بسم الله الرحمن الرحيم . إذا أردت أن تحفظ القرآن وتحصل على سند ، ما عليك سوى الاتصال بنا . كما يمكنك الحفظ معنا عبر الإنترنت
إذا أردت دراسة أحد علوم اللغة أو أحد المواد الشرعية فقط راسلني .::. إذا أردت إعداد بحث لغوي أو شرعي فنحن نساعدك بإذن الله

language اللغة

English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

اذكر الله

09‏/05‏/2012

موقف الصحابة رضي الله عنهم من معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما

موقف الصحابة رضي الله عنهم
من معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما...
سلطان بن عبدالرحمن العميري
لعل الصحابي معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنه- يعد من أكثر الشخصيات الإسلامية التي دار حولها الجدل في التاريخ.
فقد اختلفت فيه المواقف وقامت حول تقييم شخصيته معارك فكرية طاحنة، وزاغ فيه طرفان: طرف غلا في حبه والانتصار له، وطرف غلا في بغضه وكرهه والتحذير منه، بل وصل إلى الحكم عليه بالكفر والنفاق!!
وهذان الطرفان وجدا منذ زمن مبكر في التاريخ الإسلامي، وفي وصف حالة الصراع بين هذين الطريقين يقول المؤرخ الذهبي في كلام هادئ ومتعقل: "وخلف معاوية خلق كثير يحبونه ويتغالون فيه ويفضلونه، إما قد ملكهم بالكرم والحلم والعطاء، وإما قد ولدوا في الشام على حبه، وتربى أولادهم على ذلك.
وفيهم جماعة يسيرة من الصحابة، وعدد كثير من التابعين والفضلاء، وحاربوا معه أهل العراق، ونشؤوا على النصب، نعوذ بالله من الهوى، كما قد نشأ جيش علي رضي الله عنه، ورعيته - إلا الخوارج منهم - على حبه والقيام معه، وبغض من بغى عليه والتبري منهم، وغلا خلق منهم في التشيع "(1).
وبلغ الحال بالأطراف الغالية في معاوية إلى درجة أن كل طرف حاول أن يضع أحاديث على لسان النبي صلى الله عليه السلام يقوي بها موقفه، ولكن هذه العملية الدنية لم تنطل على علماء الحديث فتنبهوا لها وحذروا منها، وكشفوا عن حقيقتها، ومحصوا الحديث الصحيح من الضعيف مما روي في شأن معاوية رضي الله عنه.
وفي التنبيه على ذلك يقول ابن الجوزي: "قد تعصب قوم ممن يدعى السنة فوضعوا في فضله أحاديث ليغضبوا الرافضة وتعصب قوم من الرافضة فوضعوا في ذمه أحاديث، وكلا الفريقين على الخطأ القبيح"(2).
وتوسعت موجة التزييف المتعلقة بمعاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنه- فشملت كتب التاريخ والآثار والقصص والأدب، فالقارئ لهذه الكتب يجد أمامه كماً هائلاً من الأخبار المنقولة عن معاوية إما مدحاً فيه وإطراءً من قِبَل الغالين في حبه، وإما ذماً فيه وتقبيحا له من قِبَل الغالين في بغضه.
الواجبات المنهجية في مثل هذا الحال:
وفي مثل هذه الحال يتحتم على الباحث الصادق مع نفسه ومع فكره أن يتصف بقدر كبير من الهدوء النفسي، وأن يلتزم بترسانة صلبة من الأصول العقلية والمنهجية؛ حتى لا يقع في التناقض أو الانتقاء أو الاختزال، وكل هذه الأمور مخالف للمنهجية العلمية الصحيحة.
ومن أهم ما يجب على الباحث الالتزام به هو أن يدخل إلى البحث بنفسية "الاحتياط الشديد"، التي تجعله لا يقبل أية فكرة إلا بعد التأكد من صحتها في ذاتها والتيقن من فهمه لمدلولها السياقي والتاريخي؛ حتى يتمكن من الخروج برؤية واضحة ومتوافقة مع حال الشخص المختلف فيه.
ولا يصح عقلا ولا منهجا أن يتساهل الباحث في اتخاذ الموقف من غير أن يحقق الاحتياط ويتأكد من كل بياناته.
وهذا الحكم ليس خاصاً بمعاوية بن أبي سفيان، بل هو قاعدة ومبدأ علمي يطبق على كل إنسان ولو كان من غير المسلمين، فإنه لا يصح في العقل ولا في المنهج العلمي الصلب أن يتخذ الباحث موقفاً من أرسطو مثلا – وهو من الشخصيات التي دار حولها جدل كثير -، ولا من مارتن لوثر – وهو أيضا ممن احتدمت المواقف حوله – إلا بعد أن يحتاط في بحثه ويتأكد من صحة الخبر الذي اعتمد عليه ومن صحة فهمه لكل البيانات المنقولة، حتى يتمكن من بناء الموقف العادل.
ومع كون هذه القاعدة عامة في كل الناس، إلا أن أهميتها تزداد، ويقوى وجوب الأخذ بها إذا تعلق الأمر بالصحابة -رضي الله عنهم-؛ لما لهم من الشرف والمكانة واللقيا بالنبي -صلى الله عليه وسلم- والعيش معه، فهناك نصوص وأدلة عقلية وحالية وتاريخية تدل على أن الأصل فيهم العدالة والصدق والأمانة وقوة اليقين، وقد فصلت ذلك في بحث منشور في عدد من المواقع الالكترونية بعنوان (المدخل المنهجي للتعامل مع جيل الصحابة).
ولأجل تلك الثناءات الشرعية والمعطيات العقلية والتاريخية كان للصحابة قدر كبير في نفوس المؤمنين ولهم من الحب والتقدير والاحترام شيء كبير جداً، وتعامل المسلمون معهم بقاعدة حسن الظن والسلامة من القوادح إلا بدليل قوي وظاهر، ولهذا كانت ساحة الصحابة خطرة جداً، ولا يجوز أن يخوض فيها المسلم بغير علم وعدل واحتياط وتأكد وتريث وسلامة صدر.
وهذه المعطيات هي أحد المرتكزات التي أقام عليها علماء أهل السنة رأيهم في الأمر بالكف عما شجر بين الصحابة -رضي الله عنهم- من خلاف، فرأيهم ذلك لم يكن مجرداً من الحجج الداعمة ولا خالياً من المؤكدات، إنما هو منسجم مع الدلالات الشرعية والتاريخية والعقلية الدالة على فضل الصحابة وعلو شأنهم وسلامة حالهم.
والتقرير السابق يؤكد على أن الاحتياط والتأكد في شأن معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنه- يجب أن يكون أقوى وأعلى؛ لأنه أولاً من الصحابة -رضي الله عنهم-, ولأن الخلاف محتدم حوله، وهذا يتطلب قدراً زائداً من الاحتياط الشديد.
