بسم الله الرحمن الرحيم . إذا أردت أن تحفظ القرآن وتحصل على سند ، ما عليك سوى الاتصال بنا . كما يمكنك الحفظ معنا عبر الإنترنت
إذا أردت دراسة أحد علوم اللغة أو أحد المواد الشرعية فقط راسلني .::. إذا أردت إعداد بحث لغوي أو شرعي فنحن نساعدك بإذن الله

language اللغة

English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

اذكر الله

20‏/06‏/2011

الحق والخلق والنفس

الحـق  والخَـلق  والنفس  
 أ. د. صـلاح سلطان 
    يقول ابن القيم الجوزية: إذا عاملتَ الحق فأخرج الخلق ، وإذا عاملتَ الخلق فأخرج النفس. وهى كلمة جليلة تلخص الطريق إلى سعادة النفس في الدارين من خلال صدق العبادة والإتقان في عبادة الرحمن ، والعدل والإحسان مع خلق الرحمن .
 إن من الظلم أن تَحجُبَ أهواءُ النفس ونزغاتُ الشيطان الإنسان عن الإحسان إلى الخلق ، ولكن الظلم الأكبر أن تحجب النفس والخلق العبد أو الأمة عن الحق سبحانه وتعالى ، فيصير (كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ) -الأنعام: من الآية71- ولا يستجيب للدعاة إلى الله (لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا) -الأنعام: من الآية71-؛ لأن هواه وشيطانه لم يمكناه من إدراك (قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى) -البقرة: من الآية120-.

وأخشى على هؤلاء من الوعيد الشديد الوارد في الأثر الذي رواه الترمذي بسنده عن أبى الدرداء أن النبي صلى الله علية وسلم قال: "يخرج في آخر الزمان رجال يختلون الدنيا بالدين يلبسون للناس جلود الضأن من اللين ألسنتهم أحلى من السكر وقلوبهم قلوب الذئاب يقول الله عز وجل أبي يغترون أم علي يجترئون فبي حلفت لأبعثن على أولئك منهم فتنة تدع الحليم منهم حيرانا".

فإذا أراد العبد أو الأمة أن يَجدَّ السير إلى الله تعالى ويواجه هذه الفتن فإنه يجب أن يتسلح بقوة هائلة ، مثل الطائرة العملاقة التي لا تُحَلّقُ إلا بعد تدقيق كثيف وتموين كثير، ويمكن أن نلخص هذه القوة في أمرين:
معاملـة الحـق
أولا: إذا عاملتَ الحق فأخرج الخلق: نعم؛ لأنه في بَدائه العقول لا يستويان (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ) -النحل:17- والخلق، إما الإنسان، أو الحيوان، أو الطير، أو الجماد، أو هي الأملاكُ بأنواعها البراقة ، كل هذا قد يجعل لها قيمة أعلى مما وضعها الرحمن للإنسان فهي كٌلُها مسخرة للإنسان (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ) -الجاثـية: من الآية13-، وبالتالي فالملك الذي خلق جعلنا خلفاء، و سخر الخلق لنا ، فكيف نتحول إلى أشقياء لخدمة هذا الخلق؟  والإنسان الذي نحاول أن نرضيه بسخط الله قلبه بيد الرحمن " القلوب بين أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء " .
وعليه فلا نملك أن يحول أب أو أم قلب أولادهم إليهم وهم فلذات أكبادهم ، ولا تملك زوجة أو يملك زوج أن يصرف قلب الآخر إليه وحده ، ولا يملك شيئا من المخلوقات لم يقدره له ربه ، وعليه فإن من الكياسة كل الكياسة والعقل كل العقل أن يُنَحِي الإنسان رضا الإنسان ، أو النَهَمُ على الأشياء بما يصرفه عن رب الناس ، وآنئذ يكون قد خسر مكانه عند الله، ولا يأتيه من الدنيا إلا ما كتب له ، ولا يملك أن يصرف قلوب الناس إليه ، وهذا هو الخاسر فعلا الذي قال الله فيه (خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ٬ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُ وَمَا لا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيد٬ُ يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ) -الحج:11-13-.
الإيمان يتحدى
إن كان العبد صادقا في العبادة والإتقان فانه يحمل طاقة إيمانية عالية أن يتحدى أي شيء كما فعل سحرة فرعون حين قالوا: (فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) -طـه: 72- ، رغم أنهم هم المتزلفون إليه ، الطامعون فيما في يده قبل الإيمان كما قال تعالى: (أَئنَّ لَنَا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ) -الشعراء: من الآية41-، يتحدى تعذيب القوم كما فعل عمار وياسر وسمية وبلال وأبو ذر وابن مسعود، بل يكون كما كان يقول ابن مسعود وهم يعذبونه: ما كان شأنهم أحقر عندي من هذا اليوم ، وعندما جيء بخبيب ليقتل، وقيل له أتحب أن محمدا مكانك ، فقال ما أحب أن يشاك محمد شوكة واحدة وأنا آمن في أهلي،
 ثم هددوه بالتعذيب والتقطيع لجسده بعد قتله فأنشد يقول منظومة رائعة صادقة في حب الله تعالى :
        ولست أبالي حين أقتل مسلما     على أي جنب كان في الله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشـأ         يبارك على أشـلاء شلو ممـزع

هل ندرس هذا في القرآن والسنة والسيرة ولا نقدر على مخالفة عرف غالب مخالف لأوامر الحق سبحانه سواء في أفراحنا أو أتراحنا ، في فقرنا وغنانا ، في عافيتنا وأمراضنا ، في ليلنا ونهارنا ؟! ، فكم من مدع إرضاء الحق وهو يشتري الأشياء لا لِيُسَخِرَها في مرضاة الرحمن؛ بل ليستطيل بها على عباد الله! وكم من محب لإنسان وترك لأجله الخشوع والإقبال على ذكر الله ! وكم من متزلف لمسئول لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ! وكم من ساكت عن الحق خشية بطش الخلق ! ، وكم من راءٍ لفتن ومفاسد تستوجب إعلان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وانخرس اللسان خشية من ردود فعل الآخرين !

