بسم الله الرحمن الرحيم . إذا أردت أن تحفظ القرآن وتحصل على سند ، ما عليك سوى الاتصال بنا . كما يمكنك الحفظ معنا عبر الإنترنت
إذا أردت دراسة أحد علوم اللغة أو أحد المواد الشرعية فقط راسلني .::. إذا أردت إعداد بحث لغوي أو شرعي فنحن نساعدك بإذن الله

language اللغة

English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

اذكر الله

09‏/04‏/2012

مرة أخرى : لماذا تضطهد العلمانية المرأة المسلمة المحجبة ؟

الحجاب والتحدي الحضاري

مرة أخرى : لماذا تضطهد العلمانية المرأة المسلمة المحجبة ؟

إن الغرب لا يرى في الحجاب الإسلامي مجرد قطعة قماش تستر شعر المرأة أو رأسها أو وجهها وإنما يرى في الحجاب اختزالاً للحضارة الإسلامية تغزوه في عقر داره .
إن الحجاب يعني في المنظور الغربي أن الإسلام كله بقرآنه ومحمده وكعبته يتجسد في قطعة القماش هذه ، وفي هذه المرأة المحجبة التي تخطر في شوارع باريس أو لندن . وإن هذه الصورة تمثل بالنسبة له أخطر ألوان التحدي ، إنها تذكره بطارق بن زياد وموسى بن نصير وعبد الرحمن الغافقي على تخوم باريس . كما يرى الغرب في المرأة المحجبة وهي تتبختر في شوارع باريس أو غيرها كأنها ترفع راية الإسلام وتدوس قيم الغرب ، وتتحدى شعاراته البراقة ، وتهزأ بحضارته المبهرجة ، وتترفع عن مدنيته الزائفة ، إنها تتشبث بأصالتها في وسط المعمعة ، وتلتف حول دينها وعفتها وشرفها في وسط تيار جارف من الإغراء واللذة . إن منظرها مثير جداً فهو يشبه منظر الجندي المستميت في وسط المعركة حين يرفع اللواء والرماح تنوشه من كل مكان فيظل ممسكاً به حتى تتقاسمه شفرات السيوف وأسنة الرماح . ....
إن الغرب لا يرى في المرأة المحجبة مرأة بل يرى الإسلام يتحداه في عقر داره ، وقد حاول جاهداً أن يصمت لسنوات محافظاً على قيمه في الحرية ، ولكن ضغط الحجاب ودلالاته التاريخية والحضارية، وإيحاءاته الاستفزازية لمظاهر التعري ، جعل صبره ينفد فانتهك القيمة الأساسية التي يقف عليها وهي قيمة الحرية وذلك ليوقف هذا المد الإسلامي الخطير .
أجل إن الحجاب الإسلامي – الإسلامي فقط – ليس مجرد تحد فقط بل هو غزو وبشارة في ذات الوقت ، فالمرأة الغربية اليوم تعيش في أحلك أيامها ، وأسوأ لحظاتها يقول بيير داكو "" لم يسبق للمرأة أن كانت مسحوقة ومنهارة وخامدة مثلما هي عليه الآن ، ويمثل عصرنا أكثر العمليات دناءة في تاريخ المرأة ، فالمظاهر خداعة ، ذلك أن الفخ مموه على نحو يثير الإعجاب "" ( ) "" إن الفخ قام بعمله على نحو ممتاز ... فالسمكة كانت جائعة ، وكان يكفي إلقاء الصنارة في الماء حتى تنخدع بها "" ( ) إن بيير داكو يلخص لنا حالة المرأة في الغرب بعبارة مختصرة ، إنها حالة مأساوية مريرة . وقد بدأت المرأة تشعر بذلك ، وبدأت تتململ من الضياع والعبثية التي خُدعت بها، حين حولتها الإمبريالية إلى جسد سلعي خاضع للتداول وسوق العرض والطلب ، فتحول الجسد الأنثوي عبر نشاطه الجنسي إلى سلعة "" ضمن شبكة كبيرة ذات صيت عالمي ، شبكة تمثلها شركات عابرة للقارات فوق قومية متعددة الجنسيات ، وفّرت عروض أزياء لتظهر مفاتن الجسد ... ودعايات مصورة بألوان جذابة .. مجلات وجرائد تعرض مشاهد مختلفة تأسر الحواس ... وأفلام سينمائية وأشرطة فيديو ، إنها إمبريالية الفيلم الجنسي " ( ) فأصبحت المرأة أولاً وأخيراً جسداً تتفنن الثقافة الاستهلاكية في عرضه والمتاجرة به ( )، لحساب الرجل، وانخرطت في لعبة كانت هي الخاسرة فيها، لأنها باعت أنوثتها دون مقابل، وكانت النتيجة : اليأس والإحباط ومتاهة الشعور بالدونية( )، ولذا فالمرأة الغربية ترى أن صورة المرأة المسلمة المحجبة صورة مثالية تتمنى لو يتاح لها أن تعيشها ( ). ولكنها ليست مهيأة لذلك فهي مكبلة بقيود ثقيلة، إنه إرث العلمانية المديد : تفكك أسري وضياع اجتماعي وأخلاقي، وعدمية فلسفية ، وفردانية موحشة.
