بسم الله الرحمن الرحيم . إذا أردت أن تحفظ القرآن وتحصل على سند ، ما عليك سوى الاتصال بنا . كما يمكنك الحفظ معنا عبر الإنترنت
إذا أردت دراسة أحد علوم اللغة أو أحد المواد الشرعية فقط راسلني .::. إذا أردت إعداد بحث لغوي أو شرعي فنحن نساعدك بإذن الله

language اللغة

English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

اذكر الله

14‏/08‏/2011

الصيام يتحدى أمراض العصر

الصيام يتحدى أمراض العصر 

الصيام يتحدى أمراض العصرأظهرت دراسات وأبحاث غربية عديدة أهمية الصوم المتقطع، المشابه لمبدأ الصيام عند المسلمين، بالنسبة للصحة عمومًا ولدوره في محاربة الأمراض المزمنة وأورام السرطان.

وعلى الرغم من محدودية أعداد الدراسات والبحوث التي تناولت آثار صيام رمضان، بشكل خاص على صحة الفرد من وجهة نظر مختصين، فإن العديد من الدراسات الغربية أشادت بنظام الصيام المتقطع، الذي يمتنع فيه الفرد عن الطعام والشراب لعدد من الساعات، ليعقبها بعد ذلك فترة يسمح فيها بتناول الطعام بحرية.

وفي هذا السياق نشرت "الدورية الأمريكية لعلم التغذية السريري" الصادرة عن الجمعية الأمريكية للتغذية، مقالاً علميًّا استعرضت فيه نتائج تجارب أجريت على الثدييات والبشر، وكشفت عن دور الصوم المتقطع في خفض مخاطر الإصابة ببعض الأمراض المزمنة كداء السكري، وأمراض القلب والشرايين.

وتبين أن الصوم المتقطع ساعد على زيادة استجابة خلايا الجسم لهرمون الأنسولين، وعمل على تحفيز التقاط الخلايا لجزئيات الأنسولين، وهو ما يدعم نتائج دراسات سابقة أكدت أن هذا النوع من الصيام يزيد من حساسية الجسم لهرمون الأنسولين، ما قد يسهم في التقليل من مخاطر الإصابة بداء السكري.

كما أشارت دراسة نشرت بدورية الجمعية الأمريكية لعلوم الحيوان إلى أن الصوم المتقطع أدى إلى زيادة فعالية اثنين من مستقبلات هرمون "الأديبونيسيتين" الذي يسهم في تنظيم استهلاك الجسم لسكر الجلوكوز واستقلاب الأحماض الدهنية عند الثدييات، إضافة إلى لعب دورٍ في زيادة استجابة الأنسجة لهرمون الأنسولين، الذي ينظم عمليات البناء والهدم للجلوكوز في الجسم.

وفي السياق نفسه، كشفت دراسة أعدها مختصون في مجال التغذية، ونشرتها الدورية البريطانية للتغذية، والتي استهدفت مجموعة من الصائمين في شهر رمضان، عن أن تغيير مواقيت الوجبات، وخفض عددها إلى اثنتين برمضان، ساعد على زيادة استجابة الجسم لهرمون الإنسولين، وذلك بالنسبة للأفراد الذين يمتلكون عوامل الإصابة بداء السكري.

أما فيما يختص بالصحة القلبية فأبرزت البحوث الطبية ارتباط الصيام المتقطع، بعوامل الوقاية من أمراض القلب والشرايين، حيث كشفت دراسات عن دور الصوم المتقطع، في زيادة تركيز الكولسترول الحميد (HDL) عند الأشخاص الأصحاء، وخفض مستوى الدهنيات الثلاثية التي ترتبط بزيادة مخاطر الإصابة بأمراض القلب والشرايين، الأمر الذي أرجعه المختصون لانخفاض كتلة الجسم، وتراجع كميات الدهون فيه نتيجة للصيام.

الأورام السرطانية

وأكدت البحوث دور الصيام المتقطع في زيادة مقاومة الجسم للخلايا السرطانية، مبرزة ارتباط هذا النظام من الصيام، بانخفاض معدل ظهور بعض الأورام، ومنها أورام الجهاز المناعي المعروفة بالليمفوما.

وأظهرت دراسة أعدها باحثون بجامعة جرونوبل الفرنسية دور الصيام المتقطع في خفض معدل حدوث بعض الأورام الليمفاوية إلى الصفر تقريبًا، بحسب تجارب أجريت على الثدييات.

كما أظهرت دراسات أخرى أن الصوم المتقطع يرفع من معدل النجاة بين الأفراد، ممن يعانون من إصابات في نسيج الكبد، والتي تمتلك قابلية للتحول إلى أورام في المستقبل.

أشباح الخرف

ولا تقتصر فوائد الصوم على محاربة الأمراض المزمنة، بل تتعدى ذلك إلى إبطاء زحف الشيخوخة على خلايا الدماغ، حيث أظهرت دراسات علمية دور الصوم المتقطع، في تأخير هرم الخلايا الدماغية، ومساهمته في إبطاء نشوء مرض الزهايمر.

وفي هذا السياق، كشفت دراسة أجراها المركز القومي لبحوث الشيخوخة في الولايات المتحدة الأمريكية، عن تأثير محتمل للصوم المتقطع، وبعض الحميات التي تنخفض فيها السعرات الحرارية إلى النصف تقريبا، في تأخير هرم الأنسجة الدماغية.

المصدر: شبكة الألوكة، نقلاً عن الجزيرة نت.

12‏/08‏/2011

أسرار الإفطار على التمر


د. حسان شمسي باشا
الإفطار على التمرالتمر فاكهة مباركة أوصانا بها رسول الله  أن نبدأ بها فطورنا في رمضان؛ فعن سلمان بن عامر -رضي الله عنه- أن رسول الله  قال: "إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر؛ فإنه بركة، فإن لم يجد تمرًا فالماء، فإنه طهور"[1].

وعن أنس رضي الله عنه أن "النبي  كان يفطر قبل أن يصلي على رطبات، فإن لم تكن رطبات فتُمَيرات، فإن لم تكن تميرات حسا حسوات من الماء"[2].

ولا شك أن وراء هذه السنة النبوية المطهرة إرشادًا طبيًّا وفوائد صحية وحكمًا عظيمة؛ فقد اختار رسول الله  هذه الأطعمة دون سواها لفوائدها الصحية الجمة، وليس لتوافرها في بيئته الصحراوية فقط.