معاملة الخلق
ثانيا:  إذا عاملتَ الخلق فأخرج النفس :
     هناك معايير راقية في تقييم النفس والناس مثل :"خير الناس أنفعهم للناس" " خيركم خيركم لأهله ، وأنا خيركم لأهلي"، والمطلوب ليس الوصول إلى العدل والقسطاس المستقيم بل تجاوزه إلى البر والإحسان، وهو يقتضي أن يكون لدى  العبد أو الأمة ما يجعله يبالغ في إكرام الخلق كما قال النبي صلى الله علية وسلم: "ن الله كتب الإحسان على كل شيء " ويتعامل بالرفق "ما كان الرفق في شيء إلا زانه وما نُزِعَ من شيء إلا شانه" ، وهذا يحتاج إلى مجاهدة للنفس وصراع مع الشيطان معا  لاقتلاع كل بذور الكبر والخيلاء والغل والحسد، والهلع والفزع ، والجشع والطمع ، والغيبة والنميمة ، والكذب والبهتان ، والخيانة والنكران ، والعجز والكسل ، والجبن والبخل ، والأنانية والأثرة.......
وهذا لن يستقر خُلُقاً أصيلا وطبعا نبيلا إلا بعد تحديد صادق: أين نفسي من الحق والخلق ؟ هل أراعي الخلق عند إرضاء الحق ، أو أراعي نفسي عند التعامل مع الخلق ؟ وهذا يقتضي أن ندرك أن النفس تمر عبر خطوات ثلاث:-

1- الغفلة ، قال تعالى : (إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ ) (يوسف: من الآية53).
 2- الاستحضار ،قال تعالى : (وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ) (القيامة:2).
3- الحضور ، قال تعالى: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ) (الفجر:27).

ومن السنن الإلهية أنه لا قفز من الطفولة إلى الشباب إلا  بعد مرحلة المراهقة، كذا الإنسان لا يمر من غفلة القلب ، وهوى النفس إلى حضور القلب، وخضوع النفس إلا عبر طريق طويل شاق وهو مجاهدة النفس ، لكن مع مشقته فيه سعادة الدنيا والآخرة ، فيه رضا الله والجنة ، فيه صحبة الأخيار من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، فيه الخير والرضا كله ، وهو أملنا فيكم إخواني وأخواتي في الله في أي مكان من أرض الله عز وجل ، ورجاؤنا في ربنا أن يرزقنا الهداية كما وعدنا سبحانه (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) (العنكبوت:69).
والله الموفق ....
 ويحـك قلبي ... ما أقساك!
alt
  
د. خالد أبو شادي
 
 هذه نفحات حياة، أفاض الله بها عليَّ حين قرأت يومًا حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "أوصيك أن تستحي من الله تعالى كما تستحي من الرجل الصالح من قومك" (صحيح: رواه الطبراني والبيهقي عن سعيد بن يزيد بن الأزور، كما في صحيح الجامع رقم: 2541).

فوقفت فيه مع نفسي عدة وقفات، وخُضْتُ غِمار بحر معانيه، وتلمَّستُ أنوارَ النبوة تُشِعُّ من ألفاظه تنير لنا الواقع بروعة الوحي، فجاءت هذه الكلمات تحت هذا العنوان، ذلك أن العبادة حياءً أجدى من العبادة خوفًا، وأكثر نفعًا من التحرك تحت تأثير سوط العقوبة، ودافعية العمل في هذه الحالة أقوى وأدوم، وفي كلٍّ خير، ولا يضرك من أي باب دخلت ما دمت داخلاً.. فاللهم افتح لنا أبواب فضلك، وأنر بصائرنا بأنوار فهمك، وأقبل بقلوبنا عليك واصرفها عمن سواك.

يا نفس.. لو خيَّروك بين فقد بصرك وفقد بصيرتك.. بين عمى عينيك أو عمى قلبك.. اصدقيني القول.. ماذا كنتِ تختارين؟! ألا فاعلمي أن عمى القلوب أضل.. وأن جهلها أشد، وماذا جنى من أبصرت عيناه وعمي قلبه، حتى تاه عن طريق الجنة وهام على وجهه إلى أن وصل أبواب جهنم، في ظلمات الجهل إقامته وبين مردة الشياطين راحته!!.

وعلى النقيض.. ما ضرَّ من عمت عيناه واستنار قلبه بنور الإيمان، أما بلغك خبر حبر الأمة وبحرها عبد الله بن عباس رضي الله عنه حين قال بعد فقد بصره:

إن يأخذ الله من عينيَّ نورهمـا        ففي لساني وسمعي منهما نـور‏

ناداني أبي يومًا فتأخَّرت عليه، فغضب عليَّ ولم يكلِّمني ثلاثة أيام.

 وكم مرة ناديتنا ربنا لهداك، فأجبنا غيرك وعصيناك، ومع هذا ما هجرتنا ولا عاديتنا، واستمر فيض جودك رغم جرمنا وإساءاتنا، فيا خجلة الفؤاد انطقي.. ويا حمرة الخجل أطلي!! ويا قلب أخبرني: متى تتعلم فن الاعتذار وتسكب دمعة الانكسار؟!.

أهكذا تصنعين مع ربك؟!.

في عملي.. وضع لي السيد المدير أهدافًا شاقة تتحدى أهداف العام الماضي، وألزمني بها، وكان عليَّ أن أستجمع قواي الكامنة، وأحطِّم ما وُضِع لي، بل وأتجاوزه في إطار التنافس المحموم بيني وبين زملائي؛ طمعًا في الترقية القادمة، وفارق الراتب المنتظر، وهذا شأنهم كل عام.. كلما حطمت هدفًا أغروني بآخر، وكلما حُزت ترقية عُرِضت عليَّ أخرى، في متوالية لا تنتهي وطموح غير متناهٍ، وفي لحظة محاسبة نادرة وعند صفاء نفس.. سألتها: بالله.. أهكذا تصنعين مع ربك؟!.

