إلى جهة بعينها، وخاصة إذا كان مردُّ أعمال الأفراد إلى قاعدة عامة، تطلق لهم من الحرية ما يجعل أعمال الفرد استقلالًا على طريقة المصلحة الفردية، التي لا تحترم قيود الجماعة.
 
وقيود الجماعة عندنا هي المصلحة، التي لا ترقى بها هذه الجماعة المختلفة قوة وضعفاً، ولؤماً وكرماً، وعقلاً وسفاهة، وحكمة وضلالاً.
 
وأخطر الأشياء في حياة الجماعات والشعوب هي القواعد العامة، التي يأتي من تفسيرها وتوجيهها سيل طامٌّ متدفق من تيارات الأفكار المتنازعة، التي تتنابذ ولا تتعاون.
 
فلذلك نحن نعدُّ المبادئ العامة، التي تسيِّرها أعمال الأفراد، مستقلة عن الفكرة الاجتماعية الرحيمة، التي تخاف سوء المغبة في جسم الجماعة- هي الأصل الذي يجب أن يُمحَّص ويُحقَّق ويُضبَط؛ حتى لا تتنازع عليه الأهواء، أو الشهوات، ودناءات الأخلاق الفردية المستأثرة، والتي تعيش بلذاتها قبل حقائق لذاتها؛ فإن طغيان الوحشيَّة الفرديَّة يُفضي بالعالم إلى فوضى في الجماعة، لا تقاومها حسناتُ المجتمع، أو مصالحه، أو حقيقة حياته.
 
 
فأنت ترى من ذلك أن أهمَّ ما يجب علينا أن نتوجَّه إليه، هو ضبط النِّسبة بين حاجة الفرد المستقل، باعتباره فرداً من جماعة مستقلة أيضاً.
 
تريد هذه الجماعة أن تجتنب أكبر قسط، بل أعظم كارثة من بلاء التشقُّق الاجتماعي، الذي يأتي من وراء القانون، الذي يضبط دولة الجماعة، ويقوم على حياطتها؛ طلباً لإسعادها والترفيه عنها، ووقايتها من التدهور الأدبي، والعقلي، والسياسي، والاجتماعي.
 
وقد كان من بلاء المدنية الأوربية الفاجرة أن انفجرت في الأخلاق الفردية انفجاراً بعد انفجار، حتى صارت مِزَقُ الأخلاق نثراً متطايراً، لا يجمعه جامع يكون للجماعة- من صعلوكها إلى مليكها- جِماعاً، ومِلاكاً، واستحصاداً، يمسح عن آلام البشرية تلك الدموع الغزيرة التي تجري تحت ظلام تلك الأثرة، والبغي، والاستبداد، والشهوات المظلمة في نفوس مظلمة مثلها.
 
وأنشأت هذه الطريقة الدنيا من الشهوات المستحكمة الغالبة مبادئ، يتخذها الأفراد شعاراً، ثم جعلت تتخذها بعض الجماعات رمزاً لحياتها، ولكنها مع ذلك لا تعدُّها نظاماً لجماعة، بل تبديداً لنظام الجماعة، أو لما ينبغي أن يكون عليه نظام الجماعة.
 
فمن هذا البلاء ما يقوم في عقول بعض المتأدِّبين من حرية الإنتاج الأدبي على أيِّ صورة من الصور، أي أن يدور الأديب بإنتاجه حول شهواته الخاصة، التي يبثُّها أدباً في أُمَّته، ويدَّعي مع ذلك أن هذه الحرية الشخصية في نظرته إلى الحياة، وأعماله في الحياة، وتصوير هذه النظرات والأعمال- عمل أدبيٌّ حرٌّ يكفل له الناس الانتشار والذيوع، وأن يدخل على الأحرار في بيوتهم، وعلى العقائل في خدورهنَّ الطاهرة وعفافهنَّ النبيل، وأنَّه يُنزل على الأُمَّهات، والزوجات، والعذارَى وحياً جديداً من الفن، الذي تضمن له فَنِّيَّتُه حرية التغلغل في حصون الأُمَّة المقاتلة عن الذراري والأبناء، وكيان الشعب المولود للمستقبل.
ولا يبالي هؤلاء أن يكون في داخل هذه الحصون الشعبيَّة الهائلة معنًى جديدٌ، يخذل القوى العاملة على إنشاء الحياة الاجتماعية إنشاء يضمن لها البقاء، والاستمرار، والتفوق، والسمو بالشعب إلى القوة الحاكمة، التي تدفع عن أرض الوطن بلاء الاستعباد؛ فإنَّ الرجل إذا استعبدته الشهوة، فهو يدور أبداً في تصريفها مستعبداً ذليلاً، لا يدفع عن نفسه إذا ما أُوتي من هذه الحاسة المتلينة، الخاضعة بطبيعتها إلى سلطان اللذة، غير متورِّعة عن التدلِّي إلى الحضيض، وغير حافلة إلا بالساعة الحاضرة العمياء المظلمة ظاهراً أو باطناً.
وإذا أفسد الأدب أول ما يفسد هذه الحصون، فقد أمدَّ الشعب بهلاكه، وأدخل عليه هذه النوازع المحطِّمة، وبثَّ فيه سراياه وأعوانه، من (الطابور الخامس) الذي يعمل على إيجاد حركة ارتداد تشقُّق وحَيْرة ووجل.
فإذا تمَّ لهذا الطابور الخامس تمامه، استولى على الأُمَّة فمحقها بالفزع، والتسليم، والرضا بالخضوع، والذُّل، قبل أن يمحقها العدو بالآلة، والسلاح، والجيش الغازي.
وفي هذه الأُمم التي لا تملك من سلطان القوة ما تُسوِّغ به السيطرة على ميادينها في صراع الأُمم إذا تصارعت، أي في هذه الأُمم الشرقيَّة، وأخص الأمة العربية- يعيش هذا الطابور الخامس من الأدباء، ويرى أنَّه قد أجاد المذهب، والمسلك، واتَّخذ لأُمَّته أهدى السبيلين، وخير المنزلتين.
 
وعقيدة هذا الطابور الخامس أنَّ حرية الفنِّ يجب أن لا تتقيَّد بمصلحة الجماعة، أي أن يكون إنتاج هذا الطابور على ما يثور في أنفس أفراده، من النزعات المستكلبة، والنزغات المنفجرة في أعصابه بروح الشهوات.
 
فالأدباء، والشعراء خاصة، يرون أنَّ أدبهم وشعرهم لابد أن ينطوي على تلك المعاني النفسيَّة النازلة، التي تستولغ في دماء الناس، وأعراضهم المذبوحة بالآلات الحديدة الماضية، التي لا تقاوم بالشهوات الغريزيَّة المجنونة، التي تُضيء لأعينهم سراج اللذة المحرمة، تحت جناح الليل، بين الأخلاق المتهالكة في حانات الفجور، تستنقع بأحلامها وهذيانها في كأس تفوح نشوة، وتسيل عربدة، ثم ماذا؟
 
ثم يأتي هؤلاء فيدفعون إلى المجتمع نتاجاً مركباً من جميع هذه الرذائل المنهوكة المخمورة، ثم تتغلغل هذه المساخط كلُّها في بيوت الشعب في أوهام الزوجات البريئات، في عيون الفتيات الجاهلات، في أحلام العذارى المتأملات في هدأة الحياة، ينتظرن من وراء النفس والعقل تحقيق أحلام الفطرة الغالبة على كل حيٍّ في هذه الأرض.
 