فعندما يبدأ الصائم في تناول إفطاره تتنبه الأجهزة، ويبدأ الجهاز الهضمي في عمله، وخصوصًا المعدة التي تريد التلطف بها، ومحاولة إيقاظها باللين. والصائم في تلك الحال بحاجة إلى مصدر سكري سريع، يدفع عنه الجوع، مثلما يكون في حاجة إلى الماء.

وأسرع المواد الغذائية التي يمكن امتصاصها ووصولها إلى الدم هي المواد السكرية، وخاصة تلك التي تحتوي على السكريات الأحادية أو الثنائية (الجلوكوز أو السكروز)؛ لأن الجسم يستطيع امتصاصها بسهولة وسرعة خلال دقائق معدودة، ولا سيما إذا كانت المعدة والأمعاء خالية، كما هي عليه الحال في الصائم.

ولو بحثت عن أفضل ما يحقق هذين الهدفين معًا (القضاء على الجوع والعطش)، فلن تجد أفضل من السُّنَّة المطهرة، حينما تحث الصائمينعلى أن يفتتحوا إفطارهم بمادة سكرية حلوى غنية بالماء مثل الرطب، أو منقوع التمر في الماء.

وقد أظهرت التحاليل الكيميائية والبيولوجية أن الجزء المأكول من التمر يساوي 85- 87% من وزنه، وأنه يحتوي على 20- 24% ماء، 70- 75% سكريات، 2- 3% بروتين، 8.5% ألياف، وأثر زهيد جدًّا من المواد الدهنيَّة.

كما أثبتت التحاليل أيضًا أن الرطب يحتوي على 65- 70 % ماء، وذلك من وزنه الصافي، 24- 58% مواد سكرية، 2.1- 2% بروتين، 5.2% ألياف، وأثر زهيد من المواد الدهنية.

وكان من أهم نتائج التجارب الكيميائية والفسيولوجية -كما يذكر الدكتور أحمد عبد الرءوف هشام، والدكتور علي أحمد الشحات- النتائج التالية:

1- إن تناول الرطب أو التمر عند بدء الإفطار يزود الجسم بنسبة كبيرة من المواد السكرية، فتزول أعراض نقص السكر وينشط الجسم.

2- إن خلو المعدة والأمعاء من الطعام يجعلهما قادرين على امتصاص هذه المواد السكرية البسيطة بسرعة كبيرة.

3- إن احتواء التمر والرطب على المواد السكرية في صورة كيميائية بسيطة يجعل عملية هضمها سهلة جدًّا؛ فإن ثلثي المادة السكرية الموجودة في التمر تكون على صورة كيميائية بسيطة. وهكذا يرتفع مستوى سكر الدم في وقت وجيز.

4- إن وجود التمر منقوعًا بالماء، واحتواء الرطب على نسبة مرتفعة من الماء (65- 70%) يزود الجسم بنسبة لا بأس بها من الماء، فلا يحتاج لشرب كمية كبيرة من الماء عند الإفطار.

صراع المشاريع في غياب المشروع السني

صراع المشاريع في غياب المشروع السني

د. علي الصلابي
صراع المشاريع في غياب المشروع السنيإن الصراعات والمعارك التي خاضتها البشرية منذ القدم وحتى يومنا هذا إنما هي صراع مشاريع وأفكار، ولم يكن المشروع الإسلامي في حال من الأحوال بدعة منها؛ فمنذ تكليف النبي محمد بالرسالة وهناك صراع واضح وعلني ما بين مشروع يقوده النبي ومشروع آخر قائم هو ما كان يقوده الملأ من مشركي قريش، لكن بعد فتح مكة ودخول جزيرة العرب في الإسلام بات الصراع والتصادم مع المشروعيْن الفارسي والروماني في بداية ظهوره، وحقق المشروع الإسلامي انتصارات عليهما وتوسع على حسابهما، ثم -وبعد فترة من الزمن وخلال الحروب الصليبية- تصادم المشروع السني مع مشروعَيْن كبيرين حتى انتهت بانتصار المشروع السني.

أولاً: المشروع الشيعي الإسماعيلي

تزعمت هذا المشروع الدولة العبيدية الفاطمية التي هيمنت على الشمال الإفريقي ومصر وبلاد الشام، واستطاعت أن تخترق العراق بأفكارها وتعاليمها وعقائدها، وتصدى لهذا المشروع الدولة السلجوقية الوليدة صاحبة المشروع السني حينها، وكان من أبرز قادة هذا المشروع والمنظِّرين له الوزير السلجوقي نظام الملك، الذي أدار الصراع مع المشروع الفاطمي الإسماعيلية برؤية استراتيجية بعيدة المدى، من خلال إنشاء المدارس النظامية التي أصبحت مركزًا حضاريًّا وثقافيًّا، استطاعت حينها أن تكون رأس الحربة لمقاومة المشروع الشيعي بتزويدها الجهاز الحكومي السلجوقي بأعداد مؤهَّلة من القضاة والعلماء ورجال الحسبة، وانتشر هؤلاء في العالم الإسلامي حاملين الرسالة التي مدتهم بها المدارس النظامية، حتى اخترقوا حدود الدولة العبيدية الفاطمية في شمال إفريقيا ومصر، ودعموا الوجود السني بها.

وقد ساهمت هذه المدارس في إعادة الدور التاريخي للأمة، وتقليص نفوذ الفكر الشيعي الإسماعيلي الفاطمي. كما مهدت هذه المدارس لخروج قادة عسكريين من أمثال نور الدين زنكي وصلاح الدين الأيوبي، وامتد نفوذها إلى العصر المملوكي، ولست أبالغ حين أقول إن نفوذها امتد إلى يومنا هذا.

واستطاعت المدارس النظامية أن تبلور مشروعًا سُنيًّا للدولة السلجوقية، أمد قوتها العسكرية والسياسية بحاجتها من العقائد؛ لتواجه بها المشاريع الأخرى المهيمنة على المنطقة في ذلك الوقت.

وبمشروع المدارس النظامية استطاعت الدولة السلجوقية أن تتغلب على المشروع الشيعي في العراق وبلاد الشام، وأن تعلن عن نفسها على أنها المدافعة عن المشروع السني.