ومن هنا فالمرأة المسلمة في الغرب تؤدي بحجابها دور الداعية الصامتة ، إنها ترفع شعار "" العالَم المتميز "" أو "" الكيان المستقل "" أو " الحمى المسيّج " ، في مقابل " الكلأ المباح " الذي تمثله المرأة الغربية ، فهي كيان مستقل عن عالم الرجال وعالم أنثوي متميز عن عالم الذكورة .
إن المرأة المسلمة بحجابها تحتكر أنوثتها وتمتلكها ولا تبددها في عالم الرجال ، إنها تنطوي في داخلها على سرٍ يجب أن يظل مطمحاً لعالم الرجولة تهفو إليه الرجولة فلا تنال منه إلا بقدر ما يتحقق من سعادة وكرامة إنسانية مشتركة .
إن في المرأة جانبان : جانب عملي إنساني مشترك بينها وبين الرجل وهو دورها في الحياة والبناء والإعمار والمشاركة والعمل والعلم والإبداع .
وجانب آخر هو أنثوي غريزي تميزت به المرأة عن الرجل ، وزودها الصانع بمكونات الأنوثة فهي أم حنون وزوج رؤوم ، وأنثى لعوب . والإسلام لا يريد لأيٍ من الجانبين أن يطغى على الآخر ، فلا يريد المرأة المترجلة التي تكبت أنوثتها وتتحول إلى كائن قاس عنيف جلف .
ولا يريد المرأة الجاهلة العابثة التي تُحوّل نفسها إلى أداة للمتعة واللذة والإنجاب فقط ( ).
إن ما يصلح المجتمع هو المرأة التي يتكامل فيها الجانب العملي مع الجانب الأنثوي أو الجانب الوظيفي الحياتي مع الجانب الغريزي . وإن المرأة حين تقف إلى جانب الرجل في المعمل أو المخبر أو الوظيفة فهي تزاحمه بإنسانيتها وكفاءتها وليس بأنوثتها ، وأنوثتها تظل ورقة مخفية مدخرة لا تمنحها للرجال إلا في الإطار المشروع، إطار البناء المشترك والمساواة والندية .
بينما المرأة السافرة الفاتنة ترمي بلحمها وشحمها أمام الكلاب الجائعة ، والذئاب الغادرة ، والثعالب الماكرة ، وهي بسفورها ومفاتنها تدفع بكفاءتها وإنسانيتها وفاعليتها إلى الوراء وتدفنها في الأعماق ، وذلك لأن صوت الغريزة واللذة أقوى من صوت العقل – غالباً – وأقوى من صوت الحرية والتحضر والضمير والأخلاق ، هذه الشعارات الجوفاء التي تنادي بها العلمانية .
والآن بعد فوات الأوان أدركت المرأة الغربية أنها خُدعت في أعظم عملية نصب واحتيال في التاريخ إنها مهزلة "" حرية المرأة "" ولذلك فهي تغبط المرأة المسلمة على حجابها وعفافها وترى أن هذا هو رأس المال الثمين الذي فرطت به حين خدعوها فأوهموها أنه قيود وتخلف ، ولكنها حين فعلت ذلك خسرت كل شيء ، ولأن المرأة فُطرت على الرحمة والشفقة فإن المرأة الغربية لا تريد لأختها الشرقية أن تنحط في المرتكس نفسه ، وتقع في الفخ ذاته ( ).
إن أهم ما يعنيه الحجاب بالنسبة للمرأة هو إبراز فرديتها الإنسانية ، وتكنيز شخصيتها الأنثوية لتكون قادرة على مشاركة الرجل في الفعل الحضاري دون أن تخضع لابتزازه أو انتهازيته، ذلك لأن الجانب العملي والعقلي والإنساني والحياتي في كلا الطرفين متساوٍ ويبقى الرجل متفوقاً برجولته الظاهرة البارزة، لأن الرجولة يناسبها الظهور والبروز فكيف تقابل المرأة الرجولة لتكون نداً للرجل ؟ ظنت المرأة أو قيل لها إن عليها أن تقابل رجولته البارزة بأنوثتها المكشوفة ومفاتنها المعروضة فصدقت ذلك ، وأخطأت لأن الأنوثة سلاح لا يناسبه الظهور والانكشاف بل ذلك يثلمه ويفقده قوته وأهميته، وكان من الواجب مواجهة الرجولة المكشوفة بالأنثوية المخفية والمفاتن المحجوبة فذلك لون من الدلال والتمنع يزيد المرأة قوة وحيوية وتأثيراً في الرجل .