ولكن هناك من لم يلتزم بقاعدة الاحتياط الشديد في التعامل مع الصحابي معاوية -رضي الله عنه-، فأخذ يتساهل إما في الثبوت أو في الفهم، واعتمد على قصص وأخبار منقولة في ذم معاوية وبنى عليها أحكاما جائرة.
ومن أمثلة ذلك: القول بأن معاوية كان يبيع الأصنام للهند في زمن عثمان -رضي الله عنه-، والقول بأن معاوية كان يشرب الخمر، وغيرها من التهم، بحجة أن هذه الأخبار رواها عدد من العلماء في مؤلفاتهم الحديثية أو التاريخية.
وكلنا يعرف أنه ليس كل ما ذُكر في كتب التاريخ والأخبار صحيحاً مقبولاً، بل فيها من الضعيف والباطل الشيء الكثير، وفضلاً عن ذلك فإنا لو قمنا بفحص تلك الأخبار المنقولة في ذم معاوية فإننا سنكتشف أنها أخبار باطلة في أسانيدها وفيها من العلل الحديثية ما يدل على بطلانها(3)، فضلا عما فيها من مخالفة للأحاديث الصحيحة التي ثبتت في فضل معاوية -رضي الله عنه-، فضلا عما يخالفها من الأدلة العقلية التي سيأتي ذكرها في أثناء البحث.
وهذا التساهل سيؤدي بنا إلى نتائج باطلة مخالفة للمنهجية العلمية؛ لأن ذلك التساهل سيفتح الباب أمام من يغلو في معاوية ليستدل بالأخبار الضعيفة على إثبات فضائل لا تثبت له، وهذا أمر غير مقبول؛ لأنه كما أنه لا يصح التساهل في إثبات القوادح في الشخص المختلف في حاله فإنه لا يصح التساهل أيضا في إثبات الفضائل له.
ويفتح الباب أمام من يبغض علي بن أبي طالب وغيره من الصحابة ليستدل بأخبار وآثار ضعيفة وغير محققة ليقدح بها في صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
والطريقة المنهجية الصحيحة هي أن نلتزم بالاحتياط الشديد في كل ما يتعلق بالصحابة -رضي الله عنهم- وخاصة من وقع الجدل والاختلاف في حالهم، فلا نثبت لهم من الفضائل إلا ما هو مُتَحقق من صحته وثبوته، ولا نثبت لهم من الذم إلا ما هو مُتَحقق من ثبوته.
وهذا كله يدل على أن الخلل والمشكلة عند المتساهلين والمغالين في ذم معاوية -رضي الله عنه- ليست في الأمثلة الفردية التي يسوقونها، وإنما في منهجية التفكير لديهم وفي أصول المنهجية الخاطئة فنحن لا نحتاج في تاريخ معاوية إلى مزيد تفصيل، ولا إطناب في سوق الأخبار وإنما نحتاج إلى تصحيح الموازين في بناء المواقف وإلى بيان المداخل التي يؤتى من قِبَلها أحكام الناس على الحوادث والرجال فنصاب بالخلل والاضطراب والظلم والجور.
كيف نبني موقفاً عادلاً من معاوية -رضي الله عنه- ؟!
يتميز جيل الصحابة -رضي الله عنهم- بخاصية لا توجد لغيرهم، وهي أنهم عاشروا النبي -صلى الله عليه وسلم- وعاشوا معه والتقوا به وتحدثوا إليه وتحدث إليهم وسافر معهم وسافروا معه وارتبطوا به بعلاقات عديدة، سواء من آمن قبل الفتح منهم أو بعده، وهذا الحال التعايشي يستلزم بالضرورة أن يصدر من النبي -صلى الله عليه وسلم- مواقف وأحكام ومشاهد تتعلق بمن عاش معه.
ولهذا فإن أفضل طريق وأسلم سبيل وأتقن مسلك لبناء موقف عادل عن الصحابة هو الرجوع إلى ما جاء في نصوص الشرع المطهر عنهم، فإنه سيكون بلا شك أصدق برهان وأعلى بيان.
وليس هناك من شك في أن معاوية بن أبي سفيان جاءت في شأنه أخبار عديدة تدل على فضله ومنقبته، ومن ذلك: كونه كان كاتبا للنبي -صلى الله عليه وسلم-(4)، ومن ذلك قول النبي -صلى الله عليه وسلم- عن معاوية: " اللهم اجعله هاديا مهديا"(5)، ومن ذلك: حديث أم حرام بنت ملحان قالت سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: " أول جيش من أمتي يغزون البحر قد أوجبوا »، قالت أم حرام: قلت: يا رسول الله أنا فيهم ؟ قال: «أنت فيهم». ثم قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: « أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم »، فقلت: أنا فيهم يا رسول الله ؟ قال: لا"(6).
فهذه النصوص الصحيحة وغيرها استنبط منها علماء أهل السنة عددا من مناقب معاوية وفضائله، وشرحوا ذلك في مؤلفاتهم الحديثية والعقدية.
ومن الطرق العميقة والمتقنة التي تساعد على بناء المواقف العادلة من الأشخاص: البحث في مواقف أصحابه وأقرانه ومن عاشوا معه وخبروا حاله، وتزداد أهمية هذا الطريق إذا كان الأصحاب هم الصحابة -رضي الله عنهم-، فإنهم الأتقى قلوبا والأزكى نفوسا والأعلم بدين الله والأكرم أخلاقا والأحرص على شريعة الله والأشجع في بيان الحق والكشف عن الباطل، ولا تأخذهم في الله لومة لائم، فمواقفهم من الأشخاص ستكون بالضرورة هي الأعدل والأصح والأكمل.
وبالتالي فإن من أفضل الطرق في معرفة حال معاوية -رضي الله عنه- هو أن نتعرف على مواقف الصحابة منه.
فما هي مواقف الصحابة من معاوية؟
إذا رجعنا إلى مواقف الصحابة الصحيحة نجدها تدل على فضل معاوية وكرمه وحسن سيرته وتكشف عن رضاهم عنه وعن ولايته، وتدل على نقيض ما ينسبه إليه الغالون المبغضون له من الكفر والنفاق والفسق والخداع.
فعمر بن الخطاب ولى معاوية خلفا لأخيه يزيد بعد موته على الشام، وهو آنذاك ثغر من ثغور المسلمين(7).
وقد بين عمر بن الخطاب منزلة أمرائه على الأمصار قبيل وفاته فقال: " اللهم إنِّي أُشهدك على أمراء الأمصار، وإنِّي إنَّما بعثتُهُم عليهم لِيَعدلوا عليهم، ولِيُعلِّموا الناسَ دينَهم وسُنَّةَ نبيِّهم -صلى الله عليه وسلم-، ويَقسموا فيهم فَيْئَهُم، ويَرفَعوا إلَيَّ ما أشكلَ عليهم مِن أَمرِهم"(8).