ثانيًا: المشروع الصليبي

في نفس فترة الصراع مع مشروع الدولة الفاطمية كانت شعوب غرب أوربا تتجهز لغزو بلاد الشرق واحتلال بيت المقدس بقيادة البابا أوربان الثاني، الذي نصّب نفسه زعيمًا دينيًّا للشعوب الأوربية؛ فقد قدّم مشروعه الخاص مُعلِنًا أسباب الغزو، وألقى خطابًا في حشد كبير من مؤيديه الذين كان بينهم زعماء وأمراء وإقطاعيون، واستطاع استغلال كل طاقات أوربا وتجهيزها للمعركة القادمة.

غدت المنطقة العربية الإسلامية مسرحًا لصراعات المشاريع الثلاثة المتنافسة التي تقاتلت فيما بينها لمدة مائتي سنة، وخرج المشروع السني منتصرًا من هذه المعارك الشرسة الطويلة، وبرزت أسماء لامعة حملت لواء المشروع السني إلى أقصى حدوده من أمثال الوزير نظام الملك، وأبي حامد الغزالي، والجويني، وعماد الدين زنكي الذي سار باتجاه تعميق الهوية العقائدية السنية، والإحياء الإسلامي الصحيح في نفوس الأمة، والتصدي لشبهات المذهب الشيعي، وإعداد الأمة لمقاومة المشروعيْن الصليبي والمغولي.

والجدير بالذكر أن الأمة لم يتأتَّ لها تحرير بيت المقدس والقضاء على المشروع الصليبي إلا بعد القضاء على المشروع الفاطمي سياسيًّا وعسكريًّا.

خطورة المشروع الشيعي الإيراني

المشروع الشيعيأما إذا نظرنا اليوم إلى ما يحدث في العراق ولبنان من صراع بين المشروعيْن الأمريكي الصهيوني والشيعي الإيراني في ظل غياب المشروع السني، فإن هذا يشكِّل مخاطر حقيقية على الأمة بمجملها وعلى أجيالها القادمة؛ فالمشروع الأول تحرِّكه عقيدة وتدفعه أطماع اقتصادية وسياسية، ويستهدف تغيير عقائد الأمة وإفساد أخلاقها وتفجير شهواتها والقضاء على شريعتها. أما المشروع الإيراني الشيعي فهو عقائدي وسياسي وثقافي واقتصادي أيضًا، كما أنه مشروع استئصالي إقصائي لا يتورع عن سفك الدماء، واغتصاب الأملاك، وتهجير الآمنين، كما يحدث حاليًا في العراق.

إن الدعم الإيراني للكتل الشيعية العراقية المنضوية تحت عباءة المشروع الإيراني على حساب أهل السُّنَّة في العراق، خيرُ دليل على هويَّة المشروع الإيراني القادم، وأخشى ما أخشاه أن يتفق المشروع الإيراني مع المشروع الأمريكي الصهيوني على حساب المشروع السُّني في المنطقة، حينها ستكون الأمة ومقوماتها ووجودها في خطر كبير.
المشروع الصهيوني
لقد قدم الرئيس الإيراني أحمدي نجاد مبادرته للحكومة الأمريكية مؤخرًا لإخراجها من المستنقع العراقي على أساس التعاون فيما بين المشروعيْن على حساب المشروع السني، ولو تحقق هذا فإن أسوأ توقعاتنا ستتحقق معه، وستخوض الأمة صراعًا عسكريًّا قد يمتد لعشرات السنين القادمة.

ومما تجدر الإشارة إليه أن إيران -ومنذ قيام المشروع الشيعي الصفوي فيها- بعيدة عن المشاركة في مشروع الأمة التي كانت تقوده الدولة العثمانية في حينه، بل وقف المشروع الشيعي الصفويّ في وجه المشروع العثماني، وتصارع المشروعان حقبة من الزمن.

إن مقاومة هذه المشاريع يحتاج إلى مشروع نهضويّ قائم على أصول الإسلام الصحيح، مستمدًا فكره من حركة التاريخ، قادرًا على استيعاب طاقات الأمة والاستفادة منها، وتوجيهها نحو التكامل لتحقيق الغايات المنشودة.

إن مشروعًا كهذا لا تحقِّقه دولة واحدة ولكن يتحقق بوجود رؤية مشتركة تتخذها الأمة مرتكزًا لها في صراعها لا تحيد عنه؛ فالمشاريع الحضارية لا تقاوم إلا بمشاريع حضارية، كما أن المشاريع العسكرية لا تجابه إلا بالمشاريع العسكرية، والأمة مُقبِلة على صفحات من التاريخ يصعب قراءتها، ولكنها لا تنبئ بخير قادم.

وحدة الأمة .. الفريضة المنسية . مقال رائع لا يفوتك !

الشيخ أحمد بن عبد الرحمن الصويان
وحدة المسلمينالحمد لله ربِّ العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء وإمام المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

فبعد سقوط الدولة العثمانية كان المشروع الأساسي للاستعمار الغربي هو تمزيق وحدة الأمة الإسلامية، وتقسيمها إلى دويلات متناثرة؛ لتضعف قوَّتها، وتتشتت طاقاتها، وتذهب ريحها، ومن ثَمَّ يسهل احتواؤها والسيطرة عليها.

وفي كل منطقة -تقريبًا- اصطنع الاستعمار بؤرًا حدودية متوترة لاستدعائها وإثارتها، وإذكاء الصراعات السياسية والعسكرية حولها؛ وذلك من أجل أن تُتَّخذ هذه البؤر ذريعة للتدخل في المنطقة متى أرادوا ذلك.

ولكي يضمن الغرب استمرار هذا التمزق والاختلاف، أثار النزعات القومية ليفصل العرب عن عمقهم المعنوي ومحيطهم الإسلامي، ثم زرع النعرات الوطنية؛ ليعزل الدول والشعوب العربية عن بعضها.

ولم يتوقف المشروع الاستعماري عند هذا الحد؛ فالغرب يستثمر الفرص تِلْو الأخرى؛ لتمزيق المقسَّم وإنهاكه بالصراعات الانفصالية التي تستنزف قوَّته ومقدَّراته الاقتصادية والتنموية، وتغلق دونه كل أبواب التحضر والنمو.

وفي العقد الأخير برزت مجموعة من مشاريع التقسيم، ويأتي في مقدمتها ثلاثة مشاريع أساسية:

الأول: مشروع انفصال جنوب السودان؛ تمهيدًا لمزيد من تفتيته وتقسيمه وإضعافه وتشرذمه.

الثاني: مشروع تقسيم العراق إلى ثلاث دويلات طائفية وعرقية، تكون ألعوبة في يد المستعمر، متنافسة على إرضائه.