إن سلاحها ليس كسلاح الرجل فسلاح الرجل لا يضيره الظهور والانكشاف بل يكون أمضى كلما كان كذلك ، بينما سلاح المرأة يكون أمضى كلما كان أخفى ، ألا ترى إلى الرجل يرى المرأة المحجبة التي تغطي وجهها فيتوق إلى رؤية عينيها ، وإذا رأى امرأة تظهر عينيها يتوق إلى رؤية وجنتيها ، وإذا رأى وجنتيها يتوق إلى رؤية فمها وشفتيها ، وهكذا ... بينما المرأة السافرة لا يتوق الرجل منها إلا إلى اللذة والمتعة لأنها مملة ومبتذلة، فهي بنظره رخيصة . حتى الرجل المنحرف الفاسق إذا ما أراد أن يقترن بامرأة اقتراناً مشروعاً ويتخذ منها شريكة لحياته، فإنه يبحث عن المرأة الشريفة العفيفة التي تحفظ نفسها وتعتز بشخصيتها ، وتصون كرامتها ( ) .
ألا ترى النفس تتوق إلى الفاكهة المغلفة النظيفة بينما تعاف الفاكهة المكشوفة للذباب والحشرات ، وهكذا فالمرأة طبقاً للمنظور الإسلامي أشبه بالجوهرة النفيسة التي تصان عن الأعين الزائغة والأيدي العابثة لتبقى ثمينة ناضرة جميلة :
قل لمن بعد حجاب سفرت أبهذا يأمر الغيدَ الشرف
إنمـا المـرأة درة وهـل يُصان الدر إلا بالصدف
إن في الحجاب جانباً من الإغراء أيضاً ولكنه الإغراء الإيجابي النافع الذي يحفظ للكيان الإنساني وجوده ونوعه وعفته ، فالمرأة المحجبة حين تحجب نفسها عن زوجها أثناء الخروج من المنزل وتستر مفاتنها عنه تغريه وتشوقه إليها ، ويشعر بتجدد في علاقته العاطفية معها حين تدخل معه المنزل مرة أخرة بحجابها ثم تخلعه أمامه وله فقط ! ، بينما تلك السافرة المتبرجة فلا يوجد لديها ما تخفيه عن زوجها بل عن الناس إلا القليل ، فجسدها مكشوف ، ومفاتنها معروضة للغادين والرائحين ، ولذلك فبضاعتها كاسدة ، ألا ترى أن احتكار السلع يزيد في ثمنها ، ويعزز من قيمتها ، فكذلكم المرأة التي تحتكر جمالها وأنوثتها ومفاتنها .
إن هناك مشكلة يعاني منها الغرب بسبب العري والسفور والخلاعة فحيثما اتجه الإنسان يجد أمامه نساءً كاسيات عاريات مائلات مميلات ، وهذا فجّر لديه الغريزة الجنسية، ولم يتمكن من كبحها لأنها ثارت فهاجت فانفجرت، "" فكان خطر القنبلة الجنسية أشد هولاً من خطر القنبلة الذرية "" ( ) فحيثما اتجه الإنسان اليوم في دوامة العولمة يتعرض " للقصف الجنسي " ( ) في الإعلانات والمجلات والأفلام ، والآن دخل " الغزو الجنسي " إلى البيوت عبر المحطات الفضائية ، ومع طول العهد والاعتياد للمناظر الفاتنة المغرية الفاضحة ، ومع طول الانغماس في الإباحية والشهوات تحول الأمر إلى مشكلة أخرى لم تكن في الحسبان – فبالإضافة إلى الأمراض الجنسية الكثيرة التي انتشرت نتيجة للعري والسفور ظهرت مشكلة البرود الجنسي، فلم يعد الرجل يميل إلى المرأة لأنها أنثى تثيره بضحكها أو بمشيها أو بقوامها أو بأنوثتها ، ولم يعد يثيره فيها إلا الترميز الجنسي بكافة أشكاله وممارساته، ولذلك أخذ الإنسان الغربي يتفنن في اختراع المثيرات والمرغبات الجنسية المقززة، والتي تعافها الفطرة السليمة . وحين يقضي كل منهما وطره من الآخر يشعر بتفاهة اللذة ، وانعدام المعنى ، وعدمية الوجود، إذ أقصى ما يطمحان إليه قد بلغاه فإذا هو جدارٌ صلبٌ تصطدم به السعادة . وهنا نلاحظ منفعة الحجاب إذ هو يكشف لنا أن وراء اللذة بعداً روحياً نسمو إليه يخترق ذلك الجدار الصلب، وهو من حيث لا نشعر يحقق توازناً بين الشهوة والحب أو قل بين اللذة والمسؤولية ، أو قل بين الرسالة والمتعة .
إن المجتمع الذي تحتجب نساءه مجتمع لا يعاني مطلقاً من الأمراض الجنسية ، ولا يعاني رجاله مطلقاً من البرود الجنسي ، لأن المرأة المحجبة تحفظ لزوجها طاقته الجنسية وتعينه على تجديدها بشكل مستمر في لحظات انحجابها وانكشافها أمامه . "" قال لي أحدهم : إنه يشعر بتجدد في علاقته مع زوجته كلما ارتدت حجابها وخرجت معه في نزهة أو زيارة ، وإنه يشعر كأنه يراها لأول مرة حين يعودان إلى البيت فتخلع لباسها أمامه "" .

