بسم الله الرحمن الرحيم . إذا أردت أن تحفظ القرآن وتحصل على سند ، ما عليك سوى الاتصال بنا . كما يمكنك الحفظ معنا عبر الإنترنت
إذا أردت دراسة أحد علوم اللغة أو أحد المواد الشرعية فقط راسلني .::. إذا أردت إعداد بحث لغوي أو شرعي فنحن نساعدك بإذن الله

language اللغة

English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

اذكر الله

08‏/05‏/2013

من دلائل الإعجاز التربوي في القرآن الكريم

من دلائل الإعجاز التربوي في القرآن الكريم 
وهنا يمكن ملاحظة أن الله - تعالى - في هذه الآيات الثلاث قد قدَّم التزكية على التعليم، وفي ذلك إعجازٌ تربويٌ يتضح عندما نعلم أن العملية التربوية تسبق العملية التعليمية، وأن حصول التزكية عند الإنسان يُسهم بدرجةٍ كبيرةٍ في تسهيل وتيسير وتمام...

الحمد لله عظيم التنزيل، والصلاة والسلام على المعلم الجليل، المؤيد بجبريل، والمذكور في التوراة والإنجيل، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم جيلاً بعد جيل، وبعد:

فليس هناك من شكٍ في أن القرآن الكريم كتاب الله المُعجز، وأن آياتُه كلها مُعجزةٌ بلفظها ومعناها، وإذا كان القرآن الكريم مصدراً رئيساً للتربية الإسلامية بعامة - كما يُجمع على ذلك العُلماء والكُتاب والباحثين في هذا المجال - ؛ فإن هناك آياتٍ قرآنيةٍ مُعجزةٍ بلفظها ومعناها ؛ لكونها اشتملت على الكثير من المعاني والمضامين والمنطلقات والدروس التربوية التي يمكن استنباطها منها.

ومن هذه الآيات المُعجزة ثلاث آياتٍ جاءت في ثلاثة مواضع مختلفة من سور القرآن الكريم، هي على الترتيب:
* الآية الأولى قوله تعالى: ( كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ) [ سورة البقرة: 151].

* الآية الثانية قوله تعالى: ( لقد من الله على المؤمنين إذ بَعَثَ فِيهم رَسُولاً مِن أنفسهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ) [ آل عمران: 164].

* الآية الثالثة قوله تعالى: ( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) [الجمعة:2 ].

وهذه الآيات الثلاث جاءت مُتقاربةً في معناها الإجمالي الذي يُشير إلى المنهج التربوي الإسلامي الذي أنزله الخالق العظيم سبحانه على نبيه محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم -، والذي جاء مُطابقاً لدعوة سيدنا إبراهيم الخليل - عليه السلام - الذي أوردها القرآن الكريم في قوله تعالى: ( ربنا وابَعَثَ فِيهم رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِك وَيُزَكِّيهِمْ إنك أنت العزيز الحكيم ) [ البقرة: 129].

وهو ما أكّده الحديث الذي روي عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: " إني عند الله مكتوبٌ بخاتم النبيين، وإن آدم لمنجدلُ في طينته، وسأُخبركم بأول ذلك، دعوة أبي إبراهيم، وبِشارةُ عيسى، ورؤيا أُمي التي رأت حين وضعتني أنه خرج منها نورٌ أضاءت لها منه قصور الشام " [ ابن حبان، مج 14، ص 313، الحديث رقم 6404 ].

أما أبرز الملامح التربوية في مجموع هذه الآيات الكريمات فيمكن الإشارة إليها فيما يلي:

أولاً : تحديد مصدر إرسال هذا الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذي بعثه الله – تعالى - لهذه الأُمة هادياً ومُبشراً ونذيراً، وهو ما يتضح في قوله تعالى: ( كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ ) وقوله سبحانه: ( إذ بَعَثَ فِيهم )، وقوله جل في علاه: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ ). وجميع هذه الألفاظ القرآنية الكريمة تدُل وتؤكد أن الله - سبحانه وتعالى - وهو الرب العظيم والخالق الكريم - هو الذي أرسل محمد - صلى الله عليه وسلم - ليكون معلماً ومُربياً للأُمة.

ثانياً : تحديد هوية هذا الرسول المعلم الذي أرسله الحق جل في عُلاه إلى الأُمة. وهو ما يُشير إليه قوله تعالى في وصف هذا الرسول: ( رَسُولاً مِنْكُمْ )، وقوله سبحانه: ( رَسُولاً مِن أنفسهم )، وقوله جل جلاله: ( رَسُولاً مِنْهُمْ ). وجميع هذه الألفاظ القرآنية تُشير إلى أن هذا الرسول - صلى الله عليه وسلم - إنسان مُرسلٌ من الله – تعالى - إلى أُمته، وأنه لا يختلف عنهم في الجانب الإنساني فليس ملكَاً أو مخلوقاً من جنسٍ آخر؛ وفي هذا إشارةٌ إلى أن هذه التربية التي جاء بها هذا النبي الكريم تربيةٌ إنسانية، وصالحةٌ تماماً لطبيعة الجنس البشري، وتتفق تماماً مع فطرته الإنسانية التي فُطر عليها وهو ما يُشير إليه أحد الكتاب بقوله: " لأن الرسول في حياته كإنسان يُوحى إليه من الله، يُمثل إنسانية هذه التربية " [ عبد الحميد الهاشمي، 1405هـ، ص 7 ].

ثالثاً : بيّنت الآيات الكريمات وظيفة ومهمة هذا الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وحددتها في وظائف ثلاثٍ جاءت على النحو التالي:

* الوظيفة الأولى هي التلاوة: ويُقصد بها أن يبدأ هذا الرسول - صلى الله عليه وسلم - بقراءة القرآن الكريم على قومه قراءةً مرتلةً ليُبلِغَهم ما فيه ويُعلمهم إياه، ولتكون تلك التلاوة سبيلاً لإقامة الحُجة عليهم، ووسيلةً لحفظ كتابه وآياته، إضافةً إلى التعبد لله - تعالى - بتلاوته. وهذا فيه بُعدٌ تربوي يُشير إلى أن " الهدف من تلاوة الآيات هو غرس الولاء للإسلام بين المُتعلمين عقيدةً وسلوكاً، وإبراز شواهد الأُلوهية والربوبية، وغرس الاتجاهات الإيمانية " [ نبيل السمالوطي، 1406هـ، ص 189 ].

* الوظيفة الثانية هي التزكية: وهي احد المرادفات التُراثية التي استعملها بعض سلفنا الصالح للدلالة على معنى التربية الإسلامية الشامل والدّال على محاسبة النفس والعناية بها، والعمل على الارتقاء بجميع جوانبها [ الروحية، والجسمية، والعقلية ]، إلى أعلى المراتب وأرفع الدرجات، وقد ورد أن المقصود بتفسير قوله تعالى: ( وَيُزَكِّيكُمْ ) " أي " يُطهر أخلاقكم ونفوسكم، بتربيتها على الأخلاق الجميلة، وتنـزيهها عن الأخلاق الرذيلة " [ عبد الرحمن بن ناصر السعدي، 1417هـ، ص 57 ].

وهنا لا بُد من التأكيد على أن مصطلح التزكية يمتاز بشموليته لمعنى العملية التربوية الكاملة التي تُعنى بمختلف جوانب النفس البشرية، وهو ما يؤكده أحد عُلماء السلف بقوله:

" يعني أنه يُزكِّي قلوبهم ويُطهرها من أدناس الشرك والفجور والضلال؛ فإن النفوس تزكو إذا طهُرت من ذلك كله، ومن زكت نفسه فقد أفلح وربح، كما قال تعالى: ( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ) [ سورة الشمس: 9 ]. وقال: ( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ) [ سورة الأعلى: 14] " [ ابن رجب الحنبلي، 1421هـ، ص 168 ].

وهنا يمكن ملاحظة أن الله - تعالى - في هذه الآيات الثلاث قد قدَّم التزكية على التعليم، وفي ذلك إعجازٌ تربويٌ يتضح عندما نعلم أن العملية التربوية تسبق العملية التعليمية، وأن حصول التزكية عند الإنسان يُسهم بدرجةٍ كبيرةٍ في تسهيل وتيسير وتمام عملية تعليمه.