ثم يكون ماذا؟ ثم يكون هذا التفكُّك والتَّخاذل بين الأوصال الشعبيَّة، التي يجب أن تتماسك، وأن تجعل من تماسكها وارتباطها قوَّة، وأن تنفث فيها رُوح الجماعة رُوحاً سامية طامحة راغبة جادَّة، تريد أن ترتفع بالجميع فوق شهوات الجميع؛ لتحقق للكيان الاجتماعي كله سيادة تامَّة على الأسباب، التي يصير بها الشعب قوة عاملة على إيجاد السعادة للشعب، وسلالة الشعب في مستقبل أيامه وأعوامه.
 
فأدباء الطابور الخامس الذين اتخذوا لأنفسهم شعاراً من حرية الفن، وحرية الأدب، وحرية التعبير عن ثورة النفس المشتهية المستكلبة، هم أعدى أعداء هذا الشعب المسكين، وهم البلاء الماحق، وهم الذلُّ الحاضر، والقيد الرَّبوض، وهم سفالة الإنسانية؛ إذ كانت الإنسانية لا تستطيع إلَّا أن تنزل بهم إلى الحضيض الأوهد من الخضوع لسلطان الشهوة، وهم الهلاك المحقَّق؛ لأنهم سبب التفرقة؛ إذ كان بناء أدبهم على الاستقلال الفردي المحض الذي لا يُقَدِّرُ للجماعة معنى الجماعة، بل يأتيها بكلِّ أسباب التمزيق، والتعاند، والخلاف بين القوى إذا تحررت فانطلقت، فاتخذت كلَّ قوة سبيلاً مناقضاً لاتجاه صاحبتها، فتصبح قوى الشعب كلُّها في نزاع دائم، لا خير فيه، بل فيه كلُّ الشرِّ، وكلُّ البلاء، وكلُّ المحق.
 
إن أحداً من الناس لا يستطيع أن يفرغ دمه من معاني الشيطان- لا يستطيع أن ينقي أعصابه من وراثة الغرائز الإنسانية القديمة، الآتية مع الإنسان، من الخطيئة الأولى لآدم، صلوات الله عليه.
 
وإن أحداً لا يُعطَى التحكُّم في تصريف القدر على الوهم والأحلام، ولكن الإنسان أُعطي العقل، وأُعطي مع العقل الإرادة، وأعطي مع الإرادة طبيعة التعاون، وأُعطي مع هذه الطبيعة نظام الجماعة، فأعطي مع نظام الجماعة حقيقتين عظيمتين:
 
فالحقيقة الأولى: هي قدرة الفرد في بعض حياته على الحياء وعلى التضحية، وبذلك يستطيع أن يضع تحت أعين الجماعة قدوة حسنة، ومثلاً أعلى، ينبل، ويسمو، ويترفع، ويضيء في الأجواء البعيدة بروح الجمال والحقِّ.
 
والحقيقة الأخرى: هي سرعة استجابة الجماعة للمثل الأعلى بالاقتناع من ناحية، والتقليد من ناحية أخرى، وبجميع ذلك تستطيع الجماعة أن تجعل نظامها سامياً أبداً، عظيماً دائماً، متماسكاً على مرِّ الزمن.
 
فأدباء الطابور الخامس- هم كسائر الناس- يستطيعون أن يستخدموا العقل، والإرادة، وطبيعة التعاون، ونظام الجماعة؛ لإيجاد المثل الأعلى للشعب، باذلين من أنفسهم تضحية واحدة، هي أن يستحوا قليلاً من الناس، ومن أنفسهم، وأن يجعلوا مصلحة هذا الشعب المسكين نصب أعينهم، وعلى مدِّ أفكارهم، وأن يكونوا عاملين على إيجاد القوة في بناء الأُمَّة، وإصلاح أفرادها، لا أن يكونوا خبلاً خابلاً وفساداً، ونزولاً بالإنسانية السامية إلى الحضيض المظلم، الذي تعيش فيه أرواح الشرِّ المهلكة، تلك الأرواح التي لا تريد من معنى الحرية إلا استعباد الآخرين للشهوات.
 
 
أما نحن فعلينا أن نحارب هذا الطابور الخامس قبل أن نحارب أعداءنا من غيرنا؛ لأنَّ هذا هو العدو الحقيقي الذي يخذل قوانا، ويفسد استحكامنا، ويحطِّم قواعدنا الحربية التي بنتها الأجيال من قديمنا الأول.
 
هذا الطابور الخامس هو من رسل المدنية الخَرِبة التي تهدَّمت، ولا تزال تتهدَّم، وستتهدَّم في ميادين القتال إلى هذا اليوم؛ فلنعمل جميعاً على أن نكون من الفرق الواقية من دسائس الطابور الخامس.
 --------------------------------
اختيار موقع الدرر السنية :www.dorar.net
المصدر: كتاب (جمهرة مقالات الأستاذ محمود محمد شاكر)، الناشر: مكتبة الخانجي بالقاهرة، ط1، 2003م، (2/861).
 

16‏/03‏/2012

من روائع المقالات القديمة : يا شباب العرب للأديب العلامة الراحل مصطفى صادق الرافعي - رحمه الله


يــا شــبــاب الــعــرب
 
مصطفى صادق الرافعي (ت 1356هـ - 1937م)
 