الثالث: مشروع انفصال جنوب اليمن.

وهناك مشاريع أخرى في السلة الغربية تثار على استحياء بين آونة وأخرى، مثل: مشروع تقسيم الخليج، ومشروع إنشاء دولة قبطية في جنوب مصر، ومشروع انفصال الصحراء المغربية، ومشروع تقسيم دولة باكستان... والسلسلة طويلة يجر بعضها بعضًا.

والعجيب أن كثيرًا من هذه المشاريع عندما تُناقَش في بعض الدوائر السياسية، وفي الإعلام العربي، تُذكَر على أنها قضايا داخلية وشأن محلي لا يُسمَح بتجاوزه، وفي الوقت ذاته يستباح هذا الحمى من الغرب نفسه؛ ليصبح ألعوبة يتطاولون بها على حقوق المسلمين.

إن التفريط في وحدة الأمة وتماسكها نازلة خطيرة تستدعي من أهل الإسلام أن يكونوا على مستوى الحدث، وأن يتخذوا ما أمكن من الحيطة والحذر؛ فقد تواترت النصوص الشرعية الآمرة بالوحدة، الحاضّة على الائتلاف، الناهية عن التفرق والاختلاف، ومن ذلك قول الحق جل وعلا: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ} [الشورى: 13]، وقوله U: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103].

فالله -U- يأمر عِباده بالوحدة، وينهاهم عن التفرق والتنازع، ويوجب عليهم الاعتصام بحبله المتين؛ ليتم بذلك الاجتماع وتتوحد الأمة.

إن جوهر رسالة أمة الإسلام وحدتُها واجتماعُها على تعظيم الخالق وعبادته. يقول I: {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} [المؤمنون: 52]، ويقول سبحانه: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 92].

وقد كان من أول أعمال النبي في المدينة النبوية: تأسيس المجتمع الجديد على المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وإرساء دعائم المحبة والائتلاف بين جميع المسلمين، ونَبْذ كل ألوان العصبية الجاهلية التي تفرق الناس، وتثير نعرات العصبية والاختلاف؛ فآصرة الاجتماع والولاء في المجتمع الإسلامي تقوم على الإيمان بالله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [التوبة: 71].

ولا يتحقق إيمان الإنسان إلا بإعادة تأسيس علاقاته وَفْقَ هذه الركيزة؛ امتثالاً لقول الحق جل وعلا: {لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [المجادلة: ٢٢].

وما أجمل قول القاضي عياض: (والأُلفة إحدى فرائض الدين، وأركان الشريعة، ونظامٌ شملَ الإسلام)[1].

لقد كان المجتمع العربي في الجاهلية مؤسَّسًا على التناصر والتآلف القبلي؛ فالقبيلة هي عصب القوة والعزة عند العرب، فلما جاء الإسلام أقام بنيانًا جديدًا يقوم أساسه على الأخوة في الدين، كما قال I: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات: 10]. وجعل معيار التفاضل بين الناس هو الدين، يقول سبحانه: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13].

وفي فتح مكة خطب النبي الناس، وأعلن للملأ ركيزة تأسيس هذه الأمة، فقال : "يا أيها الناس، إن الله قد أذهب عنكم عُبِّيَّة[2] الجاهلية وتعاظمها بآبائها. الناس رجلين: بَرٌّ تقي كريم على الله، وفاجر شقي هيِّن على الله. والناس بنو آدم، وخلق الله آدم من تراب. قال الله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13]"[3].

وفي حجة الوداع استثمر النبي اجتماع الناس ليعلن بجلاء أساس هذا البنيان واضعًا آخر اللمسات لحياة هذه الأمة المباركة، فقال : "إن ربكم واحد، وأباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأسود على أحمر، ولا أحمر على أسود، إلا بالتقوى"[4].

وعلى الرغم من أن إجراءً كهذا لم يكن تغييرًا سهلاً ولا شكليًّا في المجتمع القبلي؛ إلا أن التربية الربانية التي أسس عليها النبي علائق أصحابه -y- كانت مؤهِّلة لهم للامتثال والانصياع؛ ولو كان تغييرًا جوهريًّا ينتزع عبيَّة الجاهلية وتفاخرَها بأحسابها وأنسابها.

ولهذا امتن الله -U- على عباده بهذه النعمة الجليلة، فقال: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [آل عمران: 103]. ثم حذرهم -I- من التفريط في هذه النعمة، فقال سبحانه: {وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 105].

إن الدعوة إلى الوحدة الإسلامية ليست مشروعًا عاطفيًّا أو أُمنِيَة بعيدة المنال، ضعيفة الأثر، بل هي نداء صادق لتجميع طاقات الأمة، ولمِّ شملها، وتوحيد صفوفها.

لكن مشروعًا كهذا يتضمن أمرين متلازمين:

أحدهما: مواجهة مشاريع الاستعمار والهيمنة التي تستهدف إضعاف الأمة، وتقسيمها وإضعافها، حتى تظل أداة طيِّعة للاستئثار بمقدراتها الاستراتيجية.

والثاني: العودة إلى عوامل القوة الحضارية في الأمة، وعلى رأسها تعزيز وحدة الصف الإسلامي.

لقد حصدت الأمة مرارة التفرق والانقسام، وأصابها الوهَن والعجز، وأصبحت مهيضة الجناح، ومستنزفة تحت مطارق الهيمنة الغربية، ولا يمكن أن تخرج من هوانها وتخلُّفها إلا بالرجوع إلى أصولها العقدية وجذورها التاريخية، وتعضّ عليها بالنواجذ بكل فخر واعتزاز.

وفي هذا الشهر العظيم (ذو الحجة) تتجلى وحدة الحجيج القادمين من أنحاء المعمورة بأجمل صورها، وأعظم معانيها؛ فلباسهم واحد، ونفوسهم تهفو إلى بيت واحد، وأكفُّهم ترتفع خاضعة لرب واحد لا شريك له، وجموعهم تصلي إلى قبلة واحدة، ونُسُكهم يجري وَفْقَ شريعة واحدة، وفي وقت واحد، وهي فرصة لبناء الجسد الواحد؛ امتثالاً لقول النبي المصطفى : "ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى عضوًا تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"[5].