05‏/04‏/2012

علاج الوسواس القهري لمن ابتلي به

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين . وبعد
فإن الوسواس مرض يبتلي الله به من يشاء من عباده وقد يصاب به الصالحون. وهو على أنواع منه ما هو عملي ومنه ما هو اعتقادي. والوسواس القهري هو أفكار تتسلط على العبد وتحمله على تكرار التفكير أو الأفعال بشكل قهري وإذا لم يستجب لتلكم الأفكار والأفعال وينساق معها حصل له قلق شديد وتوتر نفسي لا يزول عنه إلا بالاستجابة لها.و الأصل في سببه أنه من عمل الشيطان. والشيطان يبدأ في وسواس العبد في الشيء اليسير في عبادته وعمله وسلوكه فإن استعاذ منه وامتنع عنه لم يتغلب عليه وإن استجاب له العبد وكان ضعيفا شدد عليه الشيطان وأكثر من وسواسه وتمكن منه حتى يشككه في دينه وربه ونبيه ويهجم على قلبه ويضعف عزيمته ويبطل عمله ويكون العبد له أسيرا . قال عثمان بن أبي العاص :" يا رسول الله : إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي ‏وقراءتي يلبسها علي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ذاك شيطان يقال له خنزب ، فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه، ‏و اتفل عن يسارك ثلاثاً ). قال : ففعلت ذلك فأذهبه الله عني "رواه مسلم .‏ وفي الغالب ينفذ الشيطان على العبد في حال غفلته وضعفه وفتنته بالدنيا وغير ذلك من أحوال ضعف البصيرة وقلة الإخلاص. قال الله تعالى ( مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ ). وقال المعتمر بن سليمان عن أبيه " ذكر لي أن الشيطان الوسواس ينفث في قلب بن آدم عند الحزن وعند الفرح فإذا ذكر الله خنس ". وقال ابن عباس في قوله ( الوسواس الخناس ) قال " الشيطان جاثم على قلب بن آدم فإذا سها وغفل وسوس فإذا ذكر الله خنس ".
والمراد بمرض الوسواس هو الذي يكون مسيطرا على تفكير العبد وسلوكه في سائر أحواله لا ينفك عنه. أما الوسوسة الطارئة و خاطرة السوء والهم بالمعصية الذي يعرض للعبد أحيانا فهذا لا يعد مرضا وأمره سهل بإذن الله تعالى. ولا يضر العبد ذلك ولا يحاسب عليه إذا طرده وتخلص منه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إنّ الله تجاوز لأمتي عما وسوست به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم ) رواه البخاري.
كما أن الناس يتفاوتون أيضا في مرض الوسواس فمنهم من وسواسه خفيف و منهم متوسط ومنهم شديد. ومنهم من وسواسه في العبادات ومنهم من وسواسه في الاعتقادات والعياذ بالله .
جاء أحد الموسوسين المتشككين إلى مجلس الفقيه ابن عقيل، فلما جلس، قال للفقيه: إني أنغمس في الماء مرات كثيرة، ومع ذلك أشك: هل تطهرت أم لا، فما رأيك في ذلك؟فقال ابن عقيل: اذهب، فقد سقطت عنك الصلاة.فتعجب الرجل وقال له: وكيف ذلك؟فقال ابن عقيل:لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " رفع القلم عن ثلاثة: المجنون حتى يفيق، والنائم حتى يستيقظ، والصبي حتى يبلغ ". ومن ينغمس في الماء مرارا - مثلك- ويشك هل اغتسل أم لا، فهو بلا شك مجنون .
وعلاج الوسواس الذي سببه الشيطان يكمن في الأمور الآتية:

أولاً : أن يعلم المبتلى بذلك أن ما أصابه مرض ابتلاه الله به لحكمة
فيصبر على ذلك ويحتسب و يتعاطى الأسباب التي تخففه أو تمنعه بالكلية. قال تعالى ( وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِير  )

2
 - أن يكثر العبد من الاستعاذة بالله من شرور الشيطان وأن يلتجأ بالله ويعتصم به. قال تعالى ( وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيم  )

3
 - أن يطلب العون من الله ويحسن التوكل عليه. ويوقن أنه لا يمنعه من الشيطان ويقيه إلا الله. ومن استعان بالله على أحد من خلقه كفاه شره وعصمه ووقاه منه ويسر أمره. قال تعالى ( وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ). وقال تعالى ( الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ  .
4-
أن يكثر من الدعاء الصادق لا سيما في الأوقات والأماكن الفاضلة ويطرح بين يدي الله ويدعو دعوة المضطرين بخوف وإنابة وحسن ظن بالله. قال تعالى ( أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ.
5-
إذا هجم الوسواس عليه قطع التفكير به ولم يستسلم وينقد له بل يشتغل بأمر آخر ديني أو دنيوي نافع. وينبغي له أن يملأ وقته ويومه بكثير من الأعمال والبرامج و لا يبقى فارغا يتسلط التفكير عليه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يأتي الشيطانُ أحدَكم فيقول من خلق كذا وكذا ؟ حتى يقول له من خلق ربَّك ؟ فإذا بلغ ذلك فليستعذ بالله ولينته ) رواه مسلم .

6-
إذا وجد ذلك في نفسه فليقل ( آمنت بالله ) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال هذا خلق اللهُ الخلقَ ، فمن خلق الله ؟ فمن وجد من ذلك شيئا فليقل آمنت بالله ) رواه مسلم. و ليكثر من النظر في كتاب الله و دلائل الإيمان وأسماء الله وصفاته وأفعاله الجميلة والجليلة. ويتفكر في آيات الله الكونية. وقراءة الأحاديث النبوية وسماع كلام أهل الحق والحكمة ومجالس العلم. قال تعالى ( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ.

7-
أن يتحلى بالثقة بالله وقوة القلب والعزيمة ويوقن ضعف الشيطان وكيده. وليعلم أن ارتفاع معنوياته ومستواه النفسي له أثر عظيم و دور كبير بإذن الله في حصول علاجه وتخلصه من الوسواس. قال تعالى ( فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا ). وقال تعالى ( وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ).

8-
أن يكثر من ذكر الله والتدبر فيه خاصة الفاتحة والمعوذات وسورة البقرة. فإن لذكر الله أثر عظيم في اطمئنان القلب و طهارته وذهاب صدأه وقسوته ووحشته من الشبهات المحرقة والشهوات المظلمة. قال تعالى ( الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ).
و إذا ثبت أن الوسواس ناشئ عن مرض نفسي فلا بأس في تعاطي العلاج النفسي و الإستعانة بالمختصين وغير ذلك من الأسباب النافعة مع تلاوة القرآن و الذكر. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء ) رواه البخاري.
وإذا قاوم العبد الشيطان على وسواسه وجاهده على ذلك وصبر على بلائه كان مأجورا على ذلك ولم يؤاخذه الله بما حصل منه وكان ذلك دليلا على كمال إيمانه ونور بصيرته . وقد وقع ذلك للصحابة فعن حديث أبي هريرة قال: جاء ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به. قال: وقد وجدتموه. قالوا نعم. قال: ذاك صريح الإيمان ) رواه مسلم. والمعنى أن حصول الوسواس في نفوسهم مع كراهتهم له ودفعه عن قلوبهم هو من صريح الإيمان وليس المراد أن الوسواس من صريح الإيمان.و الشيطان حريص أشد الحرص على الهجوم على قلب المؤمن الحق والوسوسة فيه لإفساده وإذهاب نوره ولن يتمكن من ذلك بإذن الله ما دام العبد متحصن بذكر الله. أما الكافر والمنافق فالشيطان مستغن عن الوسوسة في قلبه ليس بحاجة إليه لأن قلبه مظلم بالكفر. فقد جاء الصحابة لابن عباس وقالوا إن اليهود يعيروننا بقولهم نخشع في صلاتنا ولا تخشعون في صلاتكم فقال ابن عباس: وماذا يفعل الشيطان بالبيت الخرب.
أسأل الله أن يقوي إيماننا وينور بصائرنا ويقينا من شرور الشيطان ويحفظنا من كيده ويشف من ابتلي بالوسواس من المؤمنين.