 
يقولون: إن شباب العرب شيخوخة الهمم والعزائم، فالشبَّان يمتدُّون في حياة الأمم، وهم ينكمشون.
وإنَّ اللهو قد خفَّ بهم حتى ثقلت عليهم حياة الجدِّ، فأهملوا الممكنات فرجعت لهم كالمستحيلات.
وإنَّ الهزل قد هوَّن عليهم كلَّ صعبةٍ فاختصروها؛ فإذا هزؤوا بالعدو في كلمة، فكأنما هزموه في معركة....
وإنَّ الشابَّ منهم يكون رجلاً تامًّا، ورجولةُ جسمه تحتجُّ على طفولة أعماله.
ويقولون: إن الأمر العظيم عند شباب العرب ألا يحملوا أبداً تبعة أمر عظيم.
ويزعمون أن هذا الشباب قد تـمَّت الألفةُ بينه وبين أغلاطه، فحياته حياة هذه الأغلاط فيه.
وأنه أبرع مقلِّد للغرب في الرذائل خاصة؛ وبهذا جعله الغرب كالحيوان محصوراً في طعامه وشرابه ولذاته.
ويزعمون أنَّ الزجاجة من الخمر تعمل في هذا الشرق المسكين عمل جنديٍّ أجنبي فاتح...
ويتواصَوْن بأنَّ أولَ السياسة في استعباد أمم الشرق، أن يترك لهم الاستقلال التام في حرية الرذيلة...
ويقولون: إنه لا بدَّ في الشرق من آلتين للتخريب: قوة أوربا، ورذائل أوربا.
يا شباب العرب! مَنْ غَيْرُكم يُكذِّب ما يقولون ويزعمون على هذا الشرق المسكين؟
مَنْ غيرُ الشباب يضع القوة بإزاء هذا الضعف الذي وصفوه؛ لتكون جواباً عليه؟
مَنْ غيركم يجعل النفوس قوانينَ صارمة، تكون المادة الأولى فيها: قَدَرْنا لأننا أردنا؟
ألا إن المعركةَ بيننا وبين الاستعمار معركةٌ نفسية، إن لم يقتل فيها الهَزْلُ قتل فيها الواجب!
والحقائق التي بيننا وبين هذا الاستعمار إنما يكون فيكم أنتم بحثها التحليلي، تكذب أو تصدق.
الشباب هو القوة؛ فالشمس لا تملأُ النهار في آخره كما تملؤه في أوله.
وفي الشباب نوع من الحياة تظهر كلمة الموت عنده كأنها أختُ كلمة النوم.
وللشباب طبيعةٌ، أولُ إدراكها الثقة بالبقاء، فأول صفاتها الإصرار على العزم.
وفي الشباب تصنع كل شجرة من أشجار الحياة أثمارها، وبعد ذلك لا تصنع الأشجار كلها إلا خشباً...
يا شباب العرب ! اجعلوا رسالتكم: إما أن يحيا الشرق عزيزاً، وإما أن تموتوا .
أنقذوا فضائلنا من رذائل هذه المدنية الأوربية، تنقذوا استقلالنا بعد ذلك، وتنقذوه بذلك.
إن هذا الشرق حين يدعو إليه الغرب، {يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ}. [الحج: 13].
لَبئس المولى إذا جاء بقوته وقوانينه، ولَبئس العشير إذا جاء برذائله وأطماعه.
أيها الشرقي ! إنَّ الدينار الأجنبيَّ فيه رصاصةٌ مخبوءة، وحقوقنا مقتولةٌ بهذه الدنانير.
أيها الشرقي! لا يقول لك الأجنبي إلَّا ما قال الشيطان: {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي}. [إبراهيم: 22].
يا شباب العرب! لم يكن العسيرُ يَعسُر على أسلافكم الأولين، كأنَّ في يدهم مفاتيح من العناصر يفتحون بها.
أتريدون معرفة السرِّ؟ السرُّ أنهم ارتفعوا فوق ضعف المخلوق، فصاروا عملاً من أعمال الخالق.
غلبوا على الدنيا لما غلبوا في أنفسهم معنى الفقر، ومعنى الخوف، والمعنى الأرضي.
وعلَّمهم الدين كيف يعيشون باللذات السماوية التي وضعت في كلِّ قلب عَظَمَتَه وكبرياءه.
واخترعهم الإيمان اختراعاً نفسيًّا، علامته المسجلةُ على كلٍّ منهم هذه الكلمة: لا يَذِلُّ.
حين يكون الفقر قلة المال يفتقر أكثر الناس، وتنخذل القوة الإنسانية، وتهلك المواهب.
ولكن حين يكون فقر العمل الطيب، يستطيع كل إنسان أن يغتني، وتنبعثُ القوةُ، وتعملُ كلُّ موهبة.
وحين يكون الخوف من نقص هذه الحياة وآلامها، تفسِّر كلمةَ الخوف مائةُ رذيلة غيرِ الخوف.
 ولكن حين يكون من نقص الحياة الآخرة وعذابها، تصبح الكلمة قانون الفضائل أجمع.
هكذا اخترع الدين إنسانَه الكبيرَ النفسِ الذي لا يقال فيه: انهزمت نفسه.
يا شباب العرب ! كانت حكمةُ العرب التي يعملون عليها: اطلُب الموتَ تُوهَب لك الحياة.
والنفس إذا لم تخشَ الموتَ كانت غريزة الكفاحِ أولَ غرائزها تَعْمل.
وللكفاح غريزةٌ تجعلُ الحياةَ كلَّها نصراً؛ إذ لا تكون الفكرة معها إلا فكرةً مقاتلة.
غريزة الكفاح يا شباب، هي التي جعلت الأسد لا يُسمَّنُ كما تسمن الشاة للذبح.
وإذا انكسرتْ يوماً فالحجر الصَّلْد [الصلب] إذا تَرَضْرَضَتْ [تكسرت] منه قطعة كانت دليلاً يكشف للعين أن جميعه حجرٌ صلد.
يا شباب العرب ! إن كلمة(حقي) لا تحيا في السياسة إلا إذا وضع قائلها حياته فيها.
فالقوة القوة يا شباب ! القوة التي تقتُل أولَ ما تقتل فكرةَ الترَفِ والتخنُّث.
القوة الفاضلةُ المتساميةُ التي تضع للأنصار في كلمة (نعم) معنى نعم.
القوة الصارمة النفَّاذة التي تضع للأعداء في كلمة (لا) معنى لا.
يا شباب العرب اجعلوا رسالتكم: إما أن يحيا الشرق عزيزاً، وإما أن تموتوا.
 

المصدر: وحي القلم- مصطفى صادق الرافعي- راجعه واعتنى به الدكتور درويش الجويدي -  المكتبة العصرية- بيروت  (2/215).

20‏/01‏/2012

من روائع المقالات القديمة : نحن المسلمين! للرائع الراحل على الطنطاوي رحمه الله


من روائع المقالات القديمة :  نحن المسلمين!
علي الطنطاوي (ت 1420هـ - 1999 م)