فقد وثق عمر في معاوية ورضيه واليا على ثغر من ثغور المسلمين، فلو كان معاوية كافرا أو منافقا أو فاسقا أو غير مأمون الديانة، فهل يقبل به عمر أميرا له على المسلمين، فإذا كان عمر لم يرض بكافر أن يكون كاتبا عند بعض أمرائه فكيف يولي من هو كافر منافق ؟!
وقد توقف عدد من العلماء عند موقف عمر هذا، وعدوه دليلا ظاهرا على إيمان معاوية وحسن سيرته، وفي هذا يقول الذهبي: " حسبك بمن يؤمره عمر ثم عثمان على إقليم – وهو ثغر – فيضبطه ويقوم به أتم قيام ويرضى الناس بسخائه وحلمه وإن كان بعضهم تألم مرة منه وكذلك فليكن الملك"(9).
ويكشف ابن تيمية عن دلالة فعل عمر بكلام مطول فيقول: " لما مات يزيد بن أبى سفيان في خلافة عمر استعمل أخاه معاوية وكان عمر بن الخطاب من أعظم الناس فراسة وأخبرهم بالرجال وأقومهم بالحق، وأعلمهم به... ولا استعمل عمر قط، بل ولا أبو بكر على المسلمين منافقا، ولا استعملا من أقاربهما، ولا كان تأخذهما في الله لومة لائم، بل لما قاتلا أهل الردة وأعادوهم إلى الإسلام منعوهم ركوب الخيل وحمل السلاح حتى تظهر صحة توبتهم، وكان عمر يقول لسعد بن أبى وقاص وهو أمير العراق: لا تستعمل أحدا منهم ولا تشاورهم في الحرب، فإنهم كانوا أمراء أكابر مثل طليحة الأسدي والأقرع بن حابس وعيينة بن حصن والأشعث بن قيس الكندي وأمثالهم، فهؤلاء لما تخوف أبو بكر وعمر منهم نوع نفاق لم يولهم على المسلمين، فلو كان عمرو بن العاص ومعاوية بن أبى سفيان وأمثالهما ممن يتخوف منهما النفاق لم يولوا على المسلمين"(10).
وأما علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، فإن مواقفه الصحيحة تدل على أنه لا يحكم على معاوية بالكفر والنفاق، بل يعده مسلما عدلا، وتدل على أنه حفظ لمعاوية صحبته للنبي -صلى الله عليه وسلم- واعتبر له اجتهاده، فقد دارت بينه وبين معاوية حرب ضارية دامت خمس سنوات، أزهقت فيها أنفس كثير من المسلمين وأهلكت فيها أموالهم، فلو كان علي يعرف من معاوية كفرا أو نفاقا أو فسقا أو استخفافا بالدين أو عدم مبالة به أو بيعا للأصنام أو شربا للخمر لذكره وكشفه للناس وبينه لهم حتى ينصرف الناس عن القتال والحرب، ويقي بذلك دماء المسلمين، ولكنه لم يفعل شيئا من ذلك.
بل ثبت عنه أنه قال: " قتلاي وقتلى معاوية في الجنة"(11)، وكان يدعو لأهل الشام بالمغفرة.
ولو قارنا بين حال علي -رضي الله عنه- مع الخوارج وبين حاله مع معاوية وأهل الشام لوجدنا في ذلك دليلا قويا على حسن موقفه من معاوية، فإن عليا كان فرحا بقتاله للخوارج وكان يحدث الناس بالأحاديث التي وردت عن النبي عليه الصلاة والسلام في شأنهم ويقسم لهم بذلك؛ لأنه يرى أن قتاله معهم مشروع مع أنه لم يكن يكفرهم، ولكنه في قتاله مع أهل الشام لم يكن كذلك، ولم يظهر الفرح بذلك بل كان مترددا نادما حزينا على ما أهرق فيها من دماء المسلمين(12)، ولم يوافقه على قتاله معهم كثير من الصحابة واعتزلوا الفتنة.
فلو كان معاوية كافرا أو فاسقا أو منافقا، فلماذا لم يكن علي فرحا بقتاله، ولماذا لم يشارك كثير من كبار الصحابة في القتال ؟! هل يعقل أن تقوم حرب بين مسلم وكافر ثم لا يشارك الصحابة مع المسلم في قتال الكافر؟!!
وإذا انتقلنا إلى موقف الحسن بن علي -رضي الله عنه- نجده كذلك يدل على ما يدل عليه صنيع أبيه، فإنه تنازل لمعاوية عن الحكم، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- قد أثنى على هذا الصنيع وبشر به، فقال: " إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين "(13).
وقد وافق الحسن من كان معه من الصحابة كأخيه الحسين وغيره، وفي بيان هذا يقول الأوزاعي: " أدركتْ خلافة معاوية عدة من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- منهم: سعد وأسامة وجابر وابن عمر وزيد بن ثابت ومسلمة بن مخلد وأبو سعيد ورافع بن خديج وأبو أمامة وأنس بن مالك، ورجال أكثر ممن سمينا بأضعاف مضاعفة، كانوا مصابيح الهدى، وأوعية العلم، حضروا من الكتاب تنزيله، وأخذوا عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تأويله، ومن التابعين لهم بإحسان -إن شاء الله- منهم: المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث وسعيد بن المسيَّب وعروة بن الزبير وعبد الله بن محيريز، في أشباه لهم لم ينزعوا يداً عن مجامعة في أمة محمد"(14).
فلوا كان معاوية كافرا أو منافقا أو فاسقا كيف يصح للحسن وللصحابة معه أن يتنازلوا بالولاية له ؟!!، وكيف يمتدح النبي -صلى الله عليه وسلم- هذا الصنيع ؟!!، وكيف لهؤلاء الجلة من الصحابة والتابعين أن يتواردوا على السكوت عن الكفر والنفاق والفسق ؟!!
وأما ابن عباس -رضي الله عنهما-، فقد قيل له: هل لك في أمير المؤمنين معاوية فإنه ما أوتر إلا بواحدة ؟ فقال -رضي الله عنه-: "إنه فقيه"(15)، وكان يقول عن معاوية: "ما رأيت رجلا كان أخلق للملك من معاوية"(16).
فها هو ابن عباس وهو من آل البيت وممن كان مع علي، يصف معاوية بتلك الأوصاف، فهل من المقبول عقلا أن يقول هذا القول في رجل يراه كافرا أو فاسقا أو منافقا؟!
والذي يستقرئ حال مجمل الصحابة ومواقفهم من معاوية قبل ملكه وبعده يجد أنها تسير على وتيرة واحدة، وأنه كان يسود بينهم حالة من الرضا والقبول لدينه وحكمه.