04‏/04‏/2012

قصة طريفة تؤكد معنى قوله تعالى :( وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه).

قصة طريفة تؤكد معنى قوله تعالى :( وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه).

أفادني أخي الأستاذ الدكتور علي الصياح بقصة طريفة عثر عليها في كتاب (معجم أسر بريدة) للشيخ محمد بن ناصر العبودي . وهذه هي القصة مصورة من الكتاب في صورتين ..

...........................
منقول من ملتقى أهل التفسير بواسطة د . عبد الرحمن الشهري

01‏/04‏/2012

كتاب جديد : دعاوى الإجماع عند المتكلمين في أصول الدين

دعاوى الإجماع عند المتكلمين في أصول الدين


عنوان الكتاب
دعاوى الإجماع عند المتكلمين في أصول الدين
اسـم المؤلف
ياسر عبد الرحمن اليحيى
النـاشــر
دار الميمان - الرياض
سنة الطبع
ط1 – 1432هـ
عدد الصفحات
821
نوع الكتاب
رسالة علمية تقدم بها المؤلف لنيل درجة الماجستير من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
التعريف بموضوع الكتاب:
إن الإجماع هو المصدر الثالث من مصادر التشريع الإسلامي، ومن الأدلة التي تبنى عليه المسائل, سواء كان ذلك في أصول الدين, أو في فروعه، ووقوع الخطأ فيه يؤدي إلى وقوع الخطأ فيما يبنى عليه من المسائل، وإلى القول على الله بلا علم، وتلبيس للحق بالباطل، وهذا هو واقع حال المتكلمين فيما ادعوه من إجماع, حيث رتبوا عليه مسائل كباراً من أصول الدين.
الكتاب الذي سنقرؤه اليوم عبارة عن دراسة نقدية, حاول المؤلف من خلالها تقويم مسالك المتكلمين في دعواهم للإجماع في مسائل أصول الدين, فهي دراسة نظرية, تطبيقية للإجماع عند المتكلمين, يهدف المؤلف من خلاله إلى نقض هذه الإجماعات المدعاة, وبيان عدم ثبوتها, وحقيقتها.
في بادئ الأمر مهَّد المؤلف بتمهيد, تناول فيه مفردات العنوان, فعرفها وبيَّن معانيها اللغوية, والاصطلاحية, ليدخل بعد ذلك في الكتاب, والذي تألف من بابين اثنين:
الباب الأول:
وهو الباب النظريُّ من البحث, والذي كان حديث المؤلف فيه عن منهج السلف, ومنهج المتكلمين في الاستدلال بالإجماع على مسائل أصول الدين، حيث تناول المؤلف هذا الموضوع في أربعة فصول: كان الفصل الأول منها مختصًّا بالإجماع عند السلف, فبيَّن مفهومه عندهم, وأنهم إذا أطلقوا الإجماع فإنهم يريدون به واحداً من أمور عدة, كالمعلوم من الدين بالضرورة، أو الإجماع الاستقرائي والإقراري. كما تحدث عن منزلته عندهم, وأنه يعتبر دليلاً من الأدلة التي يستدلون بها, ومن المصادر التي يعتمدون عليها, مبيناً مظاهر تعظيمهم له، أما عن حجيته في مسائل الاعتقاد فقد أوضح المؤلف احتجاج السلف به تأصيلاً وتطبيقاً, ضارباً على ذلك عدة أمثلة تشهد على ذلك.
وفي الفصل الثاني من هذا الباب تناول المؤلف بالحديث الإجماع عند المتكلمين، فوطَّأ بتوطئة ذكر فيها بعض القضايا المهمة المتعلقة بالموضوع, ومن ثمَّ شرع في بيان مفهوم الإجماع وحجيته عندهم, فذكر أنهم قد أتوا للإجماع بعدة مفاهيم تلتقي أحياناً, وتفترق أحياناً, فذكر نقاط اتفاقها وافتراقها. أمَّا عن حجيته عندهم فبيَّن أنَّ أكثر علمائهم على حجيته, ووجوب اتباعه, ولم يخالف في ذلك إلا النَّظَّام من المعتزلة. ومن حيث ترتيب الأدلة فقد ذكر المؤلف أن أهل الكلام قدموه على غيره من الأدلة بحجة قطعية دلالته, والتي لا تقبل النسخ ولا التأويل, ومن حيث الاستدلال به على أصول الدين فذكروا أن ما تتوقف صحة الإجماع على معرفته فهذا لا يصح الاحتجاج بالإجماع عليه, وما لا تتوقف صحة الإجماع على معرفته فيصح الاحتجاج بالإجماع عليه, ليتناول المؤلف بعد ذلك طرق الحصول على الإجماع عند أهل الكلام, والألفاظ المستخدمة في الدلالة عليه عندهم.