سلوا عنا ديار الشام ورياضها، والعراق وسوادها، والأندلس وأرباضها، سلوا مصر وواديها، سلوا الجزيرة وفيافيها، سلوا الدنيا ومن فيها..
سلوا بطاح إفريقيا، وربوع العجم، وسفوح القفقاس، سلوا حفافي الكنج، وضفاف اللوار، ووادي الدانوب، سلوا عنا كل أرض في الأرض، وكل حيِّ تحت السماء..
إن عندهم جميعا خبراً من بطولاتنا وتضحياتنا ومآثرنا ومفاخرنا وعلومنا وفنوننا.. نحن المسلمين!!
هل روى رياض المجد إلا دماؤنا؟ هل زانت جنَّات البطولة إلا أجساد شهدائنا؟ هل عرفت الدنيا أنبل منا أو أكرم، أو أرأف أو أرحم، أو أجلَّ أو أعظم، أو أرقى أو أعلم؟
نحن حملنا المنار الهادي والأرض تتيه في ليل الجهل، وقلنا لأهلنا: هذا الطريق!.
نحن نصبنا موازين العدل، يوم رفعت كل أمة عصا الطغيان.
نحن بنينا للعلم داراً يأوي إليها، حين شرده الناس عن داره.
نحن أعلنَّا المساواة، يوم كان البشر يعبدون ملوكهم، ويؤلِّهون ساداتهم.
نحن أحيينا القلوب بالإيمان، والعقول بالعلم، والناس كلَّهم بالحرية والحضارة.
نحن المسلمين!
نحن بنينا الكوفة، والبصرة، والقاهرة، وبغداد.
نحن أنشأنا حضارة الشام، والعراق، ومصر، والأندلس.
نحن شِدنا بيت الحكمة، والمدرسة النظامية، وجامعة قرطبة، والجامع الأزهر.
نحن عمرنا الأموي وقبة الصخرة، وسُرَّ من رأى، والزهراء، والحمراء، ومسجد السلطان أحمد، وتاج محل.
نحن علَّمنا أهل الأرض وكنا الأساتذة وكانوا التلاميذ.
نحن المسلمين!
منَّا أبو بكر، وعمر، ونور الدين، وصلاح الدين، وأورنك زيب . منَّا خالد، وطارق، وقتيبة، وابن القاسم، والملك الظاهر.
منَّا البخاري، والطبري، وابن تيمية، وابن القيم، وابن حزم، وابن خلدون.
منَّا معبد وإسحاق وزرياب.. منا كل خليفة كان الصورة الحيَّة للمثُل البشرية العليا.
وكل قائد كان سيفاً من سيوف الله مسلولاً.. وكل عالم كان من البشر كالعقل من الجسد.
منَّا مائة ألف عظيم وعظيم.
نحن المسلمين!
قوتنا بإيماننا، وعزنا بديننا، وثقتنا بربنا..
قانوننا قرآننا، وإمامنا نبينا، وأميرنا خادمنا.. وضعيفنا المحقُّ قويٌّ فينا، وقويُّنا عون لضعيفنا، وكلنا إخوان في الله، سواءٌ أمام الدين.
نحن المسلمين!
مَلَكنا فعدلنا، وبنينا فأعلينا، وفتحنا فأوغلنا، وكنا الأقوياء المنصفين، سننَّا في الحرب شرائع الرأفة، وشرعنا في السلم سنن العدل، فكنا خير الحاكمين، وسادة الفاتحين..
أقمنا حضارة كانت خيراً كلها وبركات، حضارة روح وجسد، وفضيلة وسعادة، فعمَّ نفعها الناس، وتفيأ ظلالها أهل الأرض جميعا، وسقيناها نحن من دمائنا، وشدناها على جماجم شهدائنا!.
وهل خلت الأرض من شهيد لنا قضى في سبيل الإسلام والسلام، والإيمان والأمان؟
نحن المسلمين!
هل تحققت المثُل البشرية العليا إلا فينا؟
هل عرف الكون مجمعاً بشريًّا إلا مجمعنا، قام على الأخلاق والصدق والإيثار؟
هل اتفق واقع الحياة، وأحلام الفلاسفة، وآمال المصلحين، إلا في صدر الإسلام؟
يوم كان الجريح المسلم يجود بروحه في المعركة، يشتهي شربةً من ماء، فإذا أخذ الكأس رأى جريحا آخر فآثره على نفسه، ومات عطشان.
يوم كانت المرأة المسلمة يموت زوجها وأخوها وأبوها، فإذا أخبرت بهم سألت: ما فعل رسول الله؟ فإذا قيل لها: هو حيٌّ، قالت: كل مصيبةٍ بعده هيِّنة.
يوم كانت العجوز ترد على عمر، وهو على المنبر في الموقف الرسمي، وعمر يحكم إحدى عشرة حكومة من حكومات اليوم.
يوم كان الواحد منَّا يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ويؤثره عليها ولو كان به خصاصة.
وكنَّا أطهاراً في أجسادنا وأرواحنا ومادتنا والمعنى.
وكنَّا لا نأتي أمراً ولا ندعه، ولا نقوم ولا نقعد، ولا نذهب ولا نجيء إلا لله.
قد أَمَتْنَا الشهوات من نفوسنا، فكان هوانا تبعاً لما جاء به القرآن.
لقد كنَّا خلاصة البشر، وصفوة الإنسانية.
وجعلنا حقًّا واقعاً ما كان يراه الفلاسفة والمصلحون أملاً بعيداً.
 نحن المسلمين!
تُنظم في مفاخرنا مائة إلياذة  وألف شاهنامة . 
ثم لا تنقضي أمجادنا ولا تفنى، لأنها لا تُعدُّ ولا تُحصى.
من يعدُّ معاركنا المظفرة التي خضناها؟... من يحصي مآثرنا في العلم والفن؟
من يستقري نابغينا وأبطالنا؟.. إلا الذي يعدُّ نجوم السماء، ويحصي حصى البطحاء!!.
اكتبوا ( على هامش السيرة) ألف كتاب.. و ( على هامش التاريخ) مثلها.
وأنشئوا مائة في سيرة كل عظيم، ثم تبقى السيرة ويبقى التاريخ كالأرض العذراء، والمنجم البكر. نحن المسلمين!
لسنا أمة كالأمم تربط بينها اللغة، ففي كل أمة خيِّر وشرير.
ولسنا شعباً كالشعوب، يؤلف بينهم الدم، ففي كل شعب صالح وطالح، ولكننا جمعية خيرية كبرى، أعضاؤها كل فاضل من كل أمة، تقي نقي..
تجمع بيننا التقوى إن مصل الدم، وتوحِّد بيننا العقيدة، إن اختلفت اللغات، وتُدنينا الكعبة إن تناءت بنا الديار..
أليس في توجُّهِنا كل يومٍ خمس مرات إلى هذه الكعبة، واجتماعنا كل عام مرة في عرفات، رمزاً إلى أن الإسلام قومية جامعة، مركزها الحجاز العربية، وإمامها النبي العربي، وكتابها القرآن العربي؟
نحن المسلمين!
ديننا الفضيلة الظاهرة، والحق الأبلج.. لا حُجُب ولا أستار، ولا خفايا ولا أسرار.
هو واضح وضوح المئذنة، أفليس فيها ذلك المعنى؟
هل في الدنيا جماعة أو نِحلة تكرر مبادئها وتُذاع عشر مرات كل يوم، كما تُذاع مبادئ ديننا- نحن المسلمين- على ألسنة المؤذنين: أشهد ألا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله.
نحن المسلمين!
لا نهن ولا نحزن ومعنا الله.. ونحن نسمع كل يوم ثلاثين مرة هذا النداء العلوي المقدس، هذا النشيد القوي: الله أكبر..
البطولة سجية فينا، وحب التضيحة يجري في عروقنا.. لا تنال من ذلك صروف الدهر، ولا تمحوه من نفوسنا أحداث الزمان..
لنا الجزيرة التي يشوى على رمالها كل طاغ يطأ ثراها، ويعيش أهلها من جحيمها في جنات.
لنا الشام وغوطتها التي سُقيت بالدم، لنا فيها الجبل الأشم.. لنا العراق لنا (الرميثة) وسهول الفرات.. لنا فلسطين التي فيها جبل النار.
لنا مصر دار العلم والفن ومثابة الإسلام..
لنا المغرب كله، لنا ( الريف) دار البطولات والتضحيات.
لنا القسطنطينية ذات المآذن والقباب، لنا فارس والأفغان والهند وجاوة.
لنا كل أرض يُتلى فيها القرآن، وتصدح مناراتها بالأذان.
لنا المستقبل.. المستقبل لنا إن عُدنا إلى ديننا. نحن المسلمين!