وقد مدحه عدد من أجلة الصحابة كسعد بن أبي وقاص وابن عمر وأبي هريرة وأبي الدرداء وأبي سعيد الخدري وعائشة -رضي الله عنهم-، وأخبارهم في هذا صحيحة مشهورة فهل من المقبول عقلا أن يتوارد كل هؤلاء الصحابة على كتمان العلم وبيان حال معاوية لو كان عنده ما يقدح في دينه وأمانته؟!
بل روى ابن سعد عن أم علقمة أنها قالت: قَدِمَ معاويةُ بن أبي سفيانَ المدينة، فأرسلَ إلى عائشةَ: أن أَرْسِلي إليَّ بأنبجانيَّة رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- وشَعْرِه، فأَرْسَلَتْ به معي، حتى دخلْتُ به عليه، فأخذَ الأنبجانيةَ فَلَبسَها، وأخذَ شَعْرَه فدعا بماء فَغَسلَه، فشَرِبَه وأفاضَ على جِلْدِه"(17).
فلو كان معاوية كافرا أو منافقا لما أرسلت إليه عائشة أنبجانية رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولما امتنعت من ذلك.
ثم إنه قد روى عنه عدد من الصحابة الحديث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وقد جمع أبو نعيم الأصفهاني عددا منهم فقال عن معاوية: " حدث عنه من الصحابة: عبد الله بن عباس وأبو سعيد الخدري وأبو الدرداء وجرير والنعمان وعبد الله بن عمرو بن العاص ووائل بن حجر وعبد الله بن الزبير"(18)، وقد أحصى بعض الباحثين ثلاثا وعشرين صحابيا رووا عن معاوية الحديث، وبعض هذه الأسانيد جاءت في البخاري ومسلم(19)، وقد نص عدد من العلماء من أهل الاستقراء على أنه ليس هناك أحد من الصحابة والتابعين كان يتهم معاوية بالكذب وفي هذا يقول ابن تيمية عن معاوية وعمرو ابن العاص: " ولم يتهمهم أحد من أوليائهم -لامحاربوهم، ولاغير محاربيهم- بالكذب على النبي -صلى الله عليه وسلم-، بل جميع علماء الصحابة والتابعين بعدهم متفقون على أن هؤلاء صادقون على رسول الله، مأمونون عليه في الرواية عنه"(20).
فلو كان معاوية كافراً أو فاسقاً أو منافقاً أو مقدوحاً في دينه وأمانته فكيف استساغ أولئك النفر من الصحابة الرواية عنه ؟! وكيف صدقوه في حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ؟!
ويدل حال الصحابة على أنهم كانوا لا يسكتون عن أي مخالفة تقع في الدين سواء كانت من معاوية أو من غيره، وقد اختلف أبو ذر -رضي الله عنه- مع معاوية في اكتناز المال، وشدد أبو ذر على معاوية حتى شكاه إلى عثمان، فهل من المعقول أن يكون معاوية متاجرا في بيع الأصنام في زمن عثمان – كما جاء في القصة التي يعتمد عليها الطاعنون- أو كافراً أو منافقاً أو شارباً للخمر أو مستهترا بدين الله ثم يترك أبو ذر وغيره من الصحابة كل ذلك ويقف معه في قضية أقل منها وهي اكتناز المال ؟! ألا يدل اختلافهم ذلك على أن أبا ذر وغيره من الصحابة لم يجدوا عند معاوية ما يوجب له الفسق والكفر وإلا لبادروا على إعلان النكير عليه ؟!
ولما اجتمع معاوية ابن أبي سفيان بكبار الصحابة في آخر أيام خلافته، وهم ابن عمر وابن عباس وعبد الرحمن بن أبي بكر والحسين بن علي وعبد الله بن الزبير، ليأخذ منهم الإقرار بولاية العهد لابنه يزيد، أنكروا ذلك عليه ولم يؤيدوه على فعله ورأيه(21)، وهذا يدل على أن الصحابة لو كانوا يرون عند معاوية ما يخالف الدين لما سكتوا عنه ولأظهروا المخالفة له، ولكن شيئا من ذلك لم يحدث.
كيف تعامل الصحابة مع أخطاء معاوية ؟
والتقريرات والدلائل العقلية السابقة لا تعني أن الصحابة كانوا يرون معاوية مبرأ من الخطأ، ولكنَّ أخطاءه عندهم لا تصل إلى الكفر والنفاق والفسق والقدح في ديانته.
فليس هناك شك في العقل أن عليا ومن معه من الصحابة كانوا يرون أن معاوية مخطئا في قتاله لعلي، وكثير من الصحابة كان يرى هذا الرأي خاصة بعد قتل عمار بن ياسر؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: " ويح عمار تقتله الفئة الباغية ! عمار يدعوهم إلى الله، ويدعونه إلى النار"(22).
ولكنهم لم يبالغوا في الحكم على معاوية ولم يصدروا أحكاما جائرة، فلم يحكموا عليه بالكفر ولا بالفسق ولا بالنفاق ولا بالقدح في الدين، وإنما عدوه مجتهدا متأولا.
ومن أمثلة مواقف الصحابة من أخطاء معاوية: ما ذكره المسور بن مخرمة رضي الله عنه -وهو من صغار الصحابة- أن معاوية قال له:": يا مِسْوَر! ما فعل طعنُك على الأئمة؟ قال: دَعْنا من هذا وأحسن. قال: لا والله! لَتُكلِّمَنِّي بذات نَفسكَ بالذي تعيبُ عَلَيَّ! قال مسور: فلم أترك شيئا أعيبُه عليه إلا بيَّنت له. فقال: لا أبرأ من الذنبِ! فهل تَعُدُّ لنا يا مِسْوَر ما نَلِي من الإصلاح في أمر العامة -فإن الحسنة بعشر أمثالها- أم تعُدُّ الذنوبَ وتَترُكُ الإحسان؟! قال: ما نَذكرُ إلا الذنوب! قال معاوية: فإنَّا نعترفُ لله بكل ذنب أذنبناه، فهل لك يا مسور ذنوب في خاصتك تخشى أن تهلكك إن لم تُغفر؟ قال: نعم! قال: فما يجعلك برجاء المغفرة أحقَّ مني؟! فوالله ما ألي من الإصلاح أكثرَ مما تَلي، ولكن والله لا أُخيَّر بين أمرين: بين الله وبين غيره؛ إلا اخترتُ الله على ما سواه، وإني لَعَلَى دينٍ يُقبَلُ فيه العمل؛ ويُجزى فيه بالحسنات؛ ويُجزى فيه بالذنوب؛ إلا أن يعفوَ اللهُ عنها.
قال: فخَصَمَني!
قال عروة: فلم أسمَع المِسْوَر ذَكَرَ معاويةَ إلا صلَّى عليه"(23).
فهذا الأثر يدل على أن الأخطاء التي ذكرها المسور في معاوية ليست أخطاء كبيرة توجب الكفر أو النفاق أو الفسق، ولو كانت كذلك لما أقره المسور على أنها مغفورة بالحسنات والأعمال الصالحة.