هل لكِ أهداف أخروية توازي الدنيوية؟! هل كلما ارتقيت إلى درجة عند ربك طمعت في أعلى منها؟! هل كل طموحاتك من الأرض وإلى الأرض أم أن منها سماويًّا؟! أكدحًا للدنيا كدحًا!! أسعيًا للحطام الزائل فحسب!! لو جعلت عُشر ذلك للآخرة لعبرت الصراط وسكنتِ الجنة منذ زمن!!.

أغضبتُ يومًا زوجتي، فباتت عليَّ غضبى، وبتُّ أنا على أشواك الأرق والسهاد أتقلَّب، ولم أسترح ويرجع لي صفاء بالي حتى اصطلحنا، والثمن الذي قدَّمته: هدية جميلة واعتذار رقيق طوى صفحة الشقاق ومحى ألم الفراق، فلماذا لم يكن هذا حالي مع ربي؟!.

فتسلل الشيطان ينزغ
تشارك اثنان من إخواني في تجارة، وكانا مثال الحب والوداد، حتى ألمت بهما ضائقة، فتسلل الشيطان ينزغ وبقلوبهما يعبث ليُلقي بينهما العداوة والبغضاء، وانتصب ميزان العدل بدلاً من الفضل، وطلبا القسمة بالسوية، فلا تنازل من واحد للآخر عن ذرة جهد أو حفنة مال.

فواعجبًا!! لا أحاسب نفسًا توردني المهالك غدًا إن أنا أهملتها، بينما أتشدد في حساب شريك تجارة على دنيا حلالها حساب وحرامها عقاب؟!.

أسامح نفسي فيما جنت في حقي، ولا أسامح أخي في شيء، لو عفوت عنه فيه لعفا الله عني، ولو سامحته في بعض حقي لسامحني ربي في كل حقه!! إلى متى ترخص عندنا الآخرة؟!

سكنت مسكنًا جديدًا لم أكن أحلم به يومًا، وبعد فترة وجيزة بدأت أعتاد رؤية ما أنعم الله به عليَّ، وفقدت روعة الإحساس بهذا الخير، وسرعان ما بدأت نفسي تتطلع إلى مسكن أفضل، وهكذا أنا.. لا أقنع بشيء من الدنيا حتى أرجو غيره، ولا أحصِّل أملاً حتى أحلم بأفضل منه، فلماذا لم أتطلع للأغلى والأعظم؟! ولمَ لم أبذل جهدي الأكبر ووقتي الأثمن للمسكن الأروع والمستقر الأدوم؟! مع أنه لا يُملُّ على مدار الأعوام، ولا يُطمح في غيره مهما دارت عجلة الزمان: الجنة وهل أغلى؟!.

ما أسعد من مشى خفيفًا دون أحمال، والأسعد منه من مشى نقيًّا دون أوزار!!.

كيف؟! سهلة يسيرة: كلما حملت ذنبًا أسقطته عن كاهلي بعزمة فتية وتوبة فورية ، كلما أسأتُ أحسنت.. كلما سقطتُ علوت.. كلما أدبرت أقبلت، راحة القلب أهم من راحة الجسد يا خادم الجسد!!.

حالي يدل على شدة جهلي، فالقول قول مصدِّق والفعل فعل مكذِّب، وكأني ما قرأت يومًا: "ألم يعلم بأن الله يرى".. ولا مررت أثناء تلاوتي بقوله سبحانه: "يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ" (النساء: من الآية 108).. ازدواجية عجيبة.. تناقض ما له مثيل.. علم وجهالة.. إيمان ونكران.. حال عكس مقال.. كل هذا في يوم واحد.. وفي شخص واحد.

 لو تأملت أمري لأدركت أنَّ من استحيا من غيره ولم يستحِ من نفسه فنفسه أخس عنده من غيره، ومن استحيا من نفسه ولم يستحِ من ربه فما عرف ربه وما قدره حقَّ قدره، فمتى أعرفك ربي.. متى؟!.

نفد راتبي قبل نهاية الشهر، فأصابني القلق والاضطراب، وبذلت قصارى جهدي لأدبِّر المال اللازم لنفقة العيال وإدارة شؤون البيت، ولم أشعر بالأمان إلا بعد أن حصلت عليه بعد مشقة وكبد، وحاصرني السؤال: وماذا عن رصيدي الآخر؟! ماذا إذا لم يكن هناك ما يكفيني لمعيشتي الأطول ورقدتي الأوحش.

هناك.. في الغرفة المظلمة، كيف لا أشعر باضطراب لقلة الزاد وطول السفر؟! كيف لا يداهمني قلق وأنا أبدِّد رصيدي- على قلته- يمنة ويسرة بنظرة هنا وكلمة هناك؟! متى أطمئن قلبي بتدبير ما أحتاجه قبل فوات الأوان وخطفة الموت المرتقبة كل لحظة؟! متى أحمل همَّ الأمر الأصعب والمصير الأهم؟! متى.. متى.. متى؟!.

خوفي من الخلق لا يوازيه خوفي من الخالق.. خوف من غضب بشر مع الاستهانة بغضب ربِّ البشر.. يشهد عليَّ فيه تكرُّر الإساءات ونقض العهودات مع التعويل على سابغ الرحمات دون النظر إلى هول العقوبات.

يا قلبي..
كم غرقتَ في بحار جهل..
لو عرفتَ قدره ما عصيته..
لو علمتَ بطشه ما خالفت أمره..
لو رأيتَ شدة العذاب ما استسغت طول الغياب..
لو عاينتَ صنعه بالعصاة والمجرمين لاستقمت على الطريق دون عون من رفيق.
لو.. لو.. لو.. وما تنفعك "لو" بعد هجوم الموت ونزول القبر!.