14‏/12‏/2011

صَوَابٌ مَهْجُورٌ


صَوَابٌ مَهْجُورٌ
تصوير ونص: حياة الياقوت
قيل قديمًا «خطأ مشهور، خير من صواب مهجور». وإذا كان المعيار هو الشهرة، ألم يأنِ للصواب أن يكون مشهورًا ومعمولا به؟
في هذه الزاوية، نقبض على خطأ لغوي مشهور سوّل له إهمالنا أو جهلنا أن يظهر على اللافتات أو المنتجات أو في وسائل الإعلام. هذا، لننبّه وننوّه ونصحّح، لا لنفضح. ليكون الصواب هو المشهور والمجهور، وليستقيم درب لساننا العربي.  _opt.jpeg العبء المعبّأ
الخطأ: معبء فى.
الصواب: معبأ في.
الهمزة المتطرفة (في آخر الكلمة) تكتب بطريقة تناسب حركة الحرف السابق لها، بغض النظر عن حركة الهمزة نفسها.
فإذا كان الحرف السابق للهمزة مفتوحا، كما هو الحال في كلمة «معبَّأ» حيث إن الباء مفتوحة، كُتبت الهمزة على ألف لأن الفتحة تشبه الألف.
أما إذا كان الحرف السابق للهمزة مكسورا، كتبت على نبرة (تشبه في شكلها الياء، فالكسرة ياء قصيرة)، مثل شاطئ.
إما إذا كان الحرف السابق للهمزة مضموما، كتبت على واو، فالضمة واو قصيرة، مثل لؤلؤ.
وإذا كان الحرف السابق للهمزة ساكنا، كتبت على السطر. مثل بُطء وسماء.
الذهب النضار في أمر «الانتضار»
الخطأ: بانتضاركم
الصواب: بانتظاركم   .._opt.jpeg
الصحيح «انتظار»، وليس انتضار.. ولم أقف على كلمة «انتضار» في المعجم، لكن لو وجدت ستكون مشتقة من النُّضار وهو الذهب الخالص.
الخلط بين الضاد والظاء شائع جدا خاصة في الخليج، ويبدو أن كاتب هذا الإعلان معجب بكون اللغة العربية لغة الضاد، فحول الظاء إلى ضاد، والتفرقة بينهما ليست سهلة دائما، لكن يمكن اللجوء إلى المقامة الحلبية التي نظمها الحريري، وهي قصيدة جاء في جزء منها جمع لجذور جميع الكلمات العربية التي فيها حرف الظاء، فيكون ما عداها ضادا.. ويقول في بدايتها:  --
أيها السائلي عنِ الضّـادِ والـظّـا
ء لكَـيْلا تُـضِـلّـهُ الألْـفـاظُ
إنّ حِفظَ الظّاءات يُغنيكَ فاسـمـعـ
ها استِماعَ امرِئٍ لهُ اسـتـيقـاظُ
وهناك بعض الكلمات البسيطة الواردة في المقامة، والتي ترد بالضاد وبالظاء (مع اختلاف المعنى)، مثل ضل وظل، حضّ وحظ، لكنها قليلة ويمكن حفظها.
ويظن البعض خطأ أنه يمكن التفرقة بينها بمحاولة نطق الكلمة بلهجة أهل الشام أو مصر، فإذا نطقها ضادا، كانت كذلك وإلا كانت ظاءً.. وهذا رأي غير دقيق، فكلمات مثل عظم وظهر تنطق بالضاد في لهجات الشام ومصر.
وتظل الطريقة الأسهل والأضمن هي تعويد النفس على التفرقة بين هذا الكلمات من خلال الاطلاع، أو الرجوع إلى المعجم أو المقامة الحلبية في حال الشك.
<><><>

01‏/11‏/2011

صواب مهجور ... لفتة لغوية

صَوَابٌ مَهْجُورٌ
قيل قديمًا «خطأ مشهور، خير من صواب مهجور». وإذا كان المعيار هو الشهرة، ألم يأنِ للصواب أن يكون مشهورا ومعمولا به؟
في هذه الزاوية، نقبض على خطأ لغوي مشهور سوّل له إهمالنا أو جهلنا أن يظهر على اللافتات أو المنتجات أو في وسائل الإعلام. هذا، لننبّه وننوّه ونصحّح، لا لنفضح. ليكون الصواب هو المشهور والمجهور، وليستقيم درب لساننا العربي.  - 1_opt.jpeg
الخطأ: هرمنا
الصواب: اكتهلنا
«لأننا هرمنا، هرمنا ...»
هكذا قالها التونسي، ماسحا على رأسه مرتين من الخلف إلى الأمام كما لو كان يتم جزءا من وضوء مفقود منذ ثلاثة وعشرين عاما. هكذا قالها، عارضا رأسه المشتعل شيبا.
الشيخوخة هي المرحلة التي تبدأ بعد الكهولة. ووفقا للمعاجم، فإن الشيخ هو «من أدرك الشّيخوخة، وهي غالبًا عند الخمسين، وهو فوق الكَهل ودون الهَرِم.»
أما الهَرِم، فهي ما يأتي بعد الشيخوخة، وغالب الظن أنها تبدأ في الثمانين. فالهَرِم هو «أقصى الكِبَر». وجاء في محيط المحيط: الشيخوخة «من الخمسين إِلى الثمانين»، وهذا يعني أن الهَرِم فعلا يبدأ في الثمانين. وجاء في الحديث الشريف «...هرما مفنّدا» أي مضعفا، وفيه يرد الإنسان إلى أرذل العمر.
يقول زهير بن أبي سلمى:
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش
ثمانين حولًا لا أبا لك يسأمِ
إذن، هي الكهولة (من 30-50 عاما)، ثم الشيخوخة (من 50-80 عاما)، ثم الهَرِم (بعد الثمانين).

الخطأ: خالي الدسم
الصواب: خال من الدسم أو منزوع الدسم  - 2_opt.jpeg
سأحسن النية، وسأفترض أنهم يقصدون أن الزبادي فيه دسم، إلا أن دسمه خالٍ؛ خالٍ من شيء ما لم يحددوه! فقد يكون خاليا من الفيتامينات أو من الدهون المشبعة أو الكولسترول. والله أعلم بما يقصدون.
طبعا الصحيح هو قولنا «منزوع الدسم» أو «خالٍ من الدسم». أما قولنا «خالي الدسم» فعبارة حمّالة أوجه، إلا إذا كان قصدهم تسلية صيام الصائمين بالتفكر في معنى العبارة الغريبة، فهذا أمر آخر يشكرون عليه!
منقول من مجلة الوعي الإسلامي الكويتية