الفصل الثالث من هذا الباب كان الكلام فيه عن الفرق بين إجماعات السلف وإجماعات المتكلمين، وقد كان تفريق المؤلف مبنيًّا على اعتبارات عدة, كاعتبار المجمعين, واعتبار مرتبته بين الأدلة, وباعتبار الشمول, وباعتبار الدليل الذي ينعقد الإجماع لأجله والذي أطلق عليه المؤلف المستند وفي كل ذلك يذكر المؤلف الفروق بين المذهبين.
وبيَّن في الفصل الرابع – والذي يعتبر خاتمة هذا الباب –سمات الإجماعات المدعاة ومفاسدها, فعلى سبيل المثال لا الحصر ذكر من سمات الإجماعات المدعاة: عدم وجود المستند في كثير من الإجماعات التي يدعيها أهل الكلام على الرغم من أنَّ وجود المستند للإجماع من الأمور المتفق عليها والمقررة عند علماء السلف وعند أهل الكلام على السواء, ومن تلك السمات أيضاً عدم ثبوت نقل الإجماع عن أحد من الصحابة, أو التابعين, أو من بعدهم من سلف هذه الأمة, ومن السمات كذلك الإجماع على ألفاظ مجملة, تحتاج إلى بيان, وغير ذلك من السمات, أما المفاسد المترتبة على ادعائهم للإجماع, فذكر المؤلف مجموعة منها, كردِّ أخبار الأحاد, والتحريف للكلم عن مواضعه, وتكفير المخالف وغيرها.
الباب الثاني:
وهو الباب التطبيقي من البحث, والذي جمع فيه المؤلف الإجماعات المدعاة, وناقشها نقاشاً علمياً كافياً, بيَّن فيه بطلانها, وعدم صحتها, وقد تألف هذا الباب من أربعة فصول: ففي الفصل الأول ذكر المؤلف الإجماعات المدعاة في توحيد الألوهية, وتوحيد الربوبية, وذلك في مبحثين اثنين, ومما ذكره في ذلك دعواهم الإجماع في باب توحيد الألوهية على جواز التوسل بالنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وغيره من الأنبياء والصالحين, ودعواهم الإجماع كذلك على جواز الاستغاثة بالأموات, ودعواهم الإجماع على جواز الاستشفاع بالأموات وغيرها من الإجماعات التي ادعوها في باب الألوهية.
أما في الربوبية فمن الإجماعات المدعاة التي ناقشها المؤلف: دعواهم الإجماع على وجوب النظر لمعرفة الله تبارك وتعالى, ودعواهم الإجماع كذلك على أن العالم يتكون من جواهر وأعراض, وعلى إثبات الجوهر الفرد, وعلى بعض مقدمات دليل الأعراض وحدوث الأجسام, وغيرها مما ادعوا من الإجماعات.
الفصل الثاني خصصه المؤلف لمناقشة الإجماعات المدعاة في توحيد الأسماء والصفات، وكان مما ذكره في باب الأسماء ادعاءهم للإجماع على تسمية الله بالشيء, وتسميته بالقديم, والموجود, والواجب, والصانع, والمريد, والمتكلم, وغيرها.
أما في باب الصفات فدعواهم الإجماع على امتناع قيام الصفات الاختيارية بالله تعالى, وإجماعاتهم في نفي صفات عن الله بألفاظ مجملة, واصطلاحات حادثة, وإجماعاتهم في تأويل آيات وأحاديث الصفات, وغيرها.
وفي الفصل الثالث تناول المؤلف بالمناقشة إجماعات أهل الكلام في النبوات والقدر، ففي النبوات ناقشهم في دعواهم للإجماع على أنه لا دليل على صدق الأنبياء إلا المعجزة, كما ناقشهم في دعواهم للإجماع على أن الكرامة دليل على الولاية, وفي دعواهم الإجماع على عصمة الأنبياء من النسيان والسهو في الأقوال البلاغية.
وفي القدر ردَّ عليهم المؤلف في دعواهم للإجماع على أنَّ التحسين والتقبيح محصور في الشرع, وعلى دعواهم الإجماع على نفي الحكمة والتعليل في أفعال الله, وعلى أنَّ الظلم المنفي في حقِّ الله هو التصرف في ملك الغير.
وتناول الفصل الرابع والأخير الإجماعات المدعاة في مسائل الإيمان، والأسماء، والأحكام. فكان مما ناقشهم فيه المؤلف في مسائل الإيمان دعواهم الإجماع على أن الإيمان في اللغة التصديق, وأنه لا يجتمع في العبد إيمان وكفر.
أما في مسائل الأسماء والأحكام فكان نقاشه لهم في دعوى الإجماع على تأثيم المجتهد المخطئ في مسائل أصول الدين.
والمتصفح للكتاب يظهر له الجهد المبذول في جمع مادته وترتيبها, والكتاب فريد في بابه، نسأل الله أن يجزي مؤلفه خير الجزاء, وأن ينفعه بما كتب في الدارين.

من روائع المقالات القديمة " الشجاعة " للعلامة الراحل محمد الخضر حسين رحمه الله .