إنها فرصة أن يتداعى العلماء والدعاة والمصلحون للتحذير من لوثات الجاهلية العصبية، ويسعوا إلى تأكيد معاني الأخوة والتعاون على البر والتقوى، وإحياء عوامل الوحدة في الأمة، ورصِّ الصفوف على كلمة التوحيد الجامعة؛ امتثالاً لقول الحق تبارك وتعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153].

المصدر: مجلة البيان.

آليات عملية مقترحة لتوحيد الصف الإسلامي

آليات عملية مقترحة لتوحيد الصف الإسلامي
الوحدة الإسلامية بين المسلمينالحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين. وبعدُ:
فإنَّ المتتبِّع لحال الأُمة الإسلاميَّة عامَّة، وحال مصرنا الحبيبةِ خاصة، ليؤلِمه ما آلَ إليه حالُ المسلمين من التشرذُم والتحزُّب، والفُرقة والاختلاف الذي لَم يَطُل العوام فحسب، بل لقد طالَ أيضًا أبناءَ الصحوة الإسلاميَّة؛ فُرادى وجماعات.

أيها الإخوةُ الكرام، إنَّ حقلَ الدعوة إلى الله -تعالى- والعمل لدِينه، مَيدانٌ واسع كبير، لا ينبغي لبعضنا أن يستأثِرَ به دونَ البعض الآخر، وإنما ينبغي أن نسعى دائمًا لتكميل بعضنا بعضًا، ولسَدِّ أيِّ ثغرٍ قد يؤْتَى من قِبَلِه الدِّين، كلٌّ حسبما يَفْقَه ويُحسن، فهذا يدعو إلى التوحيد الخالص وإلى نَبْذ البدع والخُرافات، وآخرُ يَمتلكُ حِسًّا دعويًّا عاليًا يجوبُ به الآفاق، وثالثٌ يُحسن تربيةَ الناس ومعاملتهم، ورابعٌ لَدَيه القدرةُ على الدخول في مُعترك السياسة دون تقديم التنازُلات، وخامسٌ نحسبُ أنه يُتقن العلم؛ ليتصدَّرَ للإفتاء والتأليف، وسادسٌ وسابع!

أيُّها الكرام، ما كتبتُ لكم هنا لأَسْرِدَ لكم واقعًا نَلمسه وحاضرًا نعيشه -لعِلمي أنه لا يَخفى على أكثركم- ولكني كتبتُ اليومَ متناسيًا كلَّ ما مضَى، ومُتهللاً ببشائر بدَتْ من بعض عُلمائنا الغيورين على أُمَّتهم ودعوتهم، وإنا لنسأل الله -تعالى- أن يُكَلِّل جهودهم، وأن يوحِّدَ صفوفَهم.

أيُّها العاملون في حقل الدعوة إلى الله، "إن ترابُطَ المسلمين من شأْنه أن يخطوَ بنا خُطوات واسعةً نحو النصر والتمكين، وتعاون الجماعات العاملة في حقل الدعوة من شأْنه أن يُكسِبَ رصيد الصحوة زَخمًا يُؤَثِّرُ ولا شكَّ في انطلاقتها العالَميَّة"[1].

من أجْل هذا فإنني أتصوَّر أنَّ هذا المشروع (توحيد الصف الإسلامي) سيُلاقي -بإذن الله تعالى- قَبولاً بين أبناء الصحوة الإسلامية الذين يتلمَّسون تحقيقَ القدْر الأكبر من المكاسب لصالح الدعوة، وقد جمعتُ فيه ما يُقارب العشرين آليَّة لتوحيد الصف الإسلامي[2]، أرى أنها -بإذن الله تعالى- تُحقِّق الوَحْدة والائتلاف بين أبناء الصحوة دونَ الحَيْد عن العودة الأصيلة إلى الكتاب والسُّنة، راجيًا الله -تعالى- أن يُوجِدَ لهذا الكلام مَسلكًا عمليًّا لتطبيقه به، وأن يفتحَ له قلوبَ الشبيبة والشيوخ.

آليات مقترحة لتوحيد الصف الإسلامي:

1- نزْعُ عَباءة القَداسة التي ألْبسها البعضُ للدُّعاة والعلماء، حيثُ لا يقبل أن يُخطئ شيخه أبدًا، ونبْذُ العصبيَّة الممقوتة للأسماء، وضرورة الاتفاق على منهاج الكتاب والسُّنة، لا على منهاج الأشخاص والأهواء.

2- تغافُر العلماء والدُّعاة وأبناء الجماعات عمَّا صدَر منهم من أخطاء أو شَحناء، أو غيرها -عن قصْدٍ أو دون قصد- وفتْحُ صفحةٍ جديدة قائمة على حُسن الظنِّ وتوسُّم الخير، والتعاون على البرِّ والتقوى.

3- تعميق قضية الولاء والبراء في نفوس الأُمَّة عامَّة، وفي نفوس أبناء الصحوة الإسلاميَّة خاصَّة.

4- تكثيف الأدبيَّات التي تُعنَى بتوحيد المناهج وَفْقَ الكتاب والسُّنة، وتقليل الأدبيَّات الخاصَّة بالجماعات، وتعميم الخطاب الدعوي؛ ليشمل كلَّ أبناء الصحوة الإسلامية، ولا يكون مقصورًا على أبناء جماعةٍ دون أخرى.

5- تربية شباب الصحوة على احترام الآخر، وقَبول رأْيه حتى وإنْ كان مخالفًا لِمَا يَنتهجونه، طالَما أنه يستند إلى دليلٍ صحيحٍ من الكتاب والسُّنة.

6- تلاقي القيادات الإسلاميَّة والدُّعاة والعلماء في المناسبات المختلفة، والأفضل أن تكون هناك لقاءات دوريَّة ومؤتمرات؛ لمناقشة شئون الدعوة، وعلى الصعيد الفردي فإنه من السهل على كلِّ داعية أن يتعهَّد إخوانه بالسؤال والزيارة، والتهنئة والموَاساة في المناسبات المختلفة، أو أن يبعثَ بالرسائل الإخوانيَّة التي تبثُّ الدِّفء في العلاقات وتُذيب كلَّ بقايا الشَّحناء والبغضاء، والنَّزْغ الذي يزرعه الشيطان.

7- ضرورة الأخْذ بمبدأ المناصحة، وعدم احتكار الحقِّ، والتغافُر في قضايا الخلاف السائغ.

8- تكثيف التعاون بين الجماعات في القضايا المصيريَّة، والتوحُّد في المواقف التي تستلزمُ عدمَ التنازع والفُرقة أمام أعداء الدِّين.