20‏/09‏/2011

النبوغ ... مقال ممتع لأديب الأمة الراحل مصطفى لطفي المنفلوطي

النبوغ
مصطفى لطفي المنفلوطي (ت: 1342هـ -1924م)
من العجز أن يزدري المرء نفسه فلا يقيم لها وزناً، وأن ينظر إلى من فوقه من الناس نظر الحيوان الأعجم إلى الحيوان الناطق، وعندي أن من يخطئ في تقدير قيمته مستعلياً خير ممن يخطئ في تقديرها متدلياً؛ فإن الرجل إذا صغرت نفسه في عين نفسه يأبى لها من أعماله وأطواره إلا ما يشاكل منزلتها عنده؛ فتراه صغيراً في علمه، صغيراً في أدبه، صغيراً في مروءته وهمته، صغيراً في ميوله وأهوائه، صغيراً في جميع شؤونه وأعماله؛ فإن عظمت نفسه عظم بجانبها كل ما كان صغيراً في جانب النفس الصغيرة.
ولقد سأل أحدُ الأئمة العظماء ولدَه، وكان نجيباً : أيُّ غاية تطلب في حياتك يا بني؟ وأي رجل من عظماء الرجال تحب أن تكون؟
فأجابه: أحب أن أكون مثلك، فقال: ويحك يا بني لقد صغَّرت نفسك، وسقطت همتك؛ فلتبك على عقلك البواكي، لقد قدَّرت لنفسي يا بني في مبدأ نشأتي أن أكون كعلي بن أبي طالب؛ فما زلت أجدُّ، وأكدح حتى بلغتُ تلك المنزلة التي تراها، وبيني وبين علي ما تعلم، من الشأو البعيد والمدى الشاسع؛ فهل يسرك، وقد طلبت منزلتي أن يكون ما بينك وبيني من المدى مثل ما بيني وبين عليّ؟
كثيراً ما يخطئ الناس في التفريق بين التواضع وصغر النفس، وبين الكبر وعلو الهمة، فيحسبون المتذلل المتملق الدنيء متواضعاً، ويسمون الرجل إذا رفع بنفسه عن الدنايا، وعرف حقيقة منزلته من المجتمع الإنساني متكبراً.
فتى كان عذبَ الروحِ لا من غضاضةٍ
ولكنَّ كبراً أن يُقال به كبرُ
وما التواضع إلا الأدب، ولا الكبر إلا سوء الأدب؛ فالرجل الذي يلقاك متبسماً متهللاً، ويقبل عليك بوجهه، ويصغي إليك إذا حدثته، ويزورك مهنئاً ومعزياً ليس صغير النفس كما يظنون، بل هو عظيمها؛ لأنه وجد التواضع أليق بعظمة نفسه؛ فتواضع، والأدبَ أرفعَ لشأنه؛ فتأدب.
فإذا بلغ الذل بالرجل ذي الفضل أن ينكس رأسه للكبراء، ويتهافت على أيديهم وأقدامهم لثماً وتقبيلاً، ويتبذل بمخالطة السوقة والغوغاء بلا ضرورة ولا سبب، ويكثر من شتم نفسه، وتحقيرها، ورميها بالجهل والغباوة، ويبصبص برأسه، وهو سائر في طريقة بصبصة الكلب بذنبه، ويجلس في مدارج الطرق، وعلى أفواه الدروب جلسة البائس المسكين- فاعلم أنه صغير النفس، ساقط الهمة، لا متواضع، ولا متأدب.
إن علو الهمة إذا لم يخالطه كبر يزري به، ويدعو صاحبه إلى التنطع وسوء العشرة كان أحسنَ ذريعة يتذرع بها الإنسان إلى النبوغ في هذه الحياة، وليس في الناس من هو أحوج إلى علو الهمة من طالب العلم؛ لأن حاجة الأمة إلى نبوغه أكثر من حاجتها إلى نبوغ سواه من الصانعين والمحترفين، وهل الصانعون والمحترفون إلا حسنة من حسناته، وأثر من آثاره؟
بل هو البحر الزاخر الذي تستقي منه الجداول والغدران.
فيا طالب العلم كن عالي الهمة، ولا يكن نظرك في تاريخ عظماء الرجال نظراً يبعث في قلبك الرهبة والهيبة؛ فتتضاءل وتتصاغر كما يفعل الجبان المستطار حينما يسمع قصة من قصص الحروب، أو خرافة من خرافات الجان، وحذار أن يملك اليأس عليك قوتك وشجاعتك؛ فتستسلم استسلام العاجز الضعيف، وتقول: من لي بِسُلَّم أصعد فيها إلى السماء حتى أصل إلى قبة الفلك؛ فأجالس فيها عظماء الرجال؟
يا طالب العلم، أنت لا تحتاج في بلوغك الغاية التي بلغها النابغون من قبلك إلى خلق غير خلقك، وجو غير جوك، وسماء وأرض غير سمائك وأرضك، وعقل وأداة غير عقلك وأداتك.
ولكنك في حاجة إلى نفس عالية كنفوسهم، وهمة عالية كهممهم، وأمل أوسع من رقعة الأرض، وأرحب من صدر الحليم، ولا يقعدن بك عن ذلك ما يهمس به حاسدوك في خلواتهم من وصفك بالوقاحة أو بالسماجة؛ فنعم الخلق هي إن كانت السبيل إلى بلوغ الغاية؛ فامض على وجهك، ودعهم في غيهم يعمهون.
جناحان عظيمان يطير بهما المتعلم إلى سماء المجد والشرف:
 علو الهمة والفهم في العلم
 أما علو الهمة فقد عرفته، وأما الفهم في العلم، فإليك الكلمة الآتية:
العلم علمان: علم محفوظ وعلم مفهوم.
 أما العلم المحفوظ؛ فيستوي صاحبه فيه مع الكتاب المرقوم، ولا فرق بين أن تسمع من الحافظ كلمة، أو تقرأ في الكتاب صفحة؛ فإن أشكل عليك شيء مما تسمع، فانظر إن نطق الكتاب بشرح مشكلاته، نطق الحافظ بتفسير كلماته.
الحافظ يحفظ ما يسمع؛ لأنه قوي الذاكرة، وقوة الذاكرة قدر مشترك بين الذكي والغبي والنابه والخامل؛ لأنَّ الحفظ ملكة مستقلة بنفسها عن بقية الملكات: وإنك لترى الشيخ الفاني الذي لا يميز بين الطفولة والهرم، والذي يبكي على الحلوى بكاء الطفل عليها، ويرتعد فرقاً حينما يسمع ابنته تخيف طفلها بأسماء الجن والشياطين، ويسرد ذلك من تواريخ شبيبته وكهولته ما لو دوَّنته لكان تاريخاً صحيحاً ضخماً مملوءاً بالغرائب والنوادر؛ وقيل لأحد العلماء: إن فلاناً حفظ متن البخاري، فقال: لقد زادت نسخة في البلد! 
ذلك هو السر العظيم في كثرة المتعلمين وقلة العاملين؛ لأن من فهم معلوماً من المعلومات حق الفهم أُشْرِبَتْه روحه، وخالط لحمه ودمه، ووصل من قلبه إلى سويدائه، وكان إحدى غرائزه، فلا يرى له بدًّا من العمل به رضي أم أبى.
لولا أن العلم الديني قد أصبح اليوم علماً محفوظاً لما وجدت في العلماء من يجمع بين اعتقاد الوحدانية وبين التردد على أبواب الأحياء والأموات في مزاراتهم وفي مقابرهم يسألهم المعونة والمساعدة على قضاء الله وقدره، ولا وجدت بين الذين يحفظون قوله تعالى: {قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ} [الأعراف: 188]. مَنْ يُسْنِد النفع والضر إلى كل من سال لعابه، وتمزق إهابه، ولا وجدت في الناس كثيراً من ضعفاء العزيمة الذين يحفظون ما ورد على ألسنة الأنبياء والحكماء من مدح الفضائل وذم الرذائل، ثم لا تجد فرقاً بينهم وبين العامة في ارتكاب المنكرات والنفور من الصالحات.
لو كان العلم المحفوظ علماً- وهو على ما نشاهد ونعلم من سوء الأثر وقلة الجدوى- ما مدح العلم في كتاب ولا سنة، ولا قدَّسه كاتب، أو ترنم بمدحه شاعر، فإذا سمعت ذكر العلم فاعلم أنه العلم المفهوم لا المحفوظ، وآية فهم المعلوم تأثر العالم به، وظهوره في حركاته وسكناته، وترقرقه في شمائله، ولا تثق بالحافظ فيما ينقل إليك، فربما مرَّ بالمعلوم مُحَرَّفاً فأخذه على علاته.
وأقبح ما عرفنا من أطواره أنه يجمع في حافظته بين النقيض ونقيضه، والغث والسمين، والجيِّد والزائف، فكأن ذاكرته حانوت عطَّار اختلطت فيها الأدوية الشافية، بالعقاقير السامة.
وجملة الأمر أن الحافظ البحت لا رأي له في مبحث فيسأل عن مذهب، ولا أثر لمعلوماته في نفسه فيقتدى به، ولا ذوق له في الفهم فيعتمد على شرحه وتأويله.
أما العلم المفهوم فهو الواسطة التي إذا جمع المتعلم بينها وبين علو الهمة طار إلى المجد بجناحين، وكان له سبيل مختصر إلى منزلة العظماء ودرجة النابغين.
والعلم سلسلة طويلة طرفاها في يدي آدم أبي البشر وإسرافيل صاحب الصور، ومسائله حلقات يصنع كل نابغة من النوابغ في كل عصر من العصور واحدة منها، ولن يبلغ المتعلم درجة النبوغ إلا إذا وضع في العلم الذي مارسه مسألة، أو كشف حقيقة، أو أصلح هفوة، أو اخترع طريقة، ولن يسلس له ذلك إلا إذا كان علمه مفهوماً لا محفوظاً، ولا يكون مفهوماً إلا إذا أخلص المتعلم إليه، ولم ينظر إليه نظر التاجر لسلعته، والمحترف لحرفته؛ فالتاجر يجمع من السلع ما يتفق سوقه، لا ما يغلو جوهره، والمحترف لا يهمه من حرفته إلا لقمة الخبز وجرعة الماء، أحسن أم أساء.
لا يزور العلم قلباً مشغولاً بترقب المناصب، وحساب الرواتب، وسَوْقِ الآمال وراء الأموال، كما لا يزور قلباً مقسماً بين تصفيف الطُّرَّة، وصقل الغرَّة، وحسن القوام، وجمال الهندام، وطول الهيام بالكأسين: كأس المدام، وكأس الغرام.
المصدر: كتاب (مؤلفات مصطفى لطفي المنفلوطي الكاملة، دار الجيل- بيروت، 1404هـ، 1984م، (1/238) بتصرف.