19‏/06‏/2011

قصيدة ( كنا جبالا ) ..... رائعة الشاعر / محمد إقبال



قصيدة ( كنا جبالا ) ..... رائعة الشاعر / محمد إقبال
من ذا الذي رفع السيوف****** ليرفع اسمك فوق هامات النجوم منارا

كنا جبالا في الجبال وربما سرنا******علـى مـوج البحـار بحـارا

بمعابد الإفرنـج كـان أذاننـا******قبل الكتائب يفتـح الأمصـارا

لم تنس أفريقيا ولا صحراؤهـا******سجداتنا والأرض تقذف نـارا

وكأن ظل السيف ظـل حديقـة****خضراء تنبت حولنا الأزهـار

لـم نخـش طاغوتـا يحاربنـا****ولو نصب المنايا حولنا أسوارا

ندعو جهارا لا إله سوى الـذي****صنع الوجود وقـدر الأقـدارا

ورؤسنا يـارب فـوق اكفنـا****نرجوا ثوابك مغنمـا وجـوارا

كنا نري الأصنام مـن ذهـب****فنهدمهـا ونهـدم فوقهاالكفـارا

لو كان غير المسلمين لحازهـا****كنزا وصاغ الحلي والد ينـارا

ومن الألى ِِِِحملوا بعزم أكفهم **** باب المدينة يوم غزوة خيبرا

أم من رمى نار المجوس فأطفئت **** وأبان وجه الحق أبلج نيرا

ومن الذي بذل الحياة رخيصة ****ورأى رضاك أعز شئ فاشترى

نحن الذين إذا دعوا لصلاتهم****والحرب تسقي الأرض جاما أحمرا

جعلوا الوجوه إلى الحجاز وكبروا ***في مسمع الروح الأمين فكبرا

ما بال أغصان الصنوبر قد نأت*******عنها قماريها بكل مكان

وتعرت الأشجار من حلل الربى*******وطيورها فرت إلى الوديان

يارب إلا بلبلا لم ينتظر****** وحي الربيع ولا صبا نيسان

ألحانه بحر جرى متلاطما******* فكأنه الحاكي عن الطوفان


يا ليت قومي يسمعون شكاية*****هي في ضميري صرخة الوجدان

اسمعهموا يارب ما ألهمتني ****وأعد إليهم يقظة الإيمان

أنا أعجمي الدن لكن خمرتي*******صنع الحجاز وكرمها الفينان

إن كان لي نغم الهنود ولحنهم******لكن هذا الصوت من عدنان

مصر تتحدث عن نفسها



قصيدة " مصر تتحدث عن نفسها " حافظ إبراهيم   


                     

  وقف الخلق ينظرون جميعا ·

كيف ابنى قواعد المجد وحدى·

وبناة الاهرام فى سالف الدهر.

كفونى الكلام عند التحدى·

انا تاج العلاء فى مفرق الشرق ·

ودراته فرائد عقدى·

اى شئ فى الغرب قد بهر الناس ·

جمالا ولم يكن منه عندى·

فترابى تبر ونهرى فرات ·

وسمائى مصقولة كالفرند·

اينما سرت جدول كرم ·

عند زهر مدنر عند رند·

ورجالى لو انصفوهم لسادوا ·

من كهول ملء العيون ومرد·

لو اصابوا لهم مجالا لابدوا ·

معجزات الذكاء فى كل قصد.