* الوظيفة الثالثة هي التعليم: وهي وظيفةٌ تأتي بعد أن تتم عمليتي التلاوة والتزكية، وبذلك يتم التعليم المقصود كأحسن ما يكون، وهو ما يُشير إليه أحد الباحثين بقوله:

" هذه الخطوة التربوية [ أي التعليم ] تترتب على الخطوتين السابقتين – تلاوة الآيات وتزكية النفس والعقل والجسم –، وهنا يكون الإنسان مؤهلاً لاستيعاب المعارف والمبادئ والتشريعات التي يشتمل عليها القرآن الكريم والسُنة المطهرة " [ نبيل السمالوطي، 1406هـ، ص 195 ].

ولأن عملية التعليم تحتاج إلى مصادر واضحة ومُحددة لها ؛ فقد تكفلت الآيات الكريمات ببيان هذه المصادر وتحديدها بدقة، وحصرت هذه المصادر في مصدرين رئيسيين هما: [ الكتاب والحكمة ]، ويُقصد بهما: القرآن الكريم و السُنة النبوية؛ فهما المصدران الإلهيان اللذان نصّت عليهما الآيات الكريمات. لما فيهما من الوحي الإلهي الذي تكفل الله - تعالى - بحفظه في قوله سبحانه: ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) [ سورة الحجر: 9 ].

وهنا تجدر الإشارة إلى أن هذه الآيات في مجموعها قد تضمنت إلماحاً تربوياً مُعجزاً إلى الجانبين الرئيسين اللذين تقوم عليهما العملية التربوية بعامة، وهما :

* الجانب الفكري [ النظري ]: ويتمثل في الجانب المصدري النظري الذي جاء وحياً من عند الله تعالى، وعبّرت عنه الآيات بالتلاوة.
* الجانب العملي [ التطبيقي ]: ويتمثل في الجانب السلوكي العملي الذي يقوم به الإنسان ويُمارسه بنفسه، والذي عبّرت عنه الآيات بالتزكية أولاً ثم التعليم ثانياً.
وقد أشار أحد الباحثين إلى ذلك في وصفه للتعبيرات القرآنية الثلاثة بقوله: "نجد أنها تتضمن جانبي العقل والنقل، أو جانبي الغيب الذي لا يُناقش، وإنما هو محل الإيمان المُطلق لأن العقل البشري قاصرٌ عن فهمه ؛ وهنا يُكتفى بتلاوة الآيات من المُتعلم أو مُتلقي التربية وهذا هو الجانب الأول. أما الجانب الثاني فهو الذي يتمثل في تعبير " يُزكيهم " و " يُعلمهم " فكلاهما يُشير إلى عمليةٍ بشريةٍ تتعلق ببناء السلوك وتشكيله وتغييره، وتفسح المجال أمام العقل والملاحظة والتجريب " [ نبيل السمالوطي، 1406هـ، ص 198 ].

وبعد ؛ فإذا كانت هذه الآيات القرآنية قد أشارت في مجموعها إلى ملامح المنهج التربوي الإسلامي الذي جاء به معلم الإنسانية وأُستاذ البشرية النبي محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - من عند الخالق العظيم [ جل في عُلاه ] ؛ فإن القرآن الكريم زاخرٌ في آياته البينات بالكثير من الدروس والمضامين والمعاني والمبادئ والقيم التربوية التي تكفل للإنسانية جمعاء الخير والسعادة في كل زمانٍ وأي مكان متى تم استنباطها والعمل بها في واقع الحياة، وهو ما نرجوه ونؤمله ونسعى لتحقيقه سائلين المولى عز وجل التوفيق والسدّاد، والهداية والرشاد، والحمد لله رب العباد.


-------------------------------------------
المراجع :
- القرآن الكريم.
- أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري. [ 1419هـ : 1999م ]. صحيح البخـاري. ط [ 2 ]. الرياض: دار السلام للنشر والتوزيع.
- أبو الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري. [ 1419هـ : 1998م ]. صحيح مسـلم. الرياض: دار السلام للنشر والتوزيع.
- مالك بن أنس. [ د. ت ]. الموطـأ. تصحيح وتخريج وتعليق: محمد فؤاد عبد الباقي. القاهرة: دار الحديث.
- سليمان بن الأشعث أبو داود السجستاني. [ د. ت ]. سُنـن أبي داود. تحقيق : محمد محي الدين عبد الحميد. بيروت: دار الفكر.
- أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي. [ 1406هـ : 1986م ]. سُـنن النـسائي [ المُجـتبى ]. تحقيق : عبد الفتاح أبو غدة. ط [ 2 ]. حلب: مكتب المطبوعات الإسلامية.
- أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي. [ د. ت ]. الجامع الصحيح [ سُـنن الترمذي ]. تحقيق : أحمد محمد شاكر وآخرون. بيروت: دار إحياء التُراث العربي.
- محمد ناصر الدين الألباني. [ 1415هـ : 1994م ]. صحيح الأدب المفرد للإمام البُخاري. ط [ 2 ]، الجبيل: دار الصديق.
- إبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي الدمشقي. [ 1421هـ : 2001م ]. لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف. تحقيق : ياسين محمد السّواس. ط [ 6 ]. دمشق – بيروت: دار ابن كثير.
- نبيل السمالوطي. [ 1406هـ : 1986م ]. التنظيم المدرسي والتحديث التربوي [ دراسة في اجتماعيات التربية الإسلامية ]. ط [ 2 ]. جدة: دار الشروق.