9- الرُّقي بمستوى التعاون بين الجماعات العاملة في حقْل الدعوة، عبر تكثيف تبادُل الخبرات الدعويَّة؛ لتوسيع مساحة الدعوة بين شرائح المجتمع، ومن مقاصد هذا الاتجاه أن يتمَّ التنسيق بين القيادات في الأعمال الدعويَّة؛ حيثُ لا يجور بعضنا على بعضٍ، فالمجتمع ساحته رَحبة تتَّسع لعمل كلِّ الدُّعاة، فلنَهْجُرْ مَسْلك التناحُر والتسابُق إلى احتلال المواقع من بعض، وليَكُن النزاعُ بيننا وبين أعداء الله تعالى.

10- تنمية رُوح المودَّة في الأفراد عبر هجْر مَسلك التحذير وتشويه الصورة، بأن يكون حديث الدُّعاة عن بعضهم حديثَ أخٍ مُحِبٍّ لأخيه، محترم لغَيْبته، فينشأ الناشئون في الصحوة على احترامِ كلِّ الدُّعاة وتوقيرهم، والْتماس المعاذيرِ لمخطِّئهم، والدُّعاء لهم جميعًا بظَهْر الغيب.

11- تكوين مجلس حُكماء من قادة ودُعاة الجماعات العاملة في الساحة، يقوم بحسْم النِّزاعات بينها، والتخطيط والسَّعْي لوَحْدة الصف الإسلامي[3].

12- إصدار البيانات المشتركة في حالة الأحداث الجسيمة التي تُلِمُّ بالأُمَّة؛ فإنَّ هذا من شأْنه أن يُشْعِر الشباب بتوحُّد القيادات، فتنموَ رُوحُ العِزَّة الإسلاميَّة في نفوس الشباب، ويَزدادوا ثِقَة وطاعةً لقياداتهم.

13- دَرْءُ كلِّ خلاف يحدث بين الأفراد والجماعات، ومحاولة منْعِ تَفَاقُمه، أو التقليل من أضراره ومَفاسده، وتسوية الخلافات عبر المسئولين، وعدم استخدام المنابر ووسائل الإعلام للحديث عن الخلافات بين الدعوات والدُّعاة.

14- ضرورة التخلُّق بآداب العمل الجماعي، وبآداب الأخوَّة الإسلاميَّة على وجْه العموم، وتطبيق مواثيق المودَّة والموالاة بين المؤمنين.

15- الحدُّ من ظاهرة السَّعْي وراء حشْدِ الشباب إلى الفصيل أو الجماعة التي ينتمي إليها البعض؛ فإنَّ من شأْن هذا الأمر أن يُثيرَ الكثيرَ من الخلافات بين شباب الصحوة.

16- عدم الحيلولة دون مشاركة شباب أحد الجماعات في الأعمال والأنشطة الدعوية تحت مِظَلة جماعة أخرى، كما ينبغي إِعْمَالُ مبدأ تسديد الخير، والعمل لدين الله مع كلِّ أحد.

17- تشكيل مجلس دعوي في كلِّ مدينة أو منطقة يضمُّ مُمثِّلين عن كافة الطوائف الدعويَّة بالمدينة أو المنطقة، يعمل كآليَّة عامة لتنظيم العمل الدعوي بهذه المنطقة.

أيها الإخوة الأعزَّاء، إنْ كُنَّا نشتاقُ إلى أن تجتمع أُمَّتنا يومًا على كلمة واحدة، وتُوَحَّد صفوفها تحت راية التوحيد، فإننا نُهيبُ بعلمائنا ودُعاتنا وقادتنا أن يَسْعوا جاهدين لتحقيق هذا الأمر، ولعلِّي ألفتُ الانتباه إلى أن مجرَّد تطبيق بعض هذه الآليَّات -ولو في الوقت الحالي- هو أمرٌ يحقِّقُ للدعوة إلى الله -تعالى- زخمًا كبيرًا، ومكاسبَ هائلة، تقتربُ بنا من توحيد الصفِّ الإسلامي.

وأخيرًا، فإنني على يقينٍ من أنَّ أُمَّة "الجسد الواحد" لن تُفَرِّط في شرط الخيريَّة التي خصَّها الله -تعالى- بها في قرآنه؛ {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [آل عمران: 110]، وهي في ذات الوقت لن تتغافَلَ عن وصْفِ ربِّنا جلَّ وعلا: {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29].

واللهُ وحْده مِن وراء القصد.

عاصم صفوت الشوادفي . موقع الألوكة

الصوم ووحدة الصف مقال قيم للدكتور . فؤاد على مخيمر ( رحمه الله )

الصوم ووحدة الصف مقال قيم للدكتور . فؤاد على مخيمر ( رحمه الله )

شهر رمضانالحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:
فإن دين الإسلام دين الفطرة الصحيحة، دين يدعو إلى وحدة الصف؛ لأن أتباعه المؤمنين يُعَدّون أمة واحدة، إلههم واحد لا شريك له، قال سبحانه: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 92].

ومن ثَمَّ، جعل الله تعالى مظاهر هذا الدين تتجلى في الدعوة إلى الوحدة: وحدة في الألوهية والربوبية وفي صفاته تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: 1-4]. ووحدة في العبودية: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5]. ووحدة في الصف والقوة والبأس، قال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} [آل عمران: 103]. ووحدة في الجهاد، قال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} [الصف: 4].

فالعبادات الدعوة فيها إلى وحدة الصف موجودة وقائمة، وتُعَدُّ مَظهرًا بَارزًا من مظاهرها..

فالصلاة: النداء لأدائها واحد، وإمام الصلاة واحد، والمسلمون من خلفه وحدة متكاملة في انتظام صفوفهم وائتلاف أرواحهم، وهم مؤتمون بإمام واحد؛ يؤدون خلفه أركانًا وسننًا بنسق واحد بمتابعة إمام واحد، وكذلك توحيد وقت الصلاة مظهر وحدوي.

والزكاة: في أدائها دعوة إلى وحدة الصف؛ ففي مال الغني حق معلوم للسائل والمحروم، كأن الفقير شريك الغني في ماله، وفي ذلك من ارتباط القلوب والتراحم ما لا يخفى، وكذلك إحساس الغني بالفقير؛ اعترافًا بأخوَّة الإيمان التي أفصح عنها القرآن في قوله تعالى: {فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} [آل عمران: 103]، {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10].