انا ان قدر الاله مماتى ·

لاترى الشرق يرفع الراس بعدى·

ما رمانى رام و راح سليما ·

من قديم عناية الله جندى·

كم بغت دولة على وجارت ·

ثم زالت وتلك عقبى التعدى·

قل لمن انكروا مفاخر قومى ·

مثل ما انكروا ماثر ولدى·

هل وفقتم بقمة الهرم الاكبر؟ ·

يوما فرايتم بعض جهدى ؟·

استبينوا قصد السبيل وجدوا ·

فالمعالى مخطوبة للمجد؟

قصيدة تصف مصر قبل الثورة


قصيدة تصف مصر قبل الثورة 
......................
مازلتُ أقرأُ في العيونِ الحائرةْ ..
نفسَ السؤالْ
القلبُ مُنكسرٌ ،
والصوتُ غاضِبْ ,
والحالُ نفسُ الحالْ
مازالَ يَقتُلُني السؤالْ ...
*****
فسُئلتُ عن مِصرٍ ..
لِمَ يُمعِنُ السفهاءُ في إذلالِها ؟
لِمَ جرَّدوها الآنَ من كلِّ المناصبْ ؟
صدرَ القرارُ بعزلِها
وهناكَ أكثرُ مِن مُحاولةِ اغتيالْ
فمن الذينَ تآمروا في قتلِها ؟
وسُئلتُ عن مصرَ العظيمةِ ،
والكبيرةِ ،
والأميرةِ ..
كيفَ باعتْ نفسَها ؟
فأجبتُهم :
مِن يأسِها
*****
وسُئلتُ عن مصرَ الفتيَّةِ ،
والغنيَّةِ ، والأبيَّةِ ..
كيفَ تَمسحُ في بلاطِ الأمريكانْ
أو كيفَ صارتْ بَهلوانْ
صِرنا نُقدِّمُ للزناةِ الغاصبينْ ..
أطواقَ وردٍ
كي نُعبِّرَ عن عظيمِ الشكرِ
في زمنِ الهوانْ
*****
وسُئلتُ عن مصرَ المعاركْ
مصرَ التي في صوتِها وقعُ السنابكْ
مصرَ الحرونةِ مثلَ مُهرٍ جامحٍ
مصرَ العنيدةِ حينَ ترفضُ ،
والكبيرةِ إن تُشاركْ
فأجبتهم :
مصرُ التي في خاطري
ولَّتْ وراحتْ مِن زمنْ ..
وسَطَ المهالكْ
وأمامَكم مصرُ الجديدةُ
هاهنا شعبُ القبيلةِ راكعٌ
والشيخُ بارِكْ
*****
وسُئلتُ عن مصرَ الفسادْ
مصرَ التي ..
باعتْ سيوفَ القادسيةِ ، والجيادْ
مصرَ التي قد حَضَّرتْ كلَّ العتادْ
وتفرَّغتْ من يومِها ..
للقمعِ ،
أو جلبِ المصائبِ للعبادْ
مصرَ التي باعتْ ببخسٍ دورَها
كي يتركوها للحيادْ
والناسُ تَعجبُ
والتعجُّبُ حسرةٌ
للآنَ تعتصرُ الفؤادْ
الآنَ صرنا بينَ بينْ
لا نحنُ مصرُ
ولا غَدونا غيرَها
صِرنا مُسُوخًا
مثلما الباغي أرادْ
ويُلقبوننا بالخوارجِ
إن خرجْنا ..
عن تقاليدِ الفسادْ
يا سيدي السلطانْ
شعبٌ بحُكمِكَ قد كفرْ
والكفرُ زادْ
إن كانَ بعدَ الكفرِ ذنبٌ
قُلْ لي عليهِ لأفعلَهْ
حتى تَحُلَّ عن العبادْ
*****
وسُئلتُ عن مصرَ الدساتيرِ التي ..
لا تُحتَرَمْ
فأجبتُهم :
كلُّ الذي يُروَى دجَلْ
عن إيِّ دسـتورٍ تُحدِّثُني إذن ؟
الآنَ أصبحَ كلُّ شيءٍ مُحتملْ
هم يَصنعونَ لنا القوانينَ التي ..
فيها تُباحُ دماؤُنا
ومِنَ البجاحةِ يُقسِمونَ بلا خَجَلْ :
هذا أرادَهُ شعبُنا
ما بينَ قانونِ الطوارئِ ، والمساوئِ ، والتواطُؤْ ..
سجَنوا القتيلَ لكي يُكافأَ مَن قَتَلْ
هذا الوطنْ
جسدٌ مليءٌ بالعِلَلْ
وطنٌ مليءٌ بالزللْ
هو ربعُ قرنٍ أو يزيدْ
صارتْ بلادي كلُّها زِنزانةً ،
والشعبُ أصبحَ مُعتقَلْ
المُرَّ نَشربُ في الصباحِ وفي المساءْ
والسوطُ في دمِنا مِرارًا يَغتَسِلْ
والظلمُ يجلسُ فوقَ هذا العرشِ يَزهو
والمواشي تَمتثِلْ
حِملٌ ثقيلٌ كالجبلْ
والناسُ تَصرُخُ : لا أمَلْ
هذا الرجُلْ ..
ماذا فعَلْ ؟
يومًا تركْناهُ ونِمنا في العسلْ
فإذا بهِ اغتصبَ الجميعَ
وما تَوارَى أو رَحَلْ
وإذا بحزبِ الأغلبيَّةِ يُعلنونَ على الملأْ ،
ويُصفِّقونَ ، ويَهتِفونْ :
اللهُ أكبرُ قد فَعَلْ
مرَّتْ عصورُ "اللاتِ" و"العُزَّى" بِنا
لكنَّ أَسودَ مِن عصورِكَ ..
ما رأينا يا "هُبَلْ"
لا تَستريحُ ولا تُريحُ ، ولا تَحيضُ ولا تَبيضُ
وكلُّ أيَّامِكْ ..
"زُحَلْ"
وطنٌ تَعطَّلَ كلُّ ما فيهِ
وأصبحَ مِهرَجانًا للفسادِ وللخَللْ
وطنٌ ويجلسٌ في انتِظارِ المعجِزاتْ
ولَّى زمانُ المعجزاتِ فما العملْ ؟
*****
وسُئلتُ : هل يأتي "جمالْ" ؟
فأجبتُهم : هذا احتمالْ
وسُئلتُ : هل سيُورِّثونْ ؟
فأجبتُهم
هم وَرَّثوها يا بِغالْ
ومتى سترجِعُ مصرُنا
يومًا إلينا ؟
فأجبتُهم :
حتى نُفاجأَ لحظةً
بزوالِ هذا الاحتلالْ
وسُئلتُ في همٍّ ، وكَربٍ ، وانفِعالْ :
وبأيِّ حقٍ سوفَ يحكُمُنا جمالْ ؟
فأجبتُهم : يا للغباوةِ في السؤالْ
فبأيِّ حقٍّ كانَ يحكُمُنا مُباركْ ..
حتى نلومَ على جمالْ ؟
أنتم شعوبٌ مُستباحةْ
تاريخُكمْ كانَ احتلالاً
في احتلالٍ .. في احتِلالْ
*****
وسُئلتُ عن مصرَ الهرمْ
مصرَ المهابةِ والقيادةِ والهِممْ
مصرَ الصبوحةِ مثلَ طفلٍ يبتسمْ
مصرَ الطليقةِ مثلَ سَيلٍ يَحتدِمْ
مصرَ الأنيقةِ والرقيقةِ والمليئةِ بالنِّعَمْ
كيفَ ارتضينا حالَها ؟
صارتْ عدَمْ ،
شعبًا كقُطعانِ الغنمْ
والذئبُ يجلسُ في نَهَمْ
مُتحفِّزًا للقنصِ من حُمْرِ النَّعَمْ
مصرَ التي صارتْ ألمْ ،
صارتْ ندمْ
سرقوا أساورَها ؟ نعمْ
قطعوا جدائلَها ؟ نعمْ
نهبوا مكاحلَها ؟ نعمْ
نزعوا الأظافرَ ، والخواتمَ ، والقلادةَ ، والقلمْ
سرقوا اللباسَ الخارجيْ ،
والداخليْ
تركوها عاريةً
وفرَّ "المعتصِمْ"
عَرضُوها في سوقِ النِّخاسةِ
ثم بِيعَتْ للكلابِ ، وللرِّمَمْ
مصرَ التي كانتْ كأروعِ ملحمةْ
هو رُبعُ قرنٍ
ثمَّ أصبحْنا خدَمْ
في الصبحِ ضربٌ بالسياطِ
وفي المساءِ هناكَ ضربٌ بالجِزَمْ
والكلُّ فينا مُتَّهَمْ
ويُدانُ إن يَنْفِ التُّهَمْ
ويُصنِّفوننا عندَهمْ
شعبًا عبيطًا مُحترمْ
والسيدُ السلطانُ يجلسُ يبتسمْ
فلتسألوهُ : هل التَزمْ ؟
حلفَ القسمْ ؟
كانَ القسمْ ..
عنَّا يَزودُ ، وأن يَقودَ ، وأن يَجودْ ،
بالقسطِ يحكمُ إن حَكَمْ
ليظلَّ خفَّاقًا لنا هذا العَلمْ
يا سادتي واللهُ أعلمُ ربَّما ..
كانَ القسمْ :
( واللهِ منكم يا كلابُ سانتقِمْ )
وقد انتقَمْ
*****
وسُئلتُ عن مصرَ السلامْ
فأجبتُهمْ :
أينَ السلامْ ؟
مصرُ التي قد كانَ يومًا
نصفُها أيتامْ
مَن قالَ عن هذا سلامْ ؟
هل كلُّ غُصــنٍ تحتَهُ باضَ الحمامْ ،
واثنينِ يومًا وقَّعا ..
مُسودَّةً بالحبرِ والدمِّ الحرامْ ..
فنعيشُ ننعمُ بالوئامْ ؟
مَن قالَ إني قد نسيتُ للحظةٍ
شهداءَنا ؟
من قالَ إني قد نسيتُ دماءَهمْ ،
أو دَفنَهم أحياءْ ؟
أنا ما خرجتُ يا سيدي
عن مِلَّةِ الإسلامْ
شُهداؤُنا ..
أرواحُهم تأتي إلينا في المنامْ ..
وتقُضُّ مَضجَعَنا
فقُلْ لي سيدي
من ذا ينامْ ..
غيرُ الكلابِ المارقينَ الآثمينَ المذنبينْ ..
من معشرِ الحكامْ ؟
في كلِّ مقبرةٍ هنا
مازلتُ أسمعُ صوتَهم
صوتَ الأنينِ من العظامْ
صوتًا يُنادينا ويَصرُخُ دائمًا
فوقَ المقابرِ ، والشواهدِ ، والحُطامْ :
خُذْ يا أخي يومًا بثأري وانتَقِمْ
فإلى متى ستُنَكَّسُ الأعلامْ ؟
عارٌ على شيخِ القبيلةِ
أن يُسلِّمَكم ، حرامْ
فأجبتُهم :
واللهِ مثلي لن ينامْ
دَمٌّ بدَمْ ..
بل ألفُ دَمْ
رأسٌ برأسْ ..
بل ألفُ رأسْ
وستشهدونَ وبيننا الأيامْ
لكنني
فتشتُ عن صقرٍ ،
وعن أسدٍ جَسورٍ لم أجدْ
عزلوا الصقورَ ..
استبدلوها بالحمائمِ واليمامْ
يا حسرتي
مَن ذا يَزودُ عن البلادِ
وكلُّنا ..
صِرنا حمامْ ؟!