الشجاعة
محمد الخضر حسين (ت:1377هـ)
نشر عام 1353هـ
لا تحوز الأمة مكانة يهابها خصومها، وتقرُّ بها عين حلفائها، إلَّا أن تكون عزيزة الجانب، صلبة القناة. وعزة الجانب وصلابة القناة لا ينزلان إلا حيث تكون قوة الجأش، والاستهانة بملاقاة المكاره، وذلك ما نسميه: شجاعة.
والشجاعة صنفان:
أحدهما: الإقدام على مواقع القتال، والثبات على مكافحة الأبطال، وهي الشجاعة الحربية.
وثانيهما: الإقدام على قول الحق، وإبداء النصيحة، ولو لذي جاه أو سلطان يكره أن يؤمر بمعروف، أو ينهى عن منكر، وهذا ما نسميه: شجاعة أدبية.
ولما كان الإسلام ديناً وسياسة، وكان من مقاصده العالية: إقامة دولة تسير بالناس على ما أمر الله، عُني بتربية النفوس على كلتا الشجاعتين.
فبالشجاعة الحربية تُحمَى الأوطان من مهاجمة الأعداء، ويسود الأمن في البلاد.
وبالشجاعة الأدبية يكون الناس على بصيرة من الحقِّ والباطل، والصواب والخطأ، فيقيمون الحقَّ، ويرجعون إلى الصواب.
ومن الآيات الواردة في تربية الشجاعة الحربية قوله تعالى: {وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 104].
ذكَّر المسلمين في هذه الآية بأن ما عسى أن يلاقوه من آلام الحروب، يلاقي خصومهم مثلها، فكأنَّه يقول لهم: لا ينبغي أن يكون خصومكم، وهم أشياع الباطل، أصبر على الآلام، وأثبت في مواقف الأخطار منكم، وأنتم حماة الحق، والدعاة إلى الخير، ولا سيما حماة ودعاة يرجون من نصر الله، وجزيل مثوبته، ما لا يرجوه أعداؤهم، الغاوون المفسدون.
ربَّى الإسلام بهذه الآية خلق الشجاعة في النفوس، فأخرج أمة لا تهاب الخطوب، وترى الموت في سبيل إعلاء كلمة الحق، أو الاحتفاظ بالكرامة، خيراً من ألف حياة يقضيها صاحبها في هون، أو في مشاهدة الباطل يمشي في الأرض مرحاً، وكان أولئك الذين ربَّاهم الإسلام، وبثَّ فيهم روح البطولة، يتشوَّقون إلى الإقدام، وينطقون في هذا الشأن بحكمة بالغة.
انظروا إلى قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه في وصيته لخالد بن الوليد: (احرص على الموت توهب لك الحياة). يريد بهذا حثَّه على اقتحام مواقع القتال، والخوض في غمراتها خوض من ينشد الموت. والحياة العزيزة والفزع من الموت لا يلتقيان بأرض، حتى يلتقي البصر والعمى في عين واحدة. ومما ينظر إلى معنى حكمة الصديق: قول الحصين بن الحمام:
تأخَّرتُ أستبقي الحياةَ فلم أجدْ
لنفسي حياةً مثلَ أنْ أتقدَّما
ولا يعدُّ الاستخفاف بالموت شجاعة في كلِّ حال، بل الشجاعة: رباطة الجأش، والثبات في سبيل الدفاع عن حقٍّ، أو كرامة، فالمنتحر لحرمانه من شهوة، أو لوقوعه في بلاء، لا يُسمَّى شجاعاً، بل هو جدير- كما قال أرسطو- بأن يسمى: جباناً، بل أقول: إن انتحاره نشأ من ناحية استعظام فوات تلك الشهوة، أو حصول ذلك البلاء، حتى تخيَّله أشدَّ ألماً من الموت. فالانتحار في الحقيقة أثر فقد الرجل لفضيلة الصبر على الشدائد، وما ينشأ عن فقد فضيلة لا يصحُّ أن يُسمَّى فضيلة أخرى.
وما زال الحكماء ينصحون الناس أن لا يقدموا على موقع خطر، إلا أن تكون فائدة الإقدام أكبر من خسارته، قال أبو الطيب المتنبي:
الرأيُ قبلَ شجاعةِ الشُّجعانِ
هو أوَّلٌ وهي المحلُّ الثَّاني
وإذا هما اجتمعا لنفْسٍ حرَّةٍ
حازتْ مِنَ العلياءِ كلَّ مكانِ
في الشباب شجاعة، وفي الشيوخ تجارب، فإذا صدرت شجاعة شباب الأمة عن آراء شيوخها الحكماء، فلا جرم أن يكون لها الموقف الحميد، والأثر المجيد.
يظهر أثر الشجاعة الأدبية في: إقامة شعائر الدين، وتقويم الأخلاق، وإصلاح السياسة، وانتظام المعاملات بين الناس.فالشجاعة الأدبية هي التي تطلق لسان العالم الأمين بوعظ جاهل غليظ القلب، أو مُترف متشعِّب الأهواء، أو صاحب سلطان لا يحبُّ الناصحين، يعظه ليؤدي طاعة يثقل عليه أداؤها، أو ليتعلَّق بفضيلة كان منقطعاً عنها، أو ليستقيم في سياسة انحرف عن رشدها، أو يعدل في قضايا جار في أحكامها، أو يحترم في معاملته حقوقاً أجحف بها.
والشجاعة الأدبية تدعو الرجل إلى أن يؤدي الشهادة على نحو ما علم، دون أن يهاب عند أدائها ذا جاه أو سطوة.
ولولا الشجاعة الأدبية يضعفها الله في قلوب كثير من الشهداء، لحرم كثيراً من الضعفاء حقوقاً يستولي عليها الأقوياء، ولا سبيل لخلاصها منهم غير القضاء العادل، قال تعالى: {وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} [البقرة: 283].
ولا ينتظم العدل لقاض، إلا أن تكون فيه شجاعة أدبية؛ إذ هي التي تساعده أن يقضي للضعيف على القويِّ، كما فعل كثير من القضاة في قضايا كان المدعي فيها رجلاً من السوقة، والمدَّعى عليه أميراً، أو خليفة، فحكموا للسوقي على ذلك الأمير أو الخليفة،، لا يخافون في الحق لومة اللائمين، أو عقوبة المستبدين.
ومما حدَّثنا به التاريخ: أن ابن بشير قاضي قرطبة نظر في قضية رفعها بعض التجار على الخليفة عبد الرحمن الناصر، فقضى للتاجر على الخليفة، وذهب إلى الخليفة يخبره بالحكم، ويهدده بالاستقالة من القضاء إن لم يقرن الحكم بالتنفيذ، قال الله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [المائدة: 47].
والشجاعة الأدبية تقف بالرجل في حدود ما يعلم، فيصدر فتواه في صراحة، لا يقول غير ما يعلم، ولا يرتكب طريق المواربة؛ إرضاء لذي وجاهة أو سلطان.
يحدِّثنا التاريخ أن المأمون فتن الناس بمسألة: (خلق القرآن)، وأن الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه كان المثال الكامل للشجاعة الأدبية، فلم يجبن كما جبن غيره أمام السلطان، ولم يسلك كما سلك غيره طريق الإبهام في الجواب، بل قال: إن القرآن كلام الله قديم. واحتمل في سبيل ذلك السجن والضرب بالسياط.
وفي القديم وقف بعض رجال الدين في بعض الفتاوى موقف الرهبة من السلطان، وجاروه على الباطل بعلة اتقاء عقابه، فتجافاهم الناس، حتى زهد بعض طلاب العلم في الأخذ عنه، كما ترك أبو زرعة وأحمد بن حنبل الرواية عن أحد كبار الشيوخ إذ أجاب في فتنة خلق القرآن إلى ما دعي إليه من أن القرآن مخلوق، واعتذر عندما عاتبه أهل العلم على ذلك بأنه قال ما قال اتقاء عقوبة بدنية لا يحتملها.
وأكبر ما يقوِّي الشجاعة الأدبية في النفوس: تعظيم أمر الله تعالى، وشدة الثقة بما وعد به أنصار الحقِّ من العزة في الدنيا، والسعادة في الأخرى. ومن قرأ التاريخ، وقف على أسماء رجال كثير، لم ينالوا رفعة في حياتهم، وذكراً جميلاً بعد مماتهم، إلا لأنهم كانوا يجهرون بكلمة الحق في وجوه الوجهاء أو الرؤساء، لا يصدُّهم عن الجهر بها خوف من مكرهم، ولا طمع فيما بأيديهم.
 