والحج: مظاهر الوحدة فيه كثيرة؛ فملابس الإحرام بهيئة واحدة، والتلبية واحدة لمناجاة رب واحد، وأداء الأركان والواجبات والسُّنن في مكان واحد، وهو الحرم الشريف والكعبة المكرمة، وعرفات ومزدلفة ومِنى وكلها في مكة المكرمة، فضلاً عن اجتماع المسلمين من شتى بقاع الأرض على عرفات، وفي حَرم الله الآمن، وغير ذلك من مظاهر وحدة الصف والكلمة.

والصوم: رُقي للروح، وحصن للجسد، وتربية للأعضاء، وهو نصف الصبر، وتجديد للعهد مع الله سبحانه بالتوبة والاستغفار وكثرة الذكر والدعاء والتوحيد الخالص، وتدريب الأعضاء على مهام الرجولة، وإذا تأصّلت الرجولة الإيمانية في المسلمين اتحد صفهم، وقويت شكوتهم، وعلت همتهم؛ ليصبحوا قوة ضاربة في الأرض.

لذا؛ نجد وحدة الصف تنبع من ساحة الصوم، ومن أبرز مظاهرها ما يلي:

أولاً: فرض الصوم بنداء الله للمؤمنين عامة:

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة: 183]. فنداء الله للمؤمنين تكريم لهم وتشريف، ودعوة لهم إلى وحدة صفهم، وتآلف قلوبهم، لعزتهم ورفعة مكانتهم، وفي ذلك من المساواة بينهم ما لا يخفى: فلا فرق بين غني وفقير، ولا بين أبيض وأسود.

ثانيًا: اجتماع المسلمين على بداية رمضان ونهايته دليل على وحدتهم وقوتهم:

البلد الذي يشترك في مطلع الشمس مع غيره من بلاد العالم الإسلامي أو غير الإسلامي، أو كان مطلعه قريبًا من بعضها يلزمه الاتحاد معها في بداية شهر رمضان؛ لأن ذلك يُعدُّ مظهرًا لوحدة المسلمين، وقوة لرباطهم الإيماني، حيث يَتّحِدون في وقت الإفطار والإمساك، ومناجاة الله عند فطرهم وإمساكهم.

كذلك مظهر المسلمين في وحدة صفهم يبرز واضحًا في نهاية رمضان وبداية أول ليلة من شوال؛ فالمسلمون يتحدون في التكبير والتهليل، وفي اجتماعهم لصلاة عيد الفطر في الخلاء، أو في مساجدهم على قلب رجلٍ واحدٍ، وفي ذلك من وحدة الصف ما لا يخفى.

ثالثًا: صلاة القيام في جماعة قوة ووحدة:

اختصاص رمضان باجتماع المسلمين بعد العشاء في كل ليلة منه؛ لأداء صلاة التراويح في جماعة يُعدُّ دعوة إلى وحدة الأمة في عبوديتها لربها، ووحدة صفها.

رابعًا: اعتكاف صفوة من المسلمين في المساجد تربية على وحدة الصف:

فسنة الاعتكاف اختصت بها العشر الأواخر من رمضان؛ تدريبًا لصفوة من أبناء الأمة المسلمة على الرجولة والجندية والاتحاد في المظهر والجوهر؛ لتؤصل في المسلمين وحدة الصف. وهناك مظاهر أخرى للوحدة يطول المقام بذكرها، ولكنها لا تخفى على ذي لُبٍّ.

الصوم يربي الفرد ويبني المجتمع ويؤصل الوحدة

إن المجتمع المسلم المعاصر الذي تمزّق كيانه، وتفرّق صفه، فأضحى ساحة لمطامع أعدائه، فاستولى العدو على بعض مقدساته، وأراق دماء أبنائه على أرضه.. أرى أن هذا المجتمع في حاجة ماسة إلى إعادة بنائه.. ومعلوم أن لبناته هم أفراده.

والصوم أحد أركان هذا الدين الحنيف الذي يتم به البناء؛ فمن أبرز آثاره في تربية الفرد، وبناء المجتمع وتحصين وحدته ما يلي:

1- الإرادة تقوي الإيمان وتتمم البناء:

فالمسلم ينتصر على نفسه، فيكبح جِمَاحها ويُربيها تربية إيمانية قوية، فعندئذ تَقوى إرادته فينتصر على نفسه وعلى أعداء الله؛ لأن كل شيء يَهون أمامه إلا عقيدته ومقدساته، ويُفصح ربُّنا عن هذه التربية فيقول: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} [الأحزاب: 23]. فالإرادة الإيمانية عند أداء الصوم هي التي أصّلت فيهم هذه الروح، وأصّلت الهمَّة والرجولة في كيانهم. فقبل أن يطلب العبد النصر على أعدائه، ينتصر هو على نفسه.

2- الإرادة صمام أمن الجندي المسلم:

فالمسلم إن لم تكن عنده إرادة منضبطة في ضوء الإيمان وصدق عزيمته على الصوم، فلا يمكن أن يقدِّم نفسه فداء لدينه ومقدساته ووطنه؛ لأن من تأصّلت الإرادة في قلبه، فقد قَهر نفسه وشيطانه وعدوه. فمن مأثورات عمر رضي الله عنه: اسألوا الله العون على أنفسكم قبل أن تسألوه النصر على أعدائكم.

ومن ثَمَّ يُعدُّ الصيام علاجًا للنفس وضَابطًا للإرادة، وداعيًا إلى وحدة الأمة؛ ولذا نجد المسلمين قد انتصروا في معاركهم مع العدو في شهر رمضان كغزوة بدر، وفي العاشر من رمضان 1393هـ.

3- الصوم يدعو إلى:

أ- وحدة الهدف والغاية: فالهدف: العبودية، والغاية: تقوى الله.

ب- وحدة الضمير: فالصوم يُؤدَّى بنية صادقة في ضوء مراقبة الله سبحانه، وأثر ذلك يعود على المجتمع في شئونه الاقتصادية والاجتماعية، والعسكرية والميدانية في ساحة القتال.

ج- وحدة الشعور بالمسئولية: فالإحساس بالمسئولية التضامنية في بناء المجتمع وازدهاره أمر واجب، والدفاع عنه واجب، والشعور بآلام المسلمين واجب، والمشاركة الوجدانية والمادية في تفريج كروبهم ومناصرتهم واجب... إلخ.