26‏/08‏/2011

من مقامات القرني : علو الهمة في رمضان


    من مقامات القرني : علو الهمة في رمضان
د. عائض القرني
{وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ}

أهل الهمم العالية السلام على أهل الهمم، فهم صفوة الأمم، وأهل المجد والكرم، طارت بهم أرواحهم إلى مراقي الصعود، ومطالع السعود، ومراتب الخلود، ومن أراد المعالي هان عليه كل همّ، لأنه لولا المشقة ساد الناس كلهم، ونصوص الوحي تناديك، سارع ولا تلبث بناديك، وسابق ولا تمكث بواديك، أُمية بن خلف، لما جلس مع الخلف، أدركه التلف، ولما سمع بلال بن رباح، حي على الفلاح، أصبح من أهل الصلاح.
الأعلى دائماً وما عليك، فإن موسى لما اختصه الله بالكلام، قال: {رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ}، المجد ما يأتي هبة، لكنه يحصل بالمناهبة، لمَّا تعلمت الصيد الكلاب، أبيح صيدها بنص الكتاب، ولما حمل الهدهد الرسالة، ذكر في سورة النمل بالبسالة، نجحت النملة بالمثابرة، وطول المصابرة، تريد المجد ولا تَجِدّ؟ تخطب المعالي، وتنام الليالي، ترجو الجنة، وتفرط في السنّة.

قام رسولنا حتى تفطّرت قدماه، وربط الحجر على بطنه من الجوع وهو العبد الأوّاه، وأدميت عقباه بالحجارة، وخاض بنفسه كل غارة.

يُدعى أبو بكر من الأبواب الثمانية، لأن قلبه معلق بربه كل ثانية، صرف للدين أقواله، وأصلح بالهدى أفعاله، وأقام بالحق أحواله، وأنفق في سبيل الله أمواله، وهاجر وترك عياله.

لبس عمر المرقّع، وتأوّه من ذكر الموت وتوجّع، وأخذ الحيطة لدينه وتوقّع، عدل وصدق وتهجد، وسأل الله أن يستشهد، فرزقه الله الشهادة في المسجد.

عليك الجِد إن الأمر جَد وبادر فالليالي مسرعات
وليست كما ظننت ولا وهمتا وأنت بمقلة الحدثان نمتا
اطلب

بالهمة تصل للقمة اخرج من سرداب الأماني، يا أسير الأغاني، انفض غبار الكسل، واهجر من عذل، فكل من سار على الدرب وصل، نسيت الآيات، وأخّرت الصلوات، وأذهبت عمرك السهرات، وتريد الجنات ؟!

ويلك والله ما شبع النمل حتى جدّ في الطلب، وما ساد الأسد حتى افترس ووثب، وما أصاب السهم حتى خرج من القوس، وما قطع السيف حتى صار أحدّ من الموس.
الحمامة تبني عشها، والحمّرة تنقل قشها، والعنكبوت، يهندس البيوت، والضب يحفر مغاره، والجرادة تبني عمارة، وأنت لك مدة، ورأسك على المخدة، في الحديث: "احرص على ما ينفعك"، لأن ما ينفعك يرفعك، "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف"، بالقوة يبنى القصر المنيف، وينادل المجد الشريف.

همة تنطح الثريا وعزم نبوي يزعزع الأجبالا

صاحب الهمة ما يهمه الحرّ، ولا يخيفه القرّ، ولا يزعجه الضرّ، ولا يقلقه المرّ، لأنه تدرع بالصبر.
صاحب الهمة، يسبق الأمة، إلى القمة، {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ}، لأنهم على الصالحات مدربون، وللبر مجربون.

الثعلب يرضى بالجيفة، فكتب في آخر الصحيفة، لو أسرع الحمار مثل الحصان، لكان من الهوان يُصان، الشمس تجري، والقمر يسري، وأنت نائم لا تدري، أنت أكول شروب، لعوب طروب، صاحب ذنوب.

لا يدرك المجد إلا سيد فطن لولا المشقة ساد الناس كلهم
لما يشق على السادات فعّال الجود يفقر والإقدام قتال

لما تجرع الأحنف غصص الغضب، صار حليم العرب، ولما بذل روحه للموت عنترة، شبهوه بقسورة، ولمّا بذل حاتم، طعامه لكل قادم، وأنفق أمواله في المواسم، صار مضرب المثل في الجود، وقصة الكرم في السهول والنجود.

لما طار القمري قعد فوق الأغصان، ولما مشى الجعلان بقي مع الديدان، سافر العود من الهند، فسُمي بالند، وأقام بأرضه الخشب، فسماه الناس الحطب.

اديسون مكتشف الكهرباء، قضى عمره في اختراعه حتى أذهل به الحكماء، فلا نامت أعين الأغبياء.
مكتشف الذرة، أجرى عليها التجربة عشرة آلاف مره.

عمي بعض المحدِّثين من كثرة الرواية، فما كلَّ ولا ملَّ حتى بلغ النهاية، مشى أحمد ابن حنبل من بغداد إلى صنعاء، وأنت تفتر في حفظ دعاء، سافر أحدهم إلى مصر، غدوّه شهر، ورواحه شهر، في طلب حديث واحد، ليدرك به المجد الخالد، لولا المحنة، ما دعي أحمد إمام السنة، وصل بالجَلْد إلى المجد، ووضع ابن تيميه في الزنزانة، فبز بالعلم زمانه. واعلم أن الماء الراكد، فاسد، لأنه لم يسافر ويجاهد، ولما جرى الماء، صار مطلب الأحياء، بقيت على سطح البحر الجيفة، لأنها خفيفة، وسافر الدر إلى قاع البحر، فوضع من التكريم على النحر.