وكذلك عائشة -رضي الله عنها- أنكرت على معاوية قتله حجر بن عدي وأصحابه من أهل العراق، ولكن معاوية بين لها حجته وتأوله، وأنه خشي أن يحدث فتنة في الناس بإعلانه القوى على إمامته، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: " من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم، أو يفرق جماعتكم فاقتلوه "(24)، وقال لها: " وأما حجر وأصحابه فإنني تخوفت أمرا وخشيت فتنة تكون تهراق فيها الدماء وتستحل فيها المحارم وأنت تخافيني، دعيني والله يفعل بي ما يشاء، قالت: تركتك والله تركتك والله تركتك والله"(25).
وهذا الموقف الإعذاري الذي اتخذته عائشة من معاوية هو الموقف نفسه الذي اتخذه أبو بكر وعمر من خالد حين قتل مالك بن نويرة مع أنه أعلن إسلامه، فمع أنهم حكموا بخطئه وأنكروا فعله إلا أنهم لم يفسقوه ولم يكفروه ولم يقدحوا في دينه، ومستندهم في ذلك موقف النبي -صلى الله عليه وسلم- من أسامة وخالد بن الوليد حينا قتلا من أعلن إسلامه.
مع أنه لا بد من التنبيه على أن قتل معاوية لحجر بن عدي -رضي الله عنه- اشتمل على ملابسات كثيرة جدا، والقصة تحتاج إلى قدر كبير من التحقيق، وليس من قصد البحث تحقيق الكلام فيها، وإنما قصده تحقيق مواقف الصحابة مما وقع فيه معاوية من إزهاق الدم المسلم.
موقف تلاميذ الصحابة من معاوية:
ثم إذا انتقلنا إلى تلاميذ الصحابة وتلاميذ تلاميذهم من التابعين وأتباعهم، وهم الأعلم بمواقف الصحابة والأكثر فقها لآرائهم وأصول مذهبهم والأعمق في تصور عقيدتهم، وهم الأشد حرصا على اتباع الصحابة والتمسك بما كانوا عليه من دين، وهم كذلك أعداد كبيرة جدا، وقد عاش كثير منهم بعد انتهاء دولة بني أمية.
فإنا لو رجعنا إلى مواقفهم من معاوية نجدهم أطبقوا على الثناء عليه والإعلان عن حبه وتقديره واعتقاد عدالته وحسن سيرته، فمن المستبعد عقلا أن تتوارد هذه الأعداد الغفيرة على عقيدة خلاف ما تلقوه من الصحابة -رضي الله عنهم-، ومن المستبعد عقلا أن تتوارد هذه الأعداد الغفيرة على كتمان الحق الذي تلقوه من الصحابة؟!
تعليق أخير:
فهذه الشواهد التاريخية والدلالات العقلية تُكوِّن لدينا ترسانة علمية صلبة في التعامل مع معاوية -رضي الله عنه-، وتكشف لنا عن حقيقة نظرة الصحابة إليه وتعاملهم معه، وهي لا شك ستعين القارئ في تاريخ معاوية على فهم كثير من النصوص الشرعية التي جاءت في حقه، وتعينه على توسيع أفقه في التعامل مع مشاهد سيرته، ولا يجوز في موازين المنهجية العلمية القفز عليها أو تجازوها ما لم نقدم عنها جوابا مقنعا.
وتعاملات الصحابة تلك تمثل عقبة كبيرة أمام القادحين في معاوية لإقناع المسلمين برأيهم؛ إذ كيف يقتنع المسلمون بأن معاوية كان كافرا أو منافقا أو فاسقا أو فاسد الديانة وهم يعلمون مواقف الصحابة معه ؟!
ولا بد من التنبيه في ختام هذه الورقة التقريرية المختصرة أنه لم يكن القصد منها استيعاب كل ما يتعلق بمعاوية -رضي الله عنه- من النصوص الشرعية وغيرها، وإنما القصد دراسة وتحليل مواقف الصحابة فقط.
ولا بد من التنبيه على أن الغالين في ذم معاوية قد ذكروا أخباراً وآثاراً عديدة تدل في ظاهرها على أن الصحابة كانوا يقدحون في معاوية ويذمونه، ولكن هذه الأخبار كلها ليست صحيحة ولا ثابتة، وقد قام عدد من الباحثين المعاصرين برصد تلك التهم والأخبار وقاموا بدراستها حديثيا وتاريخيا وأثبتوا بطلانها وخطأها، ومن أجمع البحوث التي قامت بذلك كتاب (سل السنان في الذبِّ عن معاوية ابن أبي سفيان)، فقد جمع فيه كل ما أثير ضد معاوية وأجاب عنها جوابا مفصَّلا.
ثم إن ما كان منها صحيحا فإنه لا يدل على مقدار الحكم الجائر الذي وصفوا به معاوية!!
------------------------------------
(1) سير أعلام النبلاء, الذهبي (3/128).
(2) الموضوعات, ابن الجوزي (2/249).
(3) انظر في إثبات ضعف هذه الأخبار: سل السنان في الذب عن معاوية ابن أبي سفيان, سعد السيبعي (197) – نسخة الالكترونية -.
(4) كون معاوية كان كاتبا للنبي عليه السلام أخرجه: مسلم (2501).
(5) أخرجه: أحمد في المسند (17929), والترمذي في السنن( 3843) وابن سعد في الطبقات (7/417),والآجري في الشريعة (1914), وصححه عدد من العلماء.
(6) أخرجه: البخاري (2766).
(7) انظر: البداية والنهاية, ابن كثير (11/399 ) و سير أعلام النبلاء, الذهبي (3/132).
(8) أخرجه: مسلم (567).
(9) سير أعلام النبلاء, الذهبي (3/132).
(10) مجموع الفتاوى, ابن تيمية (35/65).
(11) أخرجه: ابن أبي شيبة (15/303), وسنده صحيح.
(12) انظر خبر ذلك في: مصنف ابن أبي شيبة (39007).
(13) أخرجه: البخاري (2704).
(14) نقله أبو زرعة الرازي في تاريخه (1/189).
(15) أخرجه: البخاري (3765).
(16) أخرجه: معمر في جامعه المطبوع مع مصنف عبدالرزاق( 20985), وإسناده صحيح.
(17) الطبقات الكبرى, ابن سعد (1/112), وسنده لا بأس به.
(18) معرفة الصحابة, أبو نعيم (5/2497).
(19) انظر: سل السنان في الذب عن معاوية ابن أبي سفيان (15).
(20) مجموع الفتاوى, ابن تيمية (35/66).
(21) انظر خبر ذلك في: تاريخ خليفة خياط (213-214).
(22) أخرجه: البخاري (2657).
(23) أخرجه: معمر في الجامع – المطبوع مع مصنف عبدالرزاق(20717), وابن سعد في الطبقات (1/123), وقال ابن عبدالبر عن هذا الأثر:" وهذا الخبر من أصح ما يروى من حديث ابن شهاب" الاستيعاب في معرفة الأصحاب(3/1422), وصححه عدد من العلماء.
(24) أخرجه: مسلم ( 4904).
(25) أخرجه: ابن عساكر في تاريخه (12/230).