17‏/06‏/2011

.. ويبقي الشعر- فاروق جويدة

.. ويبقي الشعر- فاروق جويدة

قـدمــت عمـــرك للأحــلام قـربــانــا
هل خانك الحلم.. أم أنت الذي خانا؟!
كم عشت تجري وراء الحلم في دأب
وتـغــرس الحــب بـيـن النــاس إيمــانــا
كـم عـشت تهـفـو لأوطـان بـلا فــزع
وتـكـــره الـقيـــد مسـجونــا.. وسـجــانـــا
كم عشت تصرخ كالمجنون في وطـن
مـا عــاد يعـــرف غــير المــوت عـنــوانـــا
كم عشت تنبش في الأطلال عن زمـن
صـلـب العــزائــم يحيـي كــل مـا كـانـــا
كـم عـشـت تـرسـم للأطفـال أغنيــة
عـــن أمـــــة شــيـدت للـعــدل مـــيزانـــا
في ساحة المجد ضـوء مـن مآثرهـا
مــن زلـــزل الكـون أركـانــا.. فـأركـانـــا
صانت عهودا.. وثـارت عندما غضبت
وخـير مـن أنجبـت فـي الأرض إنسـانــا
سادت شعوبا.. وكانت كلما انتفضت
هـبــت عليـهــا ريـــاح الـغــدر عــدوانـــا
هانت علي أهلهـا من يوم أن ركعت
للغـاصبــين.. وويـــل المـــرء إن هــانـــا
يجري بنا الحلم فوق الريح.. يحملنا
ويـرســم الكــون فــي العيـنـيـن بسـتـانــا
حتـي إذا ما خبــا.. يـرتــاح فـي ســأم
وفـــوق أشـــلائــــه تـبكـــي خـطـايــانـــا
لا تســأل النهــر.. مــن بالعـجــز كبلــه؟
وكيــف أضحي هـوان العجـز تيجـانــا؟
لا تسأل النــاي.. من بالصمت أسكتـه
وكيف صارت' غناوي' النـاي أحزانـا؟
نـاي حزيـن أنـا.. قـد جئت فـي زمـن
أضحـي الغنــاء بـــه كفـــرا.. وعـصيــانــا
صــوت غـريـب أنــا.. والأفــق مـقــبرة
فـي كـل شــبر تـــري قتـلي.. وأكفــانـــا
هـذا هـو الفـجـر.. كالـقديـس مـرتحـلا
منكـس الـرأس بـيـن النــاس خـزيــانـــا
غنـيت عمـري.. وكــم أطربتكم زمـنــا
وكــم مـــلأت ضـفــاف النيـــل ألـحــانـــا
غنـيـت للحــب.. حتــي صـــار أغـنيــة
فــوق الشـفـاه.. وطــار النيـــل نشــوانـــا
كيـف البـلابـل غـابـت عــن شـواطئــه
وكيــف يحضــن مــاء النيــل غـربــانـــا؟
عار علي النيل.. هل ينساب في وهن
وتصبـح الأســد فـي شـطيـه جــرذانـــا؟
عـار عـلي النيـل يلقـي الكـأس منتشيـا
وكــل طفــل بـــه.. قـــد نـــام ظمــآنـــا!
 