د- وحدة الصف: تتجلى وحدة الصف في تربية الصائمين على الخشونة والصبر وقوة الإرادة، واحتمال المتاعب، والتدريب على الجندية؛ فلا مجال للترف والإسراف، بل سبيل الصائم التقشف وضبط النفس، والحسم والعزم؛ فتكتمل الوحدة على أساس متين من الدين.

4- الصوم ثورة تصحيح وتغيير في المجتمع المسلم:

فثورته تتجلى في ذلك التغيير في الطعام والشراب، وضبط الوقت عند الإفطار والإمساك، وفي السلوك التربوي، والقيم العالية في البيت والشارع والعمل، والاعتكاف في ساحة العبودية، وغير ذلك مما يطول المقام بذكره.

والله وحده من وراء القصد.

شياطين رمضان الموثقة والمطلقة

شياطين رمضان الموثقة والمطلقة
شياطين رمضان الموثقة والمطلقةمن أعظم ما ميّز الله به شهر رمضان المبارك؛ تصفيد الشياطين فيه، وإراحة الخلق من شرِّهم وضُرِّهم، وترك الفرصة مواتية لمن أسرف على نفسه بالذنوب أن يتوب.. فمن صفَّدته الشياطين على مدى عامه المنصرم فلا يتحرك إلا في رضاها تغيَّر به الحال، فصار القيد على عدوِّه، وأطلقه الله بعد قيده، وحرّره من أسر خصمه، فماذا بقي له إلا الفرار إلى الله؟!

فعن أبي هريرة t قال: قال رسول الله : "إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ، فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ"[1].

وعنه t قال: قال رسول الله : "أَتَاكُمْ رَمَضَانُ شَهْرٌ مُبَارَكٌ، فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، لِلَّهِ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ"[2].

وعنه t قال: قال رسول الله : "إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ"[3].

فرمضان فرصة عظيمة لكل مذنب -وكلنا ذاك الرجل- أن ينطلق في باحة الطاعة الرحبة بعد أن كان في قبضة الشيطان أو كاد، بعد أن فُكَّت عنه القيود، وحُلَّت الأصفاد.

تصفيد الشياطين وذنوب بني آدم!

ويعجب البعض من جرأة الناس على انتهاك حرمة الشهر المبارك بالولوج إلى سجن المعصية، والتلطخ بأوحال الذنوب، والوقوع في شراك السيئة، وقد فُقد المحرِّض، وزال الموسوس، وغاب المُزين… فما معنى تصفيد الشياطين وما زال الناس يقعون في الذنوب والمعاصي؟!
والحقيقة أن هذا سؤال مهم، والأهم منه أن نُجيب عليه..
فنقول -وبالله نصول ونجول-: إنه لا يمكن لذي عينين أن يُنكر إقبال الناس على الخير في رمضان، وكفِّ الكثير منهم عن الكثير من الذنوب والعصيان، فها أنت ترى المساجد تمتلئ بعد قطيعة، والفقراء يغتنون بعد مسغبة، والقرآن يُتلى بعد هجر، وترى معالم الإيثار بعد مظاهر الأثرة، وتبصر النفوس تسكن، والضمائر ترتاح، والقلوب ترضى، والصلات تعود، والروابط تقوى، وغير ذلك مما لا تكاد تراه في غير رمضان، فهذا دليل ظاهر على الإقبال بعد الإدبار، والرجوع عقب التولي، وفي أعداد التائبين الرمضانيين ما يفوق العد والحصر، والمردُّ في ذلك الخير إلى تصفيد الشياطين وسلسلتهم لمنعهم من وسوستهم.

ردود على هذا الإشكال

ومن الردود على هذا الإشكال والإجابة على السؤال، نقول:
* إن الشياطين لا تخلص فيه لِما كانت تخلص إليه في غيره، فتضعف قواها، وتقل وسوستها، لكنها لا تنعدم بالكلية.
* وربما أن المراد بالتصفيد والسلسلة إنما هي للمردة ورءوس الشياطين، دونما من دونهم، فيفعل الصغار ما عجز عن بعضه الكبار، وقيل العكس؛ فالمصفَّد الصغار، والمطلوق كبيرهم وزعيم مكرهم وكيدهم؛ لأن الله أجاب دعوته بأن ينظره إلى يوم يبعثون، ليواصل الإغواء والإغراء والإضلال، وفي كلا الحالين فالعدد يقل، والوسوسة تضعف.
* وربما أن المراد أن الصيام يستلزم الجوع، وضعف القُوى في العروق وهي مجاري الشيطان في الأبدان، فيضعف تحركهم في البدن كأنهم مسلسلون مصفَّدون، لا يستطيعون حراكًا إلا بعسر وصعوبة، فلا يبقى للشيطان على الإنسان سلطان كما في حال الشبع والري.
* وربما أن المراد أن الشياطين إنما تُغل عن الصائمين المعظِّمين لصيامهم، والقائمين به على وجه الكمال، والمحققين لشروطه ولوازمه وآدابه وأخلاقه، أما من صام بطنه ولم تصم جوارحه ولم يأت بآداب الصيام على وجه التمام، فليس ذلك بأهل لتصفيد الشياطين عنه.
* وربما أن المراد أن الشياطين يصفدون على وجه الحقيقة، ويقيدون بالسلاسل والأغلال، فلا يوسوسون للصائم، ولا يؤثِّرون عليه، والمعاصي إنما تأتيه من غيرهم كالنفس الأمَّارة بالسوء. والله أعلم بالمراد.

ومن المعلوم المفهوم والمحسوس الملموس أن الشياطين ينقسمون إلى شياطين إنس وشياطين جن، فمن يحمينا من شياطين الإنس الذين ينشط بعضهم في رمضان أكثر من أي شهر آخر؟! فهم يقومون بدور إبليس على أكمل وجه، ويحتلون مكان الشيطان على أتمِّ صورة، ويهتفون في مسمعه البغيض: نم، عليك شهر طويل عريض، ونحن على آثارك مهتدون، وبدورك قائمون، وعن مهام حزبك مناضلون. ونظرة منك فاحصة لِما يُعرض في أكثر القنوات الفضائية في رمضان يثبت لك ما يقوم به شياطين الإنس من سوءٍ وفحش يعجز عن إخوانهم المصفَّدين، فيا ليت شعري متى نرى القيود والأصفاد في أرجل هؤلاء الشياطين المفسدين، نعوذ بالله منهم أجمعين.
عبد اللطيف بن هاجس الغامدي . داعية سعودي