19‏/03‏/2013


فائدة التنوين وأقسامه :
في الصباح كان ابني يستمع لبعض الكلمات المنونة ، فسألتني زوجتي : ما هي فائدة التنوين ؟
فارجعتني بالذاكرة إلى أيام الثانوية عندما كنا ندرس ألفية ابن مالك ، وتذكرت أن التنوين على أقسام ، وبحثت فوجدتها كالآتي :
القسم الأول: تنوين التمكين للدلالة على اسمية الكلمة، وهو الداخل على الأسماء المعربة المنصرفة، نوح؛ هود؛ لوط؛ "بابٌ" "دارٌ"، وهكذا.
القسم الثاني: هو تنوين التنكير، وهو الداخل على الأسماء المبنية للدلالة على تنكيرها، كقولك مثلا "مررت بسيبويه وسيبويهٍ آخر"، الثاني مجهول لك، أما سيبويه الأول غير منون فهو معرفة، فإذا أدخلت التنوين على كلمة مبنية للدلالة على أن هذه الكلمة نكرة وليست معروفة فاعلم أن هذا التنوين يُسمى بتنوين التنكير.
يقولون إذا قلت "إيهِ" فمعناها زدني من هذا الحديث الذي تتحدث به، وإذا قلت "إيهٍ" بالتنوين معناه زدني من أي حديث، وإذا قلت "صهْ" فأنت تقول له اسكت عن هذا الحديث فقط، فإذا قلت "صهً" فمعناه لا تتكلم بكلمة، يعني ما تقصد معنًى معينًا وإنما تقصد النهي عن كل شيءٍ، فمتى ما رأيت التنوين داخلا على كلمة مبنية فاعلم أنه للتنكير.
القسم الثالث: هو التنوين المسمى بتنوين المقابلة، وهو اللاحق بجمع المؤنث السالم في مقابلةٍ النون في مع المذكر السالم، تقول "مسلماتٌ" و" مسلماتٍ" و" مسلماتٍ"، يقولون هذا التنوين اللاحق بجمع المؤنث السالم هو في مقابلة النون في جمع المذكر السالم، ولذلك سموه بتنوين المقابلة، فهو يلحق جمع المؤنث السالم.
القسم الرابع: تنوين العوض، وهو ثلاثة أقسام:
1- إما تنوين عوض عن جملة، كقول الله عزّ وجلّ ? وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ?4? بِنَصْرِ اللَّهِ ? [الروم: 4، 5]، وقوله الله عزّ وجلّ ? وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ? [المرسلات: 24]، إذ الأصل أنها تُضاف إلى الجمل، فإذا حذفت المضاف إليه تُعوض عنه بالتنوين.
- وتنوين العوض عن جملة يلحق بكلمتين فقط هما "إذ" و"إذا"، ومنهم بالنسبة لـ"إذا" قول الله عزّ وجلّ ? وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا ? [الإسراء: 76]، يقولون التقدير لهذه الآية الكريمة ـ والله أعلم ـ: "وإذا حصل ذلك لا يلبثون خلافك إلا قليلا"، فحُذفت جملة "حصل ذلك" وعُوِّض عنها بالتنوين، هذا تنوين العوض عن جملة.
٢- أو تنوين عوض عن كلمة واحدة ، ففي ثلاث كلمات هي : كل ، وبعض ، وأي ، قال الله عزّ وجلّ ? بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ? [النساء: 25]، التقدير والله أعلم "بعضكم من بعضكم".
أما "أي" فشاهدها قول الله عزّ وجلّ ? أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ? [الإسراء: 110]، حُذف المضاف إليه وهو كلمة واحدة، ? وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ? [الأعراف: 180]، وقوله عزّ وجلّ ? أَيًّا مَا تَدْعُوا ? [الإسراء: 110] أي مدعوٍ أو اسمٍ أو نحو ذلك، الله أعلم كيف يكون تأويلها، لابد أن تكون متعلقةً بسياق الآية. المهم أن التنوين هنا عوضٌ عن كلمة واحدة.
أما "كل" فقولك "كلٌ يجتهد"، فالتقدير "كلنا يجتهد" مثلا، أو "كل رجلٍ يجتهد"، فحُذف المضاف إليه وعوِّض عنه بالتنوين، وهذا تنوين عوض عن كلمة.
٣- أما التنوين الذي يأتي عوضًا عن حرفٍ واحد: فهو في نحو "غواشٍ" و"جوارٍ"، يقولون كلمة "غواشٍ" كما قال الله عزّ وجلّ ? مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ ? [الأعراف: 41]، أصلها "غواشيُ" لأنها على وزن فواعل، وفواعل صيغة منتهى الجموع فهي ممنوعة من الصرف لعلةٍ واحدة، فاستثقلت ـ كما يقولون ـ الضمة على الياء فسكنت، ثم حُذفت الياء هذه وعُوِّض عنها التنوين، قال الله عزّ وجلّ ? وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ [الفجر: 1، 2]، أصلها ـ والله أعلم ـ "ولياليُ"، تُستثقل الضمة أيضًا على الياء فتُحذف ثم تُحذف الياء ثم يُعوض عنها التنوين.
وبعضهم زاد في التنوين قسمان آخران ،
سمَّى واحدًا منهما بتنوين الترنم، وسمَّى الثاني بالتنوين الغالي، وكلا هذين التنوين ليسا مما يخص الأسماء، ولذلك تدخل على الأفعال وتدخل على الحروف.
التنوين الغالي:
وهو الذي يلحق القوافي المقيدة كقوله :
وقاتم الأعماق خاوي المخترقن....مشتبه الاعلام لماع الخفقن.
اللغة: " القاتم " كالاقتم: الذي تعلوه القتمة، وهي لون فيه غبرة وحمرة، و" أعماق " جمع عمق - بفتح العين، وتضم - وهو: ما بعد من أطراف الصحراء.
و" الخاوى " الخالى، و" المخترق " مهب الرياح، وهو اسم مكان من قولهم: خرق المفازة واخترقها، إذا قطعها ومر فيها، و" الاعلام " علامات كانوا يضعونها في الطريق للاهتداء بها، واحدها علم بفتح العين واللام جميعا، و" الخفق " اضطراب السراب، وهو الذي تراه نصف النهار كأنه ماء، وأصله بسكون الفاء، فحركها بالفتح ضرورة.
المعنى: كثير من الامكنة التي لا يهتدى أحد إلى السير فيها لشدة التباسها وخفأئها قد أعملت فيها ناقتي وسرت فيها، يريد أنه شجاع شديد الاحتمال، أو أنه عظيم الخبرة بمسالك الصحراء.
وتنوين الترنم : وهو الذي يلحق القوافي المطلقة بحرف علة كقوله:
1 - أقلى اللوم عاذل والعتابن ... وقولي إن أصبت لقد أصابن
فجيء بالتنوين بدلا من الألف لأجل الترنم وكقوله:
2 - أزف الترحل غير أن ركابنا ... لما تزل برحالنا وكأن قدن
وهذا البيت للنابغة الذبياني، أحد فحول شعراء الجاهلية، وثالث شعراء الطبقة الاولى منهم، والحكم في سوق عكاظ، من قصيدة له يصف فيها المنجردة زوج النعمان ابن المنذر، ومطلعها: من آل مية رائح أو مغتدي عجلان ذا زاد وغير مزود ؟ اللغة: " رائح " اسم فاعل من راح يروح رواحا، إذا سار في وقت العشى " مغتدى " اسم فاعل من اغتدى الرجل يغتدى، إذا سار في وقت الغداة، وهي من الصبح إلى طلوع الشمس، وأراد بالزاد في قوله " عجلان ذا زاد " ما كان من تسليم مية عليه أوردها تحيته " أزف " دنا وقرب، وبابه طرب، ويروى " أفد " وهو بوزنه ومعناه " الترحل " الارتحال " تزل " - مضموم الزاي - مضارع زال، وأصله - تزول، فحذفت الواو - عند الجزم للتخلص من التقاء الساكنين.

18‏/03‏/2013

سلمة بن الأكوع صحابي يسبق الخيل


سلمة بن الأكوع رضي الله عنه أول عداء رياضي في الإسلام : 

غزوة ذي قرد 6 هـ 


هذه الغزوة تعتبر كلها للصحابي الجليل سلمة بن الأكوع الذي يعتبر بحق أسد الأسود وانظر كيف كان فعل هذا الصحابي تجاه الأمر الواقع, انطلق سلمة وحده خلف العدو وهم بالمئات وهو وحده على قدميه, وكان أسرع العرب حتى أنه كان يسبق الخيل على قدميه . 

هذه الغزوة كانت قبل فتح خيبر بثلاث ليالٍ ، حينما أوكل النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذر بن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه أمر تلك الإبل ، فقام عيينة بن حصن الفزاري - وفي رواية : عبدالرحمن بن عيينة - بالإغارة ليلاً على تلك الإبل فأخذها ، وقتل راعيها ، وسبى امرأته .
وعندما أُذّن لصلاة الفجر ، أسرع غلامٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سلمة بن الأكوع رضي الله عنه ليخبره بما فعلته هذه العصابة في إبل المسلمين ، فما كان من سلمة إلا أن ارتقى مرتفعاً من الأرض ليصرخ بأعلى صوته ؛ مستنجداً بالمسلمين كي يهبوا للذود عن أملاكهم ، وقد جاء في رواية البخاري : " فصرخت ثلاث صرخات : يا صباحاه ، فأسمعت ما بين لابتي المدينة " .
فلما بلغ الخبر رسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة ، تأهب هو وأصحابه للجهاد ، ونودي : يا خيل الله اركبي ، وكان أول ما نودي بها ، فكانت هذه الغزوة ، وهي أول غزوة بعد الحديبية وقبل خيبر .
وركب رسول الله مقنعاً في الحديد ، فكان أول من قدم إليه المقداد بن عمرو في الدرع والمغفر ، فعقد له رسول الله صلى الله عليه وسلم اللواء في رمحه ، وقال امض حتى تلحقك الخيول ، إنا على أثرك ، واستخلف رسول الله ابن أم مكتوم على المدينة .
وكان أسرع القوم انطلاقا إلى أولئك الأعراب سلمة بن الأكوع رضي الله عنه ، إذ تذكر روايات السيرة انطلاقه مسرعاً إلى القوم بمجرّد أن استصرخ بالمسلمين ، كما تشير مصادر السيرة إلى أنه كان أسرع الناس عدواً ، حتى إنه لحق القوم على رجليه ، فأدركهم وهم يستقون الماء ، فجعل يرميهم بالنبل ، وكان رامياً ، ويقول : " خذها وأنا ابن الأكوع ، واليوم يوم الرضع " يعني : واليوم يوم هلاك اللئام .
ولم يزل يرميهم ويثخنهم بالجراح حتى ألجأهم إلى مضيقٍ في الجبل ، فارتقى سلمة الجبل وجعل يرميهم بالحجارة فانطلقوا هاربين ، ولما اشتدّ بهم العطش قصدوا ماءً ليشربوا منها ، فمنعهم سلمة بسهامه ، وهكذا توالت سهامه عليهم حتى ألقوا بالكثير من متاعهم التي أثقلتهم عن الهروب ، وكانوا كلما ألقوا شيئا وضع عليه علامة كي يعرفها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، واستمر على ذلك طيلة اليوم حتى استنقذ منهم بعض الإبل ، وثلاثين بردة .
ثم لحق الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه بسلمة بن الأكوع في المساء ، واستمر مجئ الإمداد من المدينة ، ولم تزل الخيل تأتي والرجال على أقدامهم وعلى الإبل ، حتى انتهوا إلى رسول الله بذي قرد، فلما رآهم القوم فروا هاربين ، واستعاد المسلمون الإبل كلها ، كما ثبت في الصحيحين .
وأثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة على بعض أصحابه كما في صحيح مسلم، فقال: (خير فرساننا اليوم أبوقتادة ، وخير رجالتنا سلمة ) ، وأعطى سلمة سهمين ، سهم الفارس وسهم الراجل ، وأردفه وراءه على العضباء في الرجوع إلى المدينة ،
وذلك لما امتاز به سلمة رضي الله عنه في هذه الغزوة . 

17‏/01‏/2013

قصيدة ... الثورة العراقية
محمد مهدي الجواهري 3-3-1434 هـ

لعل الذي ولى من الدهر راجع *** فلا عيش إن لم تبق إلا المطامع
غرور يمنينا الحياة : وصفوها *** سراب وجنات الأماني بلاقع
نسر بزهو من حياة كذوبة *** كما افتر عن ثغر المحب مخادع
هو الدهر قارعه يصاحبك صفوه *** فما صاحب الأيام إلا المقارع
إلى ما التواني في الحياة وقد قضى *** على المتواني الموت هذا التنازع
ألم تر أن الدهر صنفان أهله *** أخو بطنه مما يعد وجائع
إذا أنت لم تأكل أكلت ، وذلة *** عليك بأن تنسى وغيرك شائع
تحدث أوضاع العراق بنهضة *** ترددها أسواقه والشوارع
وصرخة أغيار لإنهاض شعبهم *** وإنعاشه تستك منها المسامع
لنا فيك يانشء العراق رغائب *** أيسعف فيها دهرنا أم يمانع
ستأتيك يا طفل العراق قصائدي *** وتعرف فحواهن إذ أنت يافع
ستعرف ما معنى الشعور وكم جنت *** لنا موجعات القلب هذي المقاطع
بني الوطن المستلفت العين حسنه *** أباطحه فينانة والمتالع
يروي ثراه " الرافدان " وتزدهي *** حقول على جنبيها ومزارع
تغذيه أنفاس النسيم عليلة *** تذيع شذاهن الجبال الفوارع
أأسلمتوه وهو عقد مضنة *** يناضل عن أمثاله ويدافع
وقد خبروني أن في الشرق وحدة *** كنائسه تدعو فتبكي الجوامع
وقد خبروني أن للعرب نهضة *** بشائر قد لاحت لها وطلائع
وقد خبروني أن مصر بعزمها *** تناضل عن حق لها وتدافع
وقد خبروني أن في الهند جذوة *** تهاب إذا لم يمنع الشر مانع
هبوا أن هذا الشرق كان وديعة *** " فلابد يوماً أن ترد الودائع "
ويوم نضت فيه الخمول غطارف *** يصان الحمى فيهم وتحمى المطالع
تشوقهم للعز نهضة ثائـر *** حنين ظماء أسلمتها المشارع
هم افترشوا خد الذليل وأوطئت *** لأقدامهم تلك الخدود الضوارع
لقد عظموا قدرا وبطشا وإنما *** على قدر أهليها تكون الوقائع
وما ضرهم نبوا السيوف وعندهم *** عزائم من قبل السيوف قواطع
إذا استكرهوا طعم الممات فأبطأوا *** أتيح لهم ذكر الخلود فسارعوا
وفي الكوفة الحمراء جاشت مراجل *** من الموت لم تهدأ وهاجت زعازع
أديرت كؤوس من دماء بريئة *** عليها من الدمع المذال فواقع
هم أنكأوا قرحا فأعيت أساته *** وهم اوسعوا خرقا فأعوز راقع
بكل مشب للوغى يهتدى به *** كما لاح نجم في الدجنة ساطع
ومما دهاني والقلوب ذواهل *** هناك وطير الموت جاث وواقع
وقد سدت الأفق العجاجة والتقت *** جحافل يحدوها الردى وقطائع
وقد بح صوت الحق فيها فلم يكن *** ليسمع ، إلا ما تقول المدافع
كمي مشى بين الكمات وحوله *** نجوم بليل من عجاج طوالع
يعلمهم فوز الأماني ولم تكن *** لتجهله لكن ليزداد طامع
وما كان حب الثورة اقتاد جمعهم *** إلى الموت لولا أن تخيب الذرائع
هم استسلموا للموت ، والموت جارف *** وهم عرضوا للسيف ، والسيف قاطع
بباخرة فيها الحديد معاقل *** تقيها وأشباح المنايا مدارع
وإن أنس لا أنس " الفرات " وموقفا *** به مثلت ظلم النفوس الفظائع
غداة تجلى الموت في غير زية *** وليس كراء في التهيب سامع
تسير وألحاظ البروق شواخص *** إليها وأمواج البحار توابع
تراها بيوم السلم في الحسن جنة *** بها زخرفت للناظرين البدائع
على أنها والغدر ملء ضلوعها *** على النار منها قد طوين الأضالع
مدرعة الأطراف تحمي حصونها *** كمأة بطيات الحديد دوارع
ألا لا تشل كف رمتها بثاقب *** حشتة المنايا فهو بالموت ناقع
من اللآء لا يعرفن للروح قيمة *** سواء لديها شيب ورضائع
فواتك كم ميلن من قدر معجب *** كما ميل الخد المصعر صافع
أتتها فلم تمنع رداها حصونها *** وليس من الموت المحتم دافع
هنالك لو شاهدتها حين نكست *** كما خر يهوي للعبادة راكع
هوت فهوى حسن وظلم تمازجا *** بها وانطوى مرأى مروع ورائع
فان ذهبت طي الرياح جهودنا *** فعرضك يا أبناء يعرب ناصع
ثبت وحسب المرء فخراً ثباته *** " كما ثبتت في الراحتين الأصابع "
ومحي لليل التم يحمي بطرفه *** ثغوراً أضاعتها العيون الهواجع
تكاد ، إذا ما طالع الشهب هيبة *** تخر لمرآه النجوم الطوالع
مدبر رأي كلف الدهر همه *** فناء بما أعيا به وهو ظالع
مهيب إذا رام البلاد بلفظة *** تدانت له أطرافهن الشواسع
" ينام باحدى مقلتيه ويتقي *** بأخرى الأعادي فهو يقظان هاجع "
يحف به كل أبن عم إذا رنا *** إلى الحي ردت مقلتيه المدامع
يرى أينما جال اللحاظ مهاجما *** يصول وما في الحي عنه مدافع
تثـور به للمـوت أبيـة *** وتأبى سوى عاداتهن الطبائع
يطارحه وقع السيوف إذا مشى *** كما طارح المشتاق في الأيك ساجع
وقد راعني حول الفرات منازل *** تخلين عن ألافها ، ومرابع
دزائر من بعد الأنيس توحشت *** وكل مقام بعد أهليه ضائع
جرى ثائراً ماء الفرات فما ونى *** عن العزم يوماً موجه المتدافع
حرام عليكم ورده ما تزاحمت *** على سفحه تلك الوحوش الكوارع
هم وجدوا حول الفرات أمانياً *** لطافاً أضلتها نفوس نوازع
ولو قد أمدته السيوف بحدها *** لغص بموار من الدم كارع
ومهر المنى سوق من الموت حرة *** بها يرخص النفس العزيزة بائع
فلا توحدوه إنه يستمدكم *** بأنفاسه تياره المتتالع
على أي عذر تحملون وقد نهت *** قوانينكم عن فعلكم والشرائع
على رغم روح الطهر عيسى أذلتم *** براء ذماء هونتها الفظائع
فيا وطني إن لم يحن رد فائت *** عليك فان الدهر ماض وراجع
وأحلامنا منها صحيح وكاذب *** وأيامنا منهن معط ومانع
كما فرق الشمل المجمع حادث *** فقد يجمع الشمل المفرق جامع
وما طال عصر الظلم إلا لحكمة *** تنبيء أن لابد تدنو المصارع

02‏/01‏/2013

يا حاملة القرآن

هاتي المداد وهاتي يا ابنتـي القلما *** هاتي القراطيس هاك الشعر مبْتسِما
ولْتنْثـري الزهـر في أرجاء قافيتـي *** يفوحُ عطـراً يُزِيـلُ الهمَّ والألمـا
وسطري أحــرفاً بالعــز شامخة *** وبالسعــادة قومي سطـري الكَلِمَـا
فهـذه أختنـا في الله قد حفظت *** كتاب ربي تَعَلَّـتْ يا ابنتي القِمَمَــا
قولي لها يا رعـاك اللهُ إن أبـي *** يكاد من حزنه يبكي الدمــوعَ دَما
لِمَا يَـرى للفتـاة اليـوم من سفـه *** وغفلـةٍ اشعلـت في قلبـه الحِمَمَا
قد غرهـا داعجُ العينـين فانفلتـتْ *** بنعمـة الله تغــزو الحلَّ والحَرمَا
فكم أصـابت فتى يشكـو صبابته *** يشكو من العشـق يشكو الهمَّ والسقما
وكم بهـا من مطيــعٍ ضـلّ وجهتــه *** وإذ به بعـد نور يقصـد الظُلُما
كـم من أبٍ ضيّـــع الأولاد سبتهـا *** وزوجـةٍ طُلّقت والبيـت قد هُدما
قولي لها يا فتـاة الـدين إن أبي *** قد سـره منكـمُ يا أخـتًُ ما علما
وأنه اليوم في بشـرٍ وفي دعــةٍ *** وودع الهـــمّ والأحـزان والسأما
فقـد أتاه بشــيرٌ طاب معــدنه *** بأن حفظـكِ للقـرآن قد خُتِمــَا
الله أكـبر تعظيمـــاً ورددهـا *** لله درك أحييتـي بنــا الهممـا
يا بنت عائشَ يا أختـاً لفــاطمــة *** ذكرتنا عز عصـرٍ غاب وانصرما
أحييت في داخلـي عرقاً أحِـسُ به *** لولاك أجْـزِمُ أن العـرق ما سلما
لله درك في عصـر تعـجُّ بـــه *** مفاتن تأســـرُ الألبـابَ والحُلُمَـا
يا من حملتي كتاب الله في زمـن *** تغزو الأغاني به الأشراف والخدما
إليـك مني كُليمَـاتٍ أسطـرها *** وربّ حامِلِ فهْــم للـذي فَهِمـــَا
فداومـي حفظـكِ للآي يا أملي *** ولا تعـودي وسيري دائمـاً قُـدُمَا
ولْتعملـي بكتـاب الله راجيــة *** في جنةِ الخلــدِ منه الأجر والنعما
وترتقي منزلاً يعلـو على قلمي *** والشعرُ يعجـزُ عن وصف له عَظُما
ويُلبـسُ الوالـدن التاج في غدهـم *** جزاء حفظـكِ من ربِّ الورى كرمـا
وتهنأي بالــذي قد نلـتِ حافظـة *** عالي الجنـان وربُّ العرش قد رحما
عليك أختاه بالإخـلاص وانتبهـي *** من أن ترائـي بذاك العُرْب والعَجَما
وترْجِمـي الآي في قــولٍ وفي خُلُـق *** وفي حيـاتكِ كـوني قدوةً عَلمـا
ولا يكـن همـكِ الدنيـا وزينتهـا *** فتحصدي في الحساب اللــْوم والندما
يا مـن حملت كتاب الله حُـقَّ لنــا *** بأن نبـاهي بكِ الأمصارَ والأممـا
إنّي أرى الشمـس في الآفاق مشرقة *** واسمعُ الطير تشـدو اللحن والنغما
وانظر الأمة الثكـلى وقد نهضـتْ *** وثبــتتْ في طـريق العـزةِ القدما
هذا الـذي نبتغـي يا نصـف أمتنا *** لا نبتغي القصَّ والموضـات والهُـدُما
نريـد منكنَّ عقـلاً نيـراً وبــه *** نرقى أخيّــاتنا العليــاء والشَمما
يا نجمة تتــلالا في تألقهــا *** تأبى الوهاد وترقـى بالشمـوخ سما
أهديتُكِ الشعر تقـديراً ومكْـرُمةً *** وفيكِ شـرفتُ هذا الحـبرَ والقلمـا. 
منقول .

16‏/11‏/2012


فوائد ودروس وعبر  من هجرة سيد البشر
1 ـ الهجرة من سنن الرسل الكرام :
إن الهجرة في سبيل الله سنة قديمة ، ولم تكن هجرة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بدعاً في حياة الرسل لنصرة عقائدهم ، فلئن كان قد هاجر من وطنه ومسقط رأسه من أجل الدعوة حفاظاً عليها وإيجاد بيئة خصبة تتقبلها وتستجيب لها وتذود عنها ، فقد هاجر عدد من إخوانه من الأنبياء قبله من أوطانهم لنفس الأسباب التي دعت نبينا للهجرة .
وذلك أن بقاء الدعوة في أرض قاحلة لا يخدمها بل يعوق مسارها ويشل حركتها ، وقد يعرضها للانكماش داخل أضيق الدوائر ، وقد قص علينا القرآن الكريم نماذج من هجرات الرسل وأتباعهم من الأمم الماضية لتبدو لنا في وضوح سنة من سنن الله في شأن الدعوات يأخذ بها كل مؤمن من بعدهم إذا حيل بينه وبين إيمانه وعزته، واستخف بكيانه ووجوده واعتدي على مروءته وكرامته(1).
 2 ـ الصراع بين الحق والباطل صراع قديم وممتد :
وهو سنة إلهية نافذة ، قال عز وجل : ﴿ الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولوا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز ﴾ (سورة الحج ، الآية:40).
ولكن هذا الصراع معلوم العاقبة : ﴿ كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز ﴾(المجادلة: الآية21) .
 3ـ مكر خصوم الدعوة بالداعية أمر مستمر متكرر ، سواء عن طريق الحبس أو القتل أو النفي والإخراج من الأرض ، وعلى الداعية أن يلجأ إلى ربه وأن يثق به ويتوكل عليه ويعلم أن المكر السيء لا يحيق إلا بأهله(2)، كما قال عز وجل: ﴿ وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين﴾ (سورة الأنفال: الآية 30) .
ومن مكر أهل الباطل وخصوم الدعوة استخدام سلاح المال لإغراء النفوس الضعيفة للقضاء على الدعوة والدعاة ولذلك رصدوا مائة ناقة لمن يأتي بأحد المهاجرين حياً أو ميتاً، فتحرك الطامعون ومنهم سراقة ، الذي عاد بعد هذه المغامرة  الخاسرة مادياً بأوفر ربح وأطيب رزق، وهو رزق الإيمان، وأخذ يعمي الطريق على الطامعين الآخرين الذين اجتهدوا في الطلب، وهكذا يرد الله عن أوليائه والدعاة(3) ، قال تعالى: ﴿ إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون ﴾ (الأنفال : الآية 36) .
4ـ الإيمان بالمعجزات الحسية :
وفي هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وقعت معجزات حسية، وهي دلائل ملموسة على حفظ الله ورعايته لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن ذلك ـ على ما روي ـ نسيج العنكبوت على فم الغار ، ومنها ما جرى لرسول الله صلى الله عليه وسلم مع أم معبد ، وما جرى له مع سراقة، ووعده إياه بأن يلبس سواري كسرى، فعلى الدعاة أن لا يتنصلوا من هذه الخوارق، بل يذكروها ما دامت ثابتة بالسنة النبوية، على أن ينبهوا الناس على أن هذه الخوارق هي من جملة دلائل نبوته ورسالته عليه السلام(4).
 5 ـ جواز الاستعانة بالكافر المأمون :
ويجوز للدعاة أن يستعينوا بمن لا يؤمن بدعوتهم ما داموا يثقون بهم ويأتمنوهم على ما يستعينون به معهم ، فقد رأينا أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر استأجرا مشركاً ليدلهم على طريق الهجرة ودفعا إليه راحلتيهما وواعداه عند غار ثور، وهذه أمور خطيرة أطلعاه عليها ، ولا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه وثقا به وأمناه ، مما يدل على أن الكافر أو العاصي أو غير المنتسب إلى الدعاة قد يوجد عند هؤلاء ما يستدعي وثوق الدعاة بهم ، كأن تربطهم رابطة القرابة أو المعرفة القديمة أو الجوار أو عمل معروف كان قد قدمه الداعية لهم . أو لأن هؤلاء عندهم نوع جيد من الأخلاق الأساسية مثل الأمانة وحب عمل الخير إلى غير ذلك من الأسباب ، والمسألة تقديرية يترك تقديرها إلى فطنة الداعي ومعرفته بالشخص(5).
 6 ـ دور المرأة في الهجرة :
وقد لمعت في سماء الهجرة أسماء كثيرة كان لها فضل كبير ونصيب وافر من الجهاد : منها عائشة بنت أبي بكر الصديق التي حفظت لنا القصة ووعتها وبلغتها للأمة ، وأم سلمة المهاجرة الصبور ، وأسماء ذات النطاقين(6) التي ساهمت في تموين الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبه في الغار بالماء والغذاء، وكيف تحملت الأذى في سبيل الله ؟ فقد حدثتنا عن ذلك فقالت : لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه أتانا نفر من قريش ، فيهم أبو جهل بن هشام ، فوقفوا على باب أبي بكر ، فخرجت إليهم فقالوا: أين أبوك يا بنت أبي بكر؟ قالت: قلت: لا أدري والله أين أبي؟ قالت: فرفع أبو جهل يده ـ وكان فاحشاً خبيثاً ـ فلطم خدي لطمة طرح منها قرطي قالت: ثم انصرفوا)(7).
فهذا درس من أسماء رضي الله عنها تعلمه لنساء المسلمين جيلاً بعد جيل كيف تخفي أسرار المسلمين من الأعداء ، وكيف تقف صامدة شامخة أمام قوى البغي والظلم؟ وأما درسها الثاني البليغ ، فعندما دخل عليها جدها أبو قحافة ، وقد ذهب بصره، فقال : والله إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه ، قالت : كلا يا أبت، ضع يدك على هذا المال. قالت: فوضع يده عليه ، فقال: لا بأس ، إذا كان ترك لكم هذا فقد أحسن، وفي هذا بلاغ لكم . ولا والله ما ترك لنا شيئاً ، ولكني أردت أن أسكن الشيخ بذلك)(8).
وبهذه الفطنة والحكمة سترت أسماء أباها ، وسكنت قلب جدها الضرير ، من غير أن تكذب ، فإن أباها قد ترك لهم حقاً هذه الأحجار التي كومتها لتطمئن لها نفس الشيخ! إلا أنه قد ترك لهم معها إيماناً بالله لا تزلزله الجبال، ولا تحركه العواصف الهوج ، ولا يتأثر بقلة أو كثرة في المال ، وورثهم يقيناً وثقه به لا حد لها، وغرس فيهم همة تتعلق بمعالي الأمور ، ولا تلتفت إلى سفاسفها ، فضرب بهم للبيت المسلم مثالاً عز أن يتكرر ، وقل أن يوجد نظيره.
لقد ضربت أسماء رضي الله عنها بهذه المواقف لنساء وبنات المسلمين مثلاً هن من أمس الحاجة إلى الاقتداء به، والنسج على منواله .
وظلت أسماء مع إخوتها في مكة ، لا تشكو ضيقاً ، ولا تظهر حاجة ، حتى بعث النبي صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة وأبا رافع مولاه ، وأعطاهما بعيرين وخمسمائة درهم إلى مكة فقدما عليه بفاطمة وأم كلثوم ابنتيه ، وسودة بنت زمعة زوجه، وأسامة بن زيد ، وأم بركة المكناة بأم أيمن ، وخرج معهما عبدالله بن أبي بكر بعيال أبي بكر ، فيهم عائشة وأسماء ، فقدموا المدينة ، فأنزلهم في بيت حارثة بن النعمان(9).
 7 ـ أد الأمانة إلى من ائتمنك كانت أمانات المشركين عند رسول الله صلى الله عليه وسلم:
وفي إيداع المشركين ودائعهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم مع محاربتهم له وتصميمهم على قتله دليل باهر على تناقضهم العجيب الذي كانوا واقعين فيه، ففي الوقت الذي كانوا يكذبونه ويزعمون أنه ساحر أو مجنون أو كذاب لم يكونوا يجدون فيمن حولهم من هو خير منه أمانة وصدقاً ، فكانوا لا يضعون حوائجهم ولا أموالهم التي يخافون عليها إلا عنده! وهذا يدل على أن كفرانهم لم يكن بسبب الشك لديهم في صدقه ، وإنما بسبب تكبرهم واستعلائهم على الحق الذي جاء به ، وخوفاً على زعامتهم وطغيانهم(10) ، وصدق الله العظيم : ﴿ قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ﴾ (سورة الأنعام: الآية33).
وفي أمر الرسول صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه بتأدية هذه الأمانات لأصحابها في مكة ، رغم هذه الظروف الشديدة التي كان من المفروض أن يكتنفها الاضطراب ، بحيث لا يتجه التفكير إلا إلى إنجاح خطة هجرته فقط، رغم ذلك فإن الرسول صلى الله عليه وسلم ما كان لينسى أو ينشغل عن رد الأمانات إلى أهلها، حتى ولو كان في أصعب الظروف التي تنسي الإنسان نفسه فضلاً عن غيره(11).
8 ـ اليد العليا في الدعوة خير من اليد السفلى :
لم يقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يركب الراحلة حتى أخذها بثمنها من أبي بكر رضي الله عنه واستقر الثمن ديناً بذمته ، وهذا درس واضح بأن حملة الدعوة ما ينبغي أن يكونوا عالة على أحد في وقت من الأوقات ، فهم مصدر العطاء في كل شيء .
إن يدهم إن لم تكن العليا فلن تكن السفلى ، وهكذا يصر عليه السلام أن يأخذها بالثمن وسلوكه ذلك هو الترجمة الحقة لقوله تعالى: ﴿ وما أسالكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين ﴾ (سورة الشعراء: الآية109) .
إن الذين يحملون العقيدة والإيمان ويبشرون بهما ما ينبغي أن تمتد أيديهم إلى أحد ـ إلا الله ـ لأن هذا يتناقض مع ما يدعون إليه وقد تعود الناس أن يعوا لغة الحال لأنها أبلغ من لغة المقال ، وما تأخر المسلمون وأصابهم ما أصابهم من الهوان إلا يوم أصبحت وسائل الدعوة والعاملين بها خاضعة للغة المادة ، ينتظر الواحد منهم مرتبة ، ويومها تحول العمل إلى عمل مادي فقد الروح والحيوية والوضاءة ، وأصبح للأمر بالمعروف موظفون ، وأصبح الخطباء موظفين ، وأصبح الأئمة موظفين .
إن الصوت الذي ينبعث من حنجرة وراءها الخوف من الله والأمل في رضاه غير الصوت الذي ينبعث ليتلقى دراهم معدودة ، فإذا توقفت توقف الصوت، وقديماً قالوا: ليست النائحة كالثكلى ولهذا قل التأثير وبعد الناس عن جادة الصواب(12).
 9 ـ عفة الداعية عن أموال الناس :
لما عفا النبي صلى الله عليه وسلم عن سراقة عرض عليه سراقة المساعدة فقال: (وهذه كنانتي فخذ منها سهماً فإنك ستمر بإبلي وغنمي في موضع كذا وكذا فخذ منها حاجتك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا حاجة لي فيها)(13).
فحين يزهد الدعاة فيما عند الناس يحبهم الناس ، وحين يطمعون في أموال الناس ينفر الناس عنهم ، وهذا درس بليغ للدعاة إلى الله تعالى(14).
 10 ـ جندية منقطعة النظير:
تظهر أثر التربية النبوية في جندية أبي بكر الصديق وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه ، فأبو بكر رضي الله عنه عندما أراد أن يهاجر إلى المدينة وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لا تعجل لعل الله يجعل لك صاحباً) فقد بدأ في الإعداد والتخطيط للهجرة (فابتاع راحلتين واحتبسهما في داره يعلفهما إعداداً لذلك) وفي رواية البخاري، وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر ـ وهو الخبط ـ أربعة أشهر) . لقد كان يدرك بثاقب بصره رضي الله عنه وهو الذي تربى ليكون قائداً ، أن لحظة الهجرة صعبة قد تأتي فجأة ولذلك هيأ وسيلة الهجرة ، ورتب تموينها ، وسخر أسرته لخدمة النبي صلى الله عليه وسلم ، وعندما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره أن الله قد أذن له في الخروج والهجرة، بكا من شدة الفرح وتقول عائشة رضي الله عنها في هذا الشأن : فوالله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحداً يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ , إنها قمة الفرح البشري؛ أن يتحول الفرح إلى بكاء ، كما قال الشاعر عن هذا :
ورد الكتاب من الحبيب بأنـه        سيزورني فاستعبرت أجفاني
غلب السرور علي حتى إنـني       من فرط ما قد سرني أبكاني
يا عين صار الدمع عندك عادة       تبكين من فرح ومن أحزاني
فالصديق رضي الله عنه يعلم أن معنى هذه الصحبة ، أنه سيكون وحده برفقة رسول رب العالمين بضعة عشر يوماً على الأقل وهو الذي سيقدم حياته لسيده وقائده وحبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم فأي فوز في هذا الوجود يفوق هذا الفوز : أن يتفرد الصديق وحده من دون أهل الأرض ومن دون الصحب جميعاً برفقة سيد الخلق وصحبته كل هذه المدة(15)، وتظهر معاني الحب في الله في خوف أبي بكر وهو في الغار من أن يراهما المشركون ليكون الصديق مثلاً لما ينبغي أن يكون عليه جندي الدعوة الصادق مع قائده الأمين حين يحدق به الخطر من خوف وإشفاق على حياته؛ فما كان أبو بكر ساعتئذ بالذي يخشى على نفسه الموت، ولو كان كذلك لما رافق رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الهجرة الخطيرة وهو يعلم أن أقل جزائه القتل إن أمسكه المشركون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنه كان يخشى على حياة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ، وعلى مستقبل الإسلام إن وقع الرسول صلى الله عليه وسلم في قبضة المشركين(16) ، ويظهر الحس الأمني الرفيع للصديق في هجرته مع النبي صلى الله عليه وسلم في مواقف كثيرة منها؛ حين أجاب السائل : من هذا الرجل الذي بين يديك؟ فقال: هذا هاد يهديني السبيل ، فظن السائل بأن الصديق يقصد الطريق، وإنما كان يقصد سبيل الخير ، وهذا يدل على حسن استخدام أبي بكر للمعاريض فراراً من الحرج أو الكذب(17) وفي إجابته للسائل تورية وتنفيذ للتربية الأمنية التي تلقاها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لأن الهجرة كانت سراً وقد أقره الرسول صلى الله عليه وسلم على ذلك(18) ، وفي موقف علي بن أبي طالب مثال للجندي الصادق المخلص لدعوة الإسلام ، حيث فدى قائده بحياته ، ففي سلامة القائد سلامة للدعوة، وفي هلاكه خذلانها ووهنها ، فما فعله علي رضي الله عنه ليلة الهجرة من بياته على فراش الرسول صلى الله عليه وسلم ، إذ كان من المحتمل أن تهوي سيوف فتيان قريش على رأس علي رضي الله عنه ولكن علياً رضي الله عنه لم يبال بذلك, فحسبه أن يسلم رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم نبي الأمة وقائد الدعوة(19).
11 ـ حسن القيادة والرفق في التعامل :
يظهر الحب العميق الذي سيطر على قلب أبي بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة ، كما يظهر حب سائر الصحابة أجمعين في سيرة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم وهذا الحب الرباني كان نابعاً من القلب، وبإخلاص ، لم يكن حب نفاق أو نابعاً من مصلحة دنيوية ، أو رغبة في منفعة أو رهبة لمكروه قد يقع ، ومن أسباب هذا الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم صفاته القيادية الرشيدة ، فهو يسهر ليناموا ، ويتعب ليستريحوا، ويجوع ليشبعوا ، كان يفرح لفرحهم ويحزن لحزنهم ، فمن سلك سنن الرسول صلى الله عليه وسلم مع صحابته ، في حياته الخاصة والعامة ، وشارك الناس في أفراحهم وأتراحهم وكان عمله لوجه الله أصابه من هذا الحب إن كان من الزعماء أو القادة أو المسئولين في أمة الإسلام(20).
وصدق الشاعر الليبي عندما قال :
فإذا أحب الله باطن عبده            ظهرت عليه مواهب الفتاح
وإذا صفت لله نية مصلح            مال العباد عليه بالأرواح(21)
إن القيادة الصحيحة هي التي تستطيع أن تقود الأرواح قبل كل شيء وتستطيع أن تتعامل مع النفوس قبل غيرها ، وعلى قدر إحسان القيادة يكون إحسان الجنود وعلى قدر البذل من القيادة يكون الحب من الجنود ، فقد كان صلى الله عليه وسلم رحيماً وشفوقاً بجنوده وأتباعه ، فهو لم يهاجر إلا بعد أن هاجر معظم أصحابه، ولم يبق إلا المستضعفين والمفتونين ومن كانت له مهمات خاصة بالهجرة(22).
 12 ـ استمرار الدعوة في أحلك الظروف :
أ ـ في الطريق أسلم بريدة الأسلمي رضي الله عنه في ركب من قومه :
إن المسلم الذي تغلغلت الدعوة في شغاف قلبه لا يفتر لحظة واحدة عن دعوة الناس إلى دين الله تعالى ، مهما كانت الظروف قاسية والأحوال مضطربة ، والأمن مفقود ، بل ينتهز كل فرصة مناسبة لتبليغ دعوة الله تعالى ، هذا نبي الله تعالى يوسف عليه السلام حينما زج به في السجن ظلماً ، واجتمع بالسجناء في السجن، فلم يندب حظه ، ولم تشغله هذه الحياة المظلمة عن دعوة التوحيد وتبليغها للناس ومحاربة الشرك وعبادة غير الله والخضوع لأي مخلوق قال تعالى : ﴿ قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون يا صاحبي السجن ءأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وءاباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ (سورة يوسف: الآيات37-40) .
وسورة يوسف عليه السلام مكية ، وقد أمر الله تعالى رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم أن يقتدي بالأنبياء والمرسلين في دعوته إلى الله وذلك نجده صلى الله عليه وسلم في هجرته من مكة إلى المدينة وقد كان مطارداً من المشركين قد أهدروا دمه وأغروا المجرمين منهم بالأموال الوفيرة ليأتوا برأسه حياً أو ميتاً ، ومع هذا فلم ينس مهمته ورسالته ، فقد لقي صلى الله عليه وسلم في طريقه رجلاً يقال له بريدة بن الحصيب الأسلمي رضي الله عنه في ركب من قومه ، فدعاهم إلى الإسلام فآمنوا وأسلموا(23).
وذكر ابن حجر العسقلاني ـ رحمه الله ـ : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم في طريق هجرته إلى المدينة لقي بريدة بن الحصيب بن عبدالله بن الحارث الأسلمي، فدعاه إلى الإسلام، وقد غزا مع الرسول صلى الله عليه وسلم ست عشرة(24) غزوة وأصبح بريدة بعد ذلك من الدعاة إلى الإسلام وفتح الله لقومه أسلم على يديه أبواب الهداية* ، واندفعوا إلى الإسلام وفازوا بالوسام النبوي الذي نتعلم منه منهجاً فريداً في فقه النفوس(25) قال صلى الله عليه وسلم: (أسلم سالمها الله ، وغفار غفر الله لها ، أما والله ما أنا قلته ولكن الله قال)(26) .
 ب ـ وفي طريق الهجرة أسلم لصان على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم :
كان في طريقه صلى الله عليه وسلم بالقرب من المدينة لصان من أسلم يقال لهما المهانان ، فقصدهم صلى الله عليه وسلم وعرض عليهما الإسلام فأسلما ثم سألهما عن أسمائهما فقالا نحن المهانان ، فقال : بل المكرمان ، وأمرهما أن يقدما عليه المدينة(27) ، وفي هذا الخبر يظهر اهتمامه صلى الله عليه وسلم بالدعوة إلى الله حيث اغتنم فرصة في طريقه ودعا اللصين إلى الإسلام ، فأسلما ، وفي إسلام هذين اللصين مع ما ألفاه من حياة البطش والسلب والنهب دليل على سرعة إقبال النفوس على اتباع الحق إذا وجد من يمثله بصدق وإخلاص ، وتجردت نفس السامع من الهوى المنحرف ، وفي اهتمام الرسول صلى الله عليه وسلم بتغيير اسمي هذين اللصين من المهانين إلى المكرمين دليل على اهتمامه صلى الله عليه وسلم بسمعة المسلمين ومراعاته مشاعرهم إكراماً لهم ورفعاً لمعنوياتهم .
وإن في رفع معنوية الإنسان تقوية لشخصيته ودفعاً له إلى الأمام ليبذل كل طاقته في سبيل الخير والفلاح(28).
 13 ـ أهمية العقيدة والدين في إزالة العداوة والضغائن :
إن العقيدة الصحيحة السليمة والدين الإسلامي العظيم لهم أهمية كبرى في إزالة العداوات والضغائن ، وفي التأليف بين القلوب والأرواح ، وهو دور لا يمكن لغير العقيدة الصحيحة أن تقدم به وها قد رأينا كيف جمعت العقيدة الإسلامية بين الأوس والخزرج ، وأزالت آثار معارك استمرت عقوداً من الزمن ، وأغلقت ملف العقيدة في نفوس الأنصار ، فاستقبلوا المهاجرين بصدور مفتوحة ، وتآخوا معهم في مثالية نادرة ، لا تزال مثار الدهشة ومضرب المثل ، ولا توجد في الدنيا فكرة أو شعار آخر فعل مثلما فعلت عقيدة الإسلام الصافية في النفوس .
ومن هنا ندرك السر في سعي الأعداء الدائب إلى إضعاف هذه العقيدة وتقليل تأثيرها على نفوس المسلمين ، واندفاعهم المستمر نحو تذكية النعرات العصبية والوطنية والقومية وغيرها ، وتقديمها كبديل للعقيدة الصحيحة(29).
14 ـ الحفاوة بالدعوة وحاملها :
كانت فرحة المؤمنين من سكان يثرب من أنصار ومهاجرين بقدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم ووصوله إليهم سالماً فرحة أخرجت النساء من بيوتهن والولائد، وحملت الرجال على ترك أعمالهم ، وكان موقف يهود المدينة موقف المشارك لسكانها في الفرحة ظاهراً ، والمتألم من منافسة الزعامة الجديدة باطناً ، أما فرحة المؤمنين بلقاء رسولهم ، فلا عجب فيها ، وهو الذي أنقذهم من الظلمات إلى النور ، بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد ، وأما موقف اليهود فلا غرابة فيه ، وهم الذين عرفوا بالملق والنفاق للمجتمع الذي فقدوا السيطرة عليه ، وبالغيظ والحقد الأسود على من يسلبهم زعامتهم من الشعوب ، ويحول بينهم وبين سلب آمالهم باسم القروض ، وسفك دمائها باسم النصح والمشورة ، وما زال اليهود يحقدون على كل من يخلص الشعوب من سيطرتهم ، وينتهون من الحقد إلى الدس والمؤامرات ، ثم إلى الاغتيال إن استطاعوا ، ذلك دينهم ، وتلك جبلتهم(30).
ويستفاد من استقبال المهاجرين والأنصار لرسول الله صلى الله عليه وسلم مشروعية استقبال الأمراء والعلماء ، عند مقدمهم بالحفاوة والإكرام ، فقد حدث ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان هذا الإكرام وهذه الحفاوة نابعين من حب للرسول بخلاف ما نراه من استقبال الزعماء والحكماء في عالمنا المعاصر، ويستفاد كذلك التنافس في الخير وإكرام ذوي العلم والشرف ، فقد كانت كل قبيلة تحرص أن تستضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتعرض أن يكون رجاله حراساً له ، ويؤخذ من هذا إكرام العلماء والصالحين ، واحترامهم وخدمتهم(31).
 15 ـ بين القدوة في الهجرة والتشريف في المعراج :
كانت الهجرة النبوية الشريفة على النحو الذي كانت عليه ، وسارت على الوضع الذي يسلكه كل مهاجر ، حتى توجد القدوة ، وتتحقق الأسوة ، ويسير المسلمون على نهج مألوف ، وسبيل معروف ، ولذلك ، فلم يرسل الله ـ عز وجل ـ له صلى الله عليه وسلم البراق ليهاجر عليه كما حدث في ليلة الإسراء ، مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم في يوم هجرته أحوج إلى البراق منه في أي وقت آخر؛ لأن القوم يتربصون به هنا ولم يكن هناك تربص في ليلة الإسراء ، ولو ظفروا به في هجرته لشفوا نفوسهم منه بقتله ، والحكمة في ذلك ـ والله أعلم ـ أن الهجرة كانت مرحلة طبيعية من مراحل تطور الدعوة ووسيلة من أهم وسائل نشرها وتبليغها ، ولم تكن خاصة برسول الله صلى الله عليه وسلم بل كان غيره من المؤمنين مكلفين بها ، حين قطع الإسلام الولاية(32) ، بين المهاجرين وغير المهاجرين القادرين على الهجرة ، قال تعالى: ﴿ إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل اله والذين ءاووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير ﴾ (سورة الأنفال : الآية 72) .
أما رحلة الإسراء والمعراج كانت رحلة تشريف وتقدير ، كما كانت إكراماً من الله ـ عز وجل ـ لنبيه ليطلعه على علم الغيب ويريه من آياته الكبرى ، فالرحلة من أولها إلى آخرها خوارق ومعجزات ومشاهد للغيبيات، فناسب أن تكون وسيلتها مشابهة لغايتها .
زد على ذلك أن رحلة الإسراء خصوصية للرسول صلى الله عليه وسلم ، وليس لأحد من الناس أن يتطلع لمثلها ، ولسنا مطالبين بالاقتداء به فيها ، ولذا فإن حصولها على النحو الذي كانت عليه هو أنسب الأوضاع لحدوثها(33).
 16 ـ وضوح سنة التدرج :
حيث نلاحظ : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما تقابل مع طلائع الأنصار الأولى لم يفعل سوى ترغيبهم في الإسلام وتلاوة القرآن عليهم ، فلما جاءوا في العام التالي بايعهم بيعة النساء على العبادات والأخلاق والفضائل ، فلما جاءوا في العام التالي كانت بيعة العقبة الثانية على الجهاد والنصر والإيواء(34).
وجدير بالملاحظة أن بيعة الحرب لم تتم إلا بعد عامين كاملين ، أي بعد تأهيل وإعداد استمر عامين كاملين ، وهكذا تم الأمر على تدرج ينسجم مع المنهج التربوي الذي نهجت عليه الدعوة من أول يوم(35).
إنه المنهج الذي هدى الله نبيه إلى التزامه ، ففي البيعة الأولى بايعه هؤلاء الأنصار الجدد على الإسلام عقيدة ومنهاجاً وتربية ، وفي البيعة الثانية بايعه الأنصار على حماية الدعوة ، واحتضان المجتمع الإسلامي الذي نضجت ثماره، واشتدت قواعده قوة وصلابة .
إن هاتين البيعتين أمران متكاملان ضمن المنهج التربوي للدعوة الإسلامية وإن الأمر الأول هو المضمون ، والأمر الثاني وهو بيعة الحرب هو السياج الذي يحمي ذلك المضمون ، نعم كانت بيعة الحرب بعد عامين من إعلان القوم الإسلام وليس فور إعلانهم .
بعد عامين إذ تم إعدادهم حتى غدوا موقع ثقة وأهلاً لهذه البيعة ، ويلاحظ أن بيعة الحرب لم يسبق أن تمت قبل اليوم مع أي مسلم ، إنما حصلت عندما وجدت الدعوة في هؤلاء الأنصار وفي الأرض التي يقيمون فيها المعقل الملائم الذي ينطلق منه المحاربون ، لأن مكة لوضعها عندئذ لم تكن تصلح للحرب(36).
وقد اقتضت رحمة الله بعباده (أن لا يحملهم واجب القتال ، إلى أن توجد لهم دار الإسلام ، تكون لهم بمثابة معقل يأوون إليه ، ويلوذون به ، وقد كانت المدينة المنورة أول دار الإسلام(37).
لقد كانت البيعة الأولى قائمة على الإيمان بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم والبيعة الثانية على الهجرة والجهاد ، وبهذه العناصر الثلاثة : الإيمان بالله ، والهجرة ، والجهاد ، يتحقق وجود الإسلام في واقع جماعي ممكن والهجرة لم تكن لتتم لولا