المصدر: كتاب (موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين)، دار النوادر بسوريا ، ط1، 1431هـ ، (5/33).

(الجبال الرواسي فى حفظ وتثبيت كلام رب الناس)

كتاب جديد
 
مفيد لكل مهتم بالقرآن الكريم تعلماً وتعليماً
 
(الجبال الرواسي فى حفظ وتثبيت كلام رب الناس)

للدكتور/ سعيد أبو العلا حمزة
 
يمكنك تحميله من هنا



رابط التحميل

من قصيدة طيف نسميه الحنين لفاروق جويدة


من قصيدة طيف نسميه الحنين سنة2009

شاخت سنين العمر
والطفل الصغير بداخلي
مازال يسأل..
عن لوعة الأشواق حين يذوب فينا القلب
عن شبح يطاردني
من المهد الصغير إلي رصاصة قاتلي
عن فـرقة الأحباب حين يشدنا
ركب الرحيل بخطوه المتثاقل
عن آخر الأخبار في أيامنا
الخائنون.. البائعون.. الراكعون..
لكل عرش زائل
عن رحلة سافرت فيها راضيا
ورجعت منها ما عرفت.. وما اقتنعت.. وما سلمت..
وما أجبتك سائلي
عن ليلة شتوية اشتقت فيها
صحبة الأحباب
والجلاد يشرب من دمي
وأنا علي نار المهانة أصطلي
قد تسألين الآن يا أماه عن حالي
وماذا جد في القلب الخلي
الحب سافر من حدائق عمرنا
وتغرب المسكين..
في الزمن الوضيع الأهطـل
ما عاد طفلك يجمع الأطيار
والعصفور يشرب من يدي
قتلوا العصافير الجميلة
في حديقة منزلي
أخشي عليه من الكلاب السود
والوجه الكئيب الجاهل
أين الذي قد كان..
أين مواكب الأشعار في عمري
وكل الكون يسمع شدوها
وأنا أغني في الفضاء.. وأنجـلي
شاخ الزمان وطفلك المجنون..
مشتاق لأول منزل
مازال يطرب للزمان الأول
شيء سيبقي بيننا.. وحبيبتي لا ترحلي
في كل يوم سوف أغرس وردة
بيضاء فوق جبينها
ليضيء قلب الأمهات
إن ماتت الدنيا حرام أن نقول
بأن نبع الحب مات
قد علمتني الصبر في سفر النوارس..
علمتني العشق في دفء المدائن..
علمتني أن تاج المرء في نبل الصفات
أن الشجاعة أن أقاوم شـح نفسي..
أن أقاوم خسة الغايات
بالأمس زارتني.. وفوق وسادتي
تركت شريط الذكريات
كم قلت لي صبرا جميلا
إن ضوء الصبح آت
شاخت سنين العمر يا أمي
وقلبي حائر
ما بين حلم لا يجيء..
وطيف حب.. مات
وأفقت من نومي
دعوت الله أن يحمي
جميع الأمهات..