أنا مسلم ... هل تعرفون المسلم ؟

أنا مسلم هل تعرفون المسلم ....نشيد وكلمات جميلة من أصغر داعية في العالم وهو الطفل مسلم سعيد :
http://www.youtube.com/watch?v=2tW9WkB_Lhw&feature=youtube_gdata_player

القصيدة المجنونة للشيخ الدكتور : عائض القرني

القصيدة المجنونة

د. عائض القرني

الذي اختار الاسم لهذه القصيدة هو الدكتور سلمان العودة، فوافقته مرحبا بهذا العنوان.


فتفضلوا بقراءتها:

* تلوتُ على ورشٍ مزامير ألحاني - وأنشدت وجه الحسن أبيات حسّانِ

* ومالك من فتواه ملّكت مهجتي - رقيق الحواشي أو بمذهب نعمانِ

* وبالشافعي شفَّعته في جوانحي -حزنت أسيفا للنوى حزن سفيانِ

* هُمُو أغمدوا في مهجتي سيفَ غدرِهم - كسيف ابن يزنٍ في مقاصير غمدانِ

* وهم شتتوا شملي بخوف فراقهم - كتشتيت سعد جيش كسرى وشروانِ

* نسوني وساروا مثلما سار راكبٌ - سرى في ضياء البرق في ليل نيسان

* سحبت ثياب الشوق نحو ديارهم - كسحب حروف الجر في فم سحبانِ

* وقد مزقوا صبري بلوعة هجرهم كما مزق الثّوار قمصان عثمانِ

* وحطوا بوادي الهجر في الليل ذودهم - كما حط هجو الحق شعر ابن حطانِ

* على مروة الأحزان تُقطع سلوتي - كما قطع السفّاح أوداج مروانِ

* سلمتَ ولو جرعتني غصص الهوى - سلامة سلمان جفا دار ساسانِ

* دعوتهمُو لطفا بحالي وحالتي - كما قد دعا فرعون موسى بن عمرانِ

* بلحظٍ سباني من سبا فأقامني - قيامة بلقيسٍ بملك سليمان

* فرد دروعي صاحبي أتّقي بها - كما رد خير الخلق درعا لصفوانِ

* أُعفِّرُ في الوادي المقدس جبهتي - كما عفَّر الضرغامَ فتحُ بن خاقانِ

* فيا نمر أحلامي عهدتك عاديا - كما هاج في الهيجاء نمر بن عدوانِ

* رويتَ حديث الحب من مسند العلا - كما قد رواه الترمذي وابن حبانِ

* نزارية بيت القباب محلها - لها الشعر يهدى من نزارٍ بن قبانِ

* وفتك الليالي مثل فتكة طاهرٍ - لحرب الأمين احتزّ رأس ابن ماهانِ

* غدرا بقلبي مثل غدر سعادةٍ - أبو يوسفٍ مقتوله في تِلمسَانِ

* دنانير في الأحلام وعد مكذب - دنانير للكندي في شعب بوانِ

* زمانٌ تقضّى كالربيع ملاحة - كما أطرب الصولي في عرس بورانِ

* دنا في هوانا قاب قوسين مثلما - دنا في فرنسا صاحب العشق مترانِ

* صفوت لإخواني صفاء محبة - وما كان إخوان الصفا ضمن إخواني

* حياة فؤادي من كريم وصالكم - وأيقظ ضميري عند حي بن يقظانِ

* بنيتُ لأهل الحب صرحا مشيدا - عزيزا منيعا لم يكن صرح هامانِ

* يُرتّل فيه الذكر من دفتر الرضا - أبو مسلم يتلوه من نسل خولانِ

* وثنِّ على الأصحاب مني تحيةً - كذكر المثنى الشهم من آل شيبانِ

* فلا تجزِني بالوصل هجرا كأنه - ثواب ابن درّاجٍ على مدح خيرانِ

* دخلتَ فؤادي بالدعاءِ محبةً - دعاءُ عليّ في العراق لهمْدانِ

* فقل لعديٍّ يا بن حاتمِ ما ترى؟- قد انتطحت في حرب صفينَ عنزانِ

* ألا من يواسيني ولو بقصيدةٍ - محبّرةٍ كالبرد من نظم واساني؟

* تعمدني سهم النوى فأصابني - تعمد سهم الجن سعدا بحورانِ

* وقد بخلوا بالوصل بخل ابن داية - كخبز لعثمانٍ بربع خراسانِ

* وهم ضرّجوا خدي بدمع فراقهم - كتضريج بدر ليث غاب بعمّانِ

* وصادوا فؤادي بالجفون نواعسا - كما صاد صعب ظبي حسنٍ بودّانِ

* بكيتُ على كنز المروءات والندى - ككنز لشوقي إذ بكاه بحلوانِ

* نذمّ قتيل الحب في غير طاعة - كما ذم فينا المصطفى قتل قزمانِ

* عطايا البرايا سوف تفنى كما انتهى - عطاء بلال في العراق لغيلانِ

* فداوم على ذكر المهيمن واعتبر - بقول رسول الله في سفح جُمدانِ

* وأدرك فؤادا هزّه الشوق والجوى - تدارك قيسٍ حرب عبس وذبيانِ

* فسبحان من أعطاك حلما كأحنفٍ - وصبرا كعمار وشعرا كجبرانِ

* فصاحة قُسٍّ في سماحة حاتم - وإقدام عمرو تحت حكمة لقمانِ

* إذا كنت ندماني فسبّح بحمده - ولا تكُ ندمانا لنعمانِ ميسانِ

معنى لا إله إلا الله وشروطها السبعة والآثار المترتبة عليها

                        " فاعلم أنه لا إله إلا الله "
لا إله إلا الله منهج متكامل يجب أن يسيطر على حياة المسلمين وجميع عباداتهم وتصرفاتهم، وليست لفظا يردد للتبرك والأوراد الصباحية والمسائية بدون فهم معناه وعمل بمقتضاه والسير على منهجه. شروط شهادة لا اله الا الله: 1- العلم المنافي للجهل ومعناه: العلم بمدلولها الذي يقتضيه جميع معاني توحيد الألوهية 2- اليقين المنافي للشك ومعناه: النطق بهما عن يقين يطمئن قلبه إليه، دون تسرب شيء من الشكوك التي يقوم ببذرها شياطين الجن والإنس. 3- القبول المنافي للرد ومعناه: قبول جميع ما يلزم من مدلوهما. 4- الانقياد المنافي للترك: ومعناه الانقياد لحكم الله الذي اعترف بحصر الألوهية له في هذه الشهادة، والاستسلام لجميع شرعه الوارد في كتابه وسنة نبيه كما يستلزم ذلك. 5- الصدق المنافي للنفاق: ومعناه الصدق مع الله سبحانه بحصر الألوهية له في هذه الشهادة، وهو توحيد الإرادة. 