من قصيدة كأن العمر ما كانا سنة2005

قصر واحد للرئيس القادم

هوامش حرة
قصر واحد للرئيس القادم

بقلم: فاروق جويدة
فاروق جويدة
 
 
 

 


كان خطأ تاريخيا جسيما أن تخضع جميع القصور الملكية لرئاسة الجمهورية‏,‏ حيث تحولت مع الوقت والزمن والمسئولين فيها والمشرفين عليها إلي ملكية خاصة كجزء من ممتلكات رئيس الدولة‏..‏
 
 
 
 وهنا اختلطت ملكية المال العام بالملكية الخاصة, فلم تعد هذه القصور بما فيها وما عليها ملكا للشعب ولكنها أصبحت ملكا لرأس الدولة وحاشيته وأبنائه..
أن هذا الخطأ الفادح لم يحدث في أي مكان في العالم.. في كل بلاد الدنيا يوجد مقرا لرئيس الدولة مثل قصر الاليزيه في فرنسا. والبيت الأبيض في أمريكا وقصر ملكة انجلترا' بيكنجهام'..
ولاشك أن هذا الخطأ ينبغي ألا يكون له مكان الآن بعد رحيل الرئيس السابق, ويجب أن تعود هذه القصور إلي الدولة مرة أخري وتتحول إلي متاحف ومزارات للشعب رغم أنه لم يبق فيها من أثار وتحف ومقتنيات إلا القليل..
منذ كتبت في الأسبوع الماضي عن كارثة نهب القصور الملكية والدنيا لم تهدأ,كان لقائي مع المستشار عبد العزيز الجندي وزير العدل.. والمستشار عبد المجيد محمود النائب العام,والمستشار أحمد إدريس رئيس لجنة الجرد التي قررها المجلس العسكري,ووزير العدل السابق المستشار ممدوح مرعي, كان هذا بداية طرح هذه القضية أمام الرأي العام وما تلي ذلك من تطورات وأحداث, حيث قرر وزير العدل إعادة تشكيل لجنة جرد جديدة للقصور الرئاسية وبدأت بالفعل عملها في42 قصرا وهي تضم ممثلين عن القضاء والنيابة العامة.. والأمن القومي والكسب غير المشروع والشرطة العسكرية والمباحث العامة.. وممثلين لوزارة الثقافة ووزارة الآثار ونرجو أن تكشف لنا هذه اللجنة كل الحقائق..
كان السؤال الذي دار في رأسي كثيرا لماذا لم يعلن عن تشكيل هذه اللجنة السابقة حين صدر القرار1701 في23 فبراير الماضي,خاصة أن تشكيل اللجنة في حد ذاته كان يعكس مدي أهميتها.. وبعد ذلك لماذا لم تعلن اللجنة نتائج عمليات الجرد التي قامت بها,خاصة أنها اكتشفت أن هناك مئات الحقائب الخالية والفتارين وصالات العرض والمتاحف الرئيسية في قصر عابدين.. إن الأخطر من ذلك كله ان قصر عابدين بالذات يضم أهم الوثائق السيادية التي تتعلق بالدولة المصرية وتضم الملفات الخاصة بالحدود والمياه الإقليمية والخرائط ومياه النيل والاتفاقيات الدولية,وكان الملك فؤاد قد انشأ مركز الوثائق التاريخية لقصر عابدين الذي يحتوي علي أهم وأخطر الوثائق التاريخية منذ الحكم العثماني وحتي الآن خاصة أن هناك مشاكل حدودية معلقة ربما تحركت يوما بين مصر وجيرانها,ويمكن أن تثور في أي وقت من الأوقات..
إن القضية الآن خاصة ما يتعلق بالمحتويات والمقتنيات أمام اللجنة لتعيد جرد القصور مرة أخري طبقا لقرار وزير العدل..
وهناك مصادر يمكن الرجوع إليها خاصة إذا كانت قوائم المعروضات والمقتنيات قد اختفت بالفعل لإخفاء جرائم السرقات..
< هناك قوائم جرد القصور الملكية بعد ثورة يوليو وقد تمت تحت إشراف المهندس محمود يونس أول رئيس مصري لهيئة قناة السويس,وقد أخبرني السيد سامي شرف مدير مكتب الزعيم الراحل جمال عبد الناصر أن كل قصر من هذه القصور كان يضم قوائم كاملة بكل ما فيه من مقتنيات سواء كانت معروضة أو موجودة في المخازن الملحقة بهذه القصور ويمكن الرجوع إليها..
< في رسالة للمؤرخ ضياء الدين القاضي عضو اتحاد المؤرخين العرب والجمعية المصرية التاريخية أكد أن لديه كتابا يمكن الرجوع إليه صدر باللغة الإنجليزية في مصر عن دار المعارف في15 إبريل عام1954 بعنوان