فكن رجلاً رجله في الثرى وهامة همته في الثريا

يا كثير الرقاد، أما لنومك نفاد، سوف تدفع الثمن، يا من غلبه الوسن، تظن الحياة جلسة وكبسة، ولبسةٌ وخلسة، بل الحياة شرعة ودمعة، وركعة ومحاربة بدعة.

الله أمرنا بالعمل لينظر عملنا، وقال: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}، فالحياة عقيدة وجهاد، وصبر وجلاد، ونضال وكفاح، وبر وفلاح، لا مكان في الحياة للأكول الكسول، ولا مقعد في حافلة الدنيا للمخذول.

علو في الحياة وفي الممات بحق أنت إحدى المعجزات

ابدأ في طلب الأجر من الفجر، قراءة وذكر، أو دعاء وشكر، لأنها لحظة انطلاق الطير من وكورها، ولا تنس: "بارك الله لأمتي في بكورها".

العالم في حركة، كأنه شركة، وقلبك خربة، كأنك خشبة، الطير يغرّد، والقمري ينشد، والماء يتمتم، والهواء يهمهم ،والأسود تصول، والبهائم تجول، وأنت جثة على الفراش، لا في أمر عبادة ولا معاش، نائم هائم، طروب لعوب، كسول أكول.

استيقظ على نبرات الخطاب الشرعي، ودعنا من وساوس الهاجس البدعي، لأن الشريعة، تدعو للهمة البديعة، تقول لأتباعها: فما وهنوا لما أصابهم، لأنهم حملوا كتابهم، وألقوا للعالم خطابهم، فهداهم ربهم صوابهم.

وأهل السوالف، رضوا بأن يكونوا مع الخوالف، لأن لهم في الضلالة سوابق، فهم يتصيدون كل مارق، عن الحق آبق، ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم، فهبوا وتركوا مضجعهم، ولو أراد الله بهم خيراً لأغاثهم، ولكن كره الله انبعاثهم.

الفرس بهمته يعض لجامه ويلوك، فركبه الملوك، والحمار آثر المقام في الرباط، فضرب بالسياط:
سوف ترى إذا انجلى الغبار أفرس تحتك أو حمار

يقدم لك ابن جرير، كتاب التفسير، محققاً منقحا، مدبّجا مصحّحا، ثم لا تصطفيه، ولا تقرأ فيه.
ألَّف ابن حجر فتح الباري في ثلاثين سنة، فلله دره ما أجمل كتابه وأحسنه، ثم تهمله في الرف، كأنه دف، مع الأسف.

هذا الكافر مثابر، كل يوم مغامر، سيَّر في الأرض السيارة، وأطار في السماء الطيارة، جعل لغذاءك ثلاجة، ولماءك زجاجة، ومالك عمل إلا أن تأكل وتشرب، وتلهو وتلعب.

أنت تفتر والملائكة لا يفترون، وتسأم العمل والمقربون لا يسأمون، بم تدخل الجنة، هل طعنت في ذات الله بالأسنة، هل أوذيت في نصر السنة، انفض عنك غبار الخمول، يا كسول، فبلال العزيمة أذّن في أذنك فهل تسمع، وداعي الخير دعاك فلماذا لا تسرع. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ}
ولابد للهمم الملتهبة أن تنال مطلوبها، ولابد للعزائم المتوثبة أن تدرك مرغوبها، سنة لا تتبدّل، وقضية لا تتحوّل.
جزى الله المسير إليك خيراً وإن ترك المطايا كالمـزادِ

واعلم أن الهمة توقد القلب، واستسهال الصعب، وركوب الخطب، فالعذاب بالهمة عذب. ومن عنده همة عارمة، وعزيمة صارمة، اقتحم بها أسوار المعالي، وصار تاريخه قصة الليالي.

فقل للمتخلفين اقعدوا مع الخالفين، لأن المنازل العالية، والأماني الغالية، تحتاج إلى همم موّاره، وفتكات جبارة، لينال المجد بجدارة.

وقل للكسول النائم، والثقيل الهائم: امسح النوم من عينيك، واطرد الكرى من جفنيك، فلن تنال من ماء العزة قطرة، ولن ترى من نور العلا خطرة، حتى تثب مع من وثب، وتفعل ما يجب، وتأتي بالسبب.

ألا فليهنأ أرباب الهمم، بوصول القمم، وليخسأ العاكفون على غفلاتهم في الحضيض، فلن يشفع لهم عند ملكوت الفضل نومهم العريض، وقل لهؤلاء الراقدين {إنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ} فهُـبّـوا إلى درجات الكمال نساءً ورجالا، ودربوا على الفضيلة أطفالا، وانفروا خفافاً وثقالا.

29‏/07‏/2011

في انتظار الفجر ... مقال أدبي ماتع عن تعز اليمنية


في انتظار الفجر

 ها هي ذي الشمس  تطلع عليا من جديد وقد نزعت للتو الشراشف الحالكة عن أبنائي والتي  حكتها لهم لتساعدهم على النوم ليلا مهما ساءت الظروف  وأبدلتها بشرا شف أخرى والتي حكتها أيضا أنا وصبغتها بألوان السماء الزرقاء لتبث في أرواح صباحاتهم عبق التفاؤل ،وأبدلت ملابسهم بملابس  أخرى  ذات ألوان زاهية تضخ في أرواحهم الوضوح  وتحليهم بالأمل المتجدد وبالإيمان والعزيمة الراسختين.

 راقبتهم  وهم يغادرون البيت متجهين نحو مناهل الحياة راقبتهم كيف يجاهدون  لتوفير لقمة تعالى سعار أسعارها  و(زفة ) ماء عزت حتى على أصحابها  حتى بات يحسدك على شراءها من يبيعك إياها، راقبتهم وهم بين مصطفين  في طابور للمواصلات قد يصل لساعات  وآخر  للوقود قد يصل لأيام،
شاهدتهم وهم يسعون في طلب المستقبل والحرية والمواطنة.  أعددت لهم غدائهم  الذي يتناولونه كل كما تسنى له ومع من حضر أكان أخا في الدم أو حتى الوطن ولكنهم جميعا كانوا تحت ناظري . صحبتهم بقلبي وهم يرسمون لوحات الحياة بألوان الموت في الساحات وسمعت أنفاسهم  المبتهلة لله لي بالعز والصون و تباهيت برايات البر بي وهي تتنقل بين أيديهم  كأجمل عدوى راقبتهم وهم يتقاسمون التصبر  والثبات ويجددون العهد فيما بينهم ويتقاسمون الموت كما يتقاسمون الحياة  وهاأنذا انتظرهم شأني كل ليله قد عاد بعضهم ولم يعد البعض الأخر بعد وربما لن يعد وهاأنذا أحاول أن أضع يدي على قلبي جاهدة  لأرقد عليهم كالأفراخ الصغيرة لأطلقهم عند الفجر صقورا من جديد أنا ..أنا الحالمة تعز.
ياسمين العثمان
كاتبه من اليمن