6- الإخلاص المنافي للشرك: ومعناه أن تصدر منه جميع الأقوال والأفعال خالصة لوجه الله وإبتغاء مرضاته، ليس فيها شائبة رياء أو سمعة أو قصد نفع أو غرض شخصي أو شهوة نفسية ظاهرة أو خفية، أو الاندفاع إلى العمل لمحبة شخص أو مذهب أو مبدء يستسلم له بغير هدى من الله، أو يؤثر محبة غيره على طاعته. 7- المحبة المنافية لضدها: النطق بها عن محبة مقرونة بالإجلال والتعظيم. إعراب لا إله إلا الله: (لا) نافية للجنس، و(إله) اسمها مبني معها على الفتح وخبرها محذوف تقديره (حق) أي لا إله حق (إلا الله) استثناء من الخبر المرفوع. ويغلط من قدر خبرها بكلمة (موجود أو معبود) فقط؛ لأنه يوجد معبودات كثيرة من الأصنم والأضرحة وغيرها، لكن المعبود بحق هو الله، وما سواه فمعبود بالباطل وعبادته باطلة. ركنا لا إله إلا الله: لا إله إلا الله لها ركنان هما: النفي والإثبات؛ فالركن الأول النفي "لا إله"- يُبطل الشرك بجميع أنواعه، ويُوجب الكفر بكل ما يعبد من دون الله. والركن الثاني الإثبات "إلا الله"- يثبت أنه لا يستحق العبادة إلا الله. معنى لا إله إلا الله ومقتضاها: إن معنى لا إله إلا الله لا معبود بحق إلا الله، فمن قالها عارفا بذلك عاملا بمقتضاها من عبادته والكفر بما سواه وقبول تشريعه في العبادات والمعاملات والتحليل والتحريم ورفض تشريع من سواه، وإثبات أسمائه وصفاته التي سمى ووصف با نفسه أو سماه ووصفه بها رسوله صلى الله عليه وسلم ظاهرا وباطنا- فهو المسلم حقا، ومن قالها عارفا بذلك عاملا بمقتضاها ظاهرا من غير اعتقاد لما دلت عليه فهو المنافق، ومن قالها بلسانه وعمل بخلافها من الشرك المنافي فهو المشرك المتناقض. آثار لا إله إلا الله: 1- اجتماع الكلمة التي تنتج قوة المسلمين لأنهم يدينون بدين واحد وعقيدة واحدة. 2- توفر الأمن والطمأنينة. 3- حصول السيادة والاستخلاف في الأرض. 4- حصول الطمأنينة النفسية والصفاء الذهني. 5- حصول السمو والرفعة. 6- عصمة المال والدم والعرض.

05‏/05‏/2012

ما زلت كالقديس أنشر دعوتي ...وأبشر الدنيا بصبح آت ...قصيدة لفاروق جويدة

ما زلت أركض في حمي كلماتـي
الشعر تاجي والمدي ملكاتـــــي
أهفو إلي الزمـن الجميـــل يهزنـــي
صخب الجياد وفرحة الرايات
مازلت كالقديـــس أنشـــر دعوتـــي
وأبشـــر الدنيــــــا بصبـــح آت
مازلت كالطفـل الصغيــــر إذا بـــدا
طيف الحنـان يذوب في لحظات
مازلت أعشق رغـــم أن هزائمــــي
في العشق كانت دائما مأساتـــي
وغزوت آفاق الجمــــال ولم يـــزل
الشعر عندي أجمل الغـــــزوات
واخترت يوما أن أحلـق في المـــدي
ويحوم غيري في دجي الظلمات
كم زارني شبح مخيـف صــــــامت
كم دار في رأسي وحاصر ذاتي
وأظل أجــري ثم أهــــرب خائفـــــا
وأراه خلفي زائغ النـظــــــــرات
قد عشت أخشي كل ضيـف قـــــادم
وأخاف من سفه الزمان الـعــاتي
وأخاف أيـام الخريـــــف إذا غــــدت
طيفـا يطاردنـي علــــي المـــرآة
مازلت رغم العمر أشعــــر أننـــــي
كالطفــل حين تزورنــي هفواتي
عنـدي يقيــــن أن رحمــة خالقـــــي
ستكون أكبر من ذنوب حياتـــي
سافرت في كل البـــــــلاد ولـم أجــد
قلبـا يلملم حيرتــــي وشتــاتـــي
كم لاح وجهـــــك في المنام وزارني
وأضاء كالقنديل فــي شرفاتـــي
وأمامــــي الذكري وعطرك والمـني
وجوانح صارت بــــلا نبضــات
ما أقصــــر الزمن الجميل سحابــــة
عبرت خريف العمر كالنـسمـات
وتناثرت عطـــرا علـي أيــــامنـــــا
وتكسرت كالضوء فـي لحظــات
ما أصعب الدنيـــا رحيـــلا دائمــــا
سئمت خطاه عقارب الساعــــــات
آمنت في عينيـــك أنــك موطنــــــي
وقرأت اسمك عنــد كل صـــــــلاة
كانت مرايا العمر تجـــري خلفنــــا
وتدور ترسم في المدي خطـــواتي
شاهدت في دنــــس البلاط معابـــدا
تتلي بها الآيات فـــي الحــانـــات
ورأيت نفســي في الهواء معلقــــــا
الأرض تلقينــي إلـي السمــــوات
ورأيـــت أقدار الشعـــــوب كلعبـــة
يلهو بهــا الكهــان في الـبــــارات
ورأيـت أصنــــاما تغيـر جلـــدهــــا
في اليـوم آلافـــا مـــن المـــــرات
ورأيـت مـن يمشــي علـــي أحلامـه
وكأنـهــا جــثث مـــن الأمـــــوات
ورأيت من باعوا ومن هجروا ومن
صلبـوا جنين الحب في الطـرقات

قد قلت ما عندي ...قصيدة لفاروق جويدة


آمـــنت بالإنـســــان عمــــري كلـــه
ورسمتــه تاجــا علـي أبيـاتــــي
هو سيد الدنـيـــا وفجــــر زمانهــــــا
سر الإلـه وأقــدس الغــــايــــات
هو إن سما يغدو كنجم مبــهر
وإذا هوي ينحط كالحشـــــرات
هل يستوي يوم بكيت لفقـــــــــده
وعذاب يوم جاء بالحسرات ؟!
هل يستـوي صبح أضاء طريقنـا
وظلام ليـل مر باللعنـــــــات ؟!
هل يستوي نهر بخيل جاحـــد
وعطاء نهر فاض بالخيرات ؟!
أيقنت أن الشـعر شاطئ رحـلتــــي
وبأنه عند الهلاك نجاتــــــــــي
فزهدت في ذهب المعز وسيفــــــه
وكرهت بطش المستبد الـعاتـــي
وكرهت في ذهب المعز ضـــــلاله
وخشيت من سيف المعــز مماتـي
ورفضت أن أحيا خيالا صــــــامتـا
أو صفحة تطوي مع الصفحـــــات
واخترت من صخب المزاد قصائدي
ورفضت سوق البيع والصفقـــات
قد لا يكون الشعر حصنـــــا آمنـــــا

لكنه مجــــد.. بلا شـبهــــــــــــات
والآن أشعر أن آخر رحـلتــــــــــــي
ستكون في شعري وفي صرخاتي
تحت التراب ستختفي ألقابنــــــــــــا
لا شئ يبــقي غير طيف رفـــــات
تتشابك الأيدي.. وتنسحب الــــروي
ويتوه ضوء الفجر في الظلـمـــات
وتري الوجوه علي التـراب كأنــــــها
وشم يصافح كل وشـــــــــــــم آت
ماذا سيبقي من بريق عيوننـــــــــــا ؟
لا شئ غير الصمت والعبــــــرات
ماذا سيبقي من جواد جـــــــــــــامح
غير البكاء المر.. والضحكـــــات؟
أنا زاهد في كل شيء بعدمــــــــــــا..
اخترت شعري واحتميت بذاتـــــي
زينت أيامي بغنوة عاشــــــــــق
وأضعت في عشـق الجمال حياتي
وحلمت يوما أن أراك مدينتـــي
فوق السحاب عزيزة الرايــــــــات
ورسمت أسراب الجمال كأنـها
بين القلوب مواكب الصــــــــلوات
قد قلت ما عندي ويكفي أنني
واجهت عصر الزيف بالكلمـــــات

هل لغزي هذا مفهوم ....للشاعر أحمد مطر

هل لغزي هذا مفهوم ؟

عندي لغز يا ثوار
يحكي عن خمسة أشرار


الأول يبدو سباكاً
والثاني ساقٍ في بار

والثالث يعمل مجنوناً
في حوش من غير جدار

والرابع في الصورة بشرٌ
لكنْ في الواقع بشار

أما الخامس يا للخامس
شيء مختلف الأطوار

سباك ؟ كلا..مجنونٌ ؟
كلا..سَقَّاءٌ ؟ بشار؟

لا أعرفُ ، لكني أعرفُ
أنَّكَ تعرِفُهُ مَكَّار

جاء الخمسة من صحراءٍ
سكنوا بيتاً بالإيجار

جاءوا عطشى جوعى هلكى
كلٌّ منهم حافٍ عار

يكسوهم بؤسُ الفقراءِ
يعلوهم قَتَرٌ وغُبَار

رَبُّ البيتِ لطيفٌ جِدّاً
أسَكّنهم في أعلى الدار

واختار البَدْرُومَ الأسفل
والمنزلُ عَشْرَةُ أَدْوَار

هو يملك أَرْبَعَ بَقَرَاتٍ
ولديه ثلاثةُ آبار

أسرتُهُ:الأمُّ، مع الزوجةِ
وله أطفالٌ قُصّار

مرتاحٌ جداً، وكريمٌ
وعليه بهاء ووقار

مرّتْ عَشَرَاتُ السنواتِ
لم يطلبْ منهم دينار

طلبوا منه الماءَ الباردَ
واللحمَ مع الخبز الحارّْ

أعطاهم كَرَماً ؛ فأرادوا الـ
آبارَ، وَحَلْبَ الأبقار

أعطاهم ؛ فأرادوا الْمِنْخَلَ
والسِّكِّينةَ والعَصَّارْ

أعطاهم حتى لم يتركْ
إلا أوعيةَ الفخَّار

طلبوا الفخارَ، فأعطاهم
طلبوه أيضاً ؛ فاحتار

خجِلَ المالكُ أنْ يُحرِجَهم
فاستأذنهم في مِشْوار

خرج المالكُ من منزله
ومضى يعمل عند الجار

ليوفر للضيفِ الساكنِ
والأسرةِ ثَمَنَ الإفطار

سَرَقَ الخمْسَةُ قُوتَ الأسرةِ
واتَّهَمُوا الطِّفْلَةَ {أبرار}

ثم رأَوْا أن تُنْفَى الأسرةُ
واتخذوا في الأمرِ قرارْ

طردوا الأسرة من منزلها
ثم أقاموا حفلةَ زَارْ

أكلوا شرِبوا سَكِرُوا رَقَصُوا
ضربوا الطَّبْلَةَ والمزمار

باعوا الماءَ وغازَ المنزلِ
وابتاعوا جُزُراً وبِحَار

وأقاموا مدناً وقُصُوراً
وحدائقَ فيها أنهار

وتنامَتْ ثرْوَتُهم حتى
صاروا تُجَّارَ التُّجَّار

حَزِنَ المالكُ مِنْ فِعْلَتِهِمْ
وَشَكَا لِلْجِيرَةِ ما صَار

قالوا :{ أَنْتَ أَحَقُّ بِبَيْتَكَ
والأُسْرَةُ أَوْلَى بالدار }

فمضى نحو المنزل يسعى
واستدعى الخمسةَ وَأَشَارْ

خاطَبَهُمْ بِاللُّطْفِ : {كَفَاكُمْ
في المنزل فوضى ودمار

أحسنت إليكم فأسأتم }؛
فأجابوا: { أُسْكُتْ يا مهذار

لا تفتحْ موضوعَ المنزلِ
أوْ نَفْتَحَ في رأسِكَ غارْ }

فانتفضَ المالكُ إعصاراً
وانفجرُ البركانُ وثار

أمَّا الأَوَّلُ : فَهِمَ الْقِصَّة؛َ
فاستسلَمَ للريح وطار

والثاني : فكَّرَ أنْ يبقَى
وتحدَّى الثورةَ ؛ فانْهَارْ

فاستقبَلَهُ السِّجْنُ بِشَوْقٍ
فِذٍّ هُوَ والإبِنْ البارّْ

والثالثُ : مجنونٌ طَبْعاً
قال بِزَهْوٍ واسْتِهْتَارْ :

{أنا خَالِقُكُمْ وسَأَتْبَعُكُمْ
زَنْقَهْ زنقه .. دارْ دارْ }

أَرْغَى أَزْبَدَ هَدَّدَ أَوْعَدَ
وَأَخِيراً: يُقْبَضُ كالفار

ولقدْ ظَهَرَتْ في مَقْتَلِهِ
آياتٌ لأولي الأبصار

والرابع والخامس أيضاً
دَوْرُ الشُّؤْمِ عَلَيْهِمْ دَارْ

لم يَعْتَبِرُوا ، لَكِنْ صَارُوا
فيها كَجُحَا والمسمار

اُخْرُجْ يا هذا من داري !
{ لنْ أخرجَ إلا بحوار }

إرْحَلْ هذي داري إِرْحَلْ !!
{ لن أرحلَ إلا بالدَّار

إمَّا أنْ تَتْبَعَ مِسْماري
أوْ أنْ أُضْرِمَ فيها النار }

فاللغزُ إذنْ يا إخوتنا
عقلي في مُشْكِلِهِ حَارْ

هل نعطي الدارَ لمالكها ؟!
أم نعطي رَبَّ المسمار ؟!

هل لوْ قُتِلَ المالِكُ فيها
هُوَ في الجنةِ ، أم في النار؟!

هل في قول المالك : { إرحَلْ
يا غاصبُ } عَيْبٌ أوْ عار !؟

هل لُغْزِي هذا مَفْهُومٌ ؟!
مَنْ لم يفهمْ فهو : .........!!!ـ


أحمد مطر