ويمكن للجنة التي تقوم الآن بجرد القصور الرئاسية أن تعود إلي هذه المصادر لتحديد حجم الاعتداءات التي تمت علي هذه القصور.. هذا بجانب أن هناك مجموعة من الأفلام التسجيلية والوثائقية حول القصور الملكية وما كان فيها من تحف وآثار ومقتنيات ثمينة يمكن الرجوع إليها..
< لقد شهدت القصور الملكية اعتداءات كثيرة وكانت معروضاتها ومجوهراتها دائما مطلوبة للأثرياء العرب,كما أن لوحات هذه القصور قد شهدت عمليات تزوير تاريخية حيث كان يتم تقليد اللوحة ووضعها في القصر وتهريب اللوحة الأصلية.. وهناك أشخاص مسئولون تخصصوا في هذه العملية والمطلوب الآن مراجعة جميع اللوحات الفنية العالمية المعروضة في هذه القصور من خلال لجان فنيه,وسوف نكتشف أن معظم اللوحات مقلدة وأن اللوحات الأصلية قد تم تهريبها لحساب مسئولين في الدولة..
< هناك أيضا بعض البيوت في مصر التي تخصصت في تهريب هذا التراث ابتداء بالوثائق وانتهاء بالمجوهرات والسجاد الثمين.. لقد تم الاستيلاء علي وثائق كثيرة, حيث بيعت لأطراف كثيرة عربية وأجنبية وفيها مخطوطات ووثائق تاريخية مهمة أما المجرهرات فكانت لها أسواقها الرائجة وقد تخصصت بعض البيوت في بيع السجاد الملكي..
والأغرب من ذلك كله قصص تروي عن وسائل تهريب هذه المقتنيات من خلال طرود للأثاث تصنع خصيصا وفيها فراغات تسمح بتهريب هذه المقتنيات دون أن يراها أحد..
< أن أخشي ما أخشاه الآن أن تكون هناك أياد شريرة قد امتدت إلي وثائق عابدين وتضم كل ملفات الدولة المصرية ابتداء بالحدود وانتهاء بقضايا المياه والاتفاقيات الدولية.. إن النسخة الوحيدة من هذه الوثائق توجد الآن في المكتبة المركزية بجامعة القاهرة وأرجو ألا تكون قد ذابت في المياه الجوفية التي تحاصر هذه المكتبة منذ سنوات,كما أن مكتبة عابدين تضم55 ألف كتاب لا احد يعلم عنها شيئا وفيها كتب تراثية نادرة..
إن ملف القصور المنهوبة أمام العدالة الآن وبين يدي المستشار عبد العزيز الجندي وزير العدل والمستشار عبد المجيد محمود النائب العام,وحتي تنتهي التحقيقات ونعرف حجم الكارثة يجب أن نفكر في مجموعة من الإجراءات اللازمة التي أضعها أمام المجلس العسكري بحكم مسئوليته..
أولا: أن تنتهي العلاقة بين رئيس الدولة القادم وحاشيته وتوابعه والقصور الرئاسية تماما,بحيث تتحول جميعها إلي متاحف للشعب في إطار حراسات جادة ومشددة وحماية كاملة وأن تتبع جميعها جهازا إداريا خاصا للإشراف علي هذه القصور.. إن البعض قد يري تبعيتها لوزارة الآثار أو الثقافة ولكنني أخاف عليها من أمراض عتيقة في الوزارتين وكلنا يعرفها لأن هذه القصور تحتاج إلي إدارة خاصة لا تحمل خطايا النظام السابق وأن يخصص عائدها المالي لتجديدها وتطويرها والمحافظة عليها..
< أن يخصص أحد القصور الملكية ليكون قصرا رئاسيا لرئيس الدولة, بحيث يقضي فيه مدة حكمة ويرحل عنه ليتسلمه رئيس جديد قادم,أما أن يتجول بين17 قصرا ويعبث فيها كما يريد فهذا أمر لا يحدث إلا في مصر.. بجانب تخصيص قصران أو ثلاثة لضيوف مصر في المناسبات المختلفة.
< أن تتم بجانب عمليات الجرد التي تقوم بها اللجنة القضائية مراجعة مقتنيات القصور,خاصة الأشياء القابلة للتقليد ومنها اللوحات العالمية والتابلوهات والمجوهرات التي تم تهريبها واستبدالها بأشياء مزيفة.. وفي مصر فنانون وخبراء علي درجة عالية من الكفاءة يمكن أن يكشفوا لنا الأشياء المزيفة والأشياء الحقيقية..
< أن يقام مقر دائم للوثائق السيادية التي تخص الدولة المصرية,وأن يتبع جهاز الأمن القومي المصري أو وزارة الخارجية حتي تتوافر له كل وسائل الحماية, وفي هذه الحالة يمكن جمع الوثائق المهمة المبعثرة في أكثر من مكان ما بين مكتبة جامعة القاهرة ودار الوثائق ومركز عابدين ومؤسسة الرئاسة بحيث تخضع هذه الوثائق للحماية الكاملة ويتم استخدام وسائل التكنولوجيا الحديثة في تصويرها وأرشفتها وتجديدها واستكمال ما ضاع منها..
إننا نعلم أن هناك وثائق كثيرة ضاعت في أكثر من مكان ومن أسوأ شواهدها حرائق وزارة الري.. وقصر عابدين.. وقصر الجوهرة ودار الأوبرا وغيرها- وفي كل هذه الأماكن كانت توجد مقتنيات وآثار ووثائق تاريخية من الأوراق والصور والمخطوطات والمقتنيات التاريخية, ومازلنا نذكر كيف تمت سرقة ديسكات ووثائق قسم الجغرافيا بكلية الأداب بجامعة القاهرة منذ سنوات بكل ما فيه من الخرائط عن الثروات الطبيعية في مصر من البترول والمواد الخام والمياه الجوفية والصحاري والأراضي الزراعية,ولم نعرف حتي الآن من سرق هذه الوثائق..
نحن الآن في انتظار نتائج التحقيقات التي تقوم بها اللجنة في تشكيلها الجديد, وان كنت أناشد كل من عرف شيئا عن هذه المقتنيات التي سرقت من قصور مصر ابتداء بالسائق الذي حمل منها شيئا وانتهاء بالسعاة وصغار الموظفين ورجال الأمن الذين شاهدوا هذه الجريمة.. أرجو من هؤلاء جميعا أن يتقدموا بشهادتهم للجنة التحقيق,وأناشد المجتمع المدني الذي أغرق نفسه وأغرقنا معه في معارك العلمانيين والسلفيين والمتدينين والحزب الوطني والإخوان ان يلتفت إلي مثل هذه الجرائم التي استباحت تاريخ الوطن وذاكرة الأمة..
وقبل هذا فإنني أطالب وزير العدل بأن ترسل اللجنة القضائية صورا من مقتنيات القصور الملكية إلي قاعات المزادات العالمية في العواصم الكبري حتي لا يفلت اللصوص بما نهبوا..
كل ما يريده الشعب المصري الآن أن يعرف حقيقة ما بقي له من التاريخ بعد أن انتهكت عصابة الحكم السابق تراثه وتاريخه علي يد من لا يدركون قيمة تاريخ الأوطان وهو الثروة الحقيقية للشعوب..
 
Ex.RoyalPalacesinEgypt' قصور مصر الملكية' أصدره الصاغ محمود الجوهري المسئول عن لجان جرد القصور الملكية بعد ثورة يوليو وهو مدعم بالمعلومات والصور النادرة عن تفاصيل ومحتويات القصور الملكية وعددها في هذا الكتاب17 قصرا بكل ما فيها من مقتنيات وهي قصر عابدين وما به من المكتبات والوثائق والمتحف الحربي الخاص بالمركبات والسيارات الملكية وقصر المنتزه وقصر رأس التين, وقصر القبة حيث الكنوز والثروة,وقصر الطاهرة, وقصر أدفينا,وقصر الإسماعيلية,وقصر شبرا,وقصر الجوهرة,وقصر المعمورة,والرست هاوس الملكية,والرست هاوس الأهرام,وركن الملك فاروق بحلوان ورست رأس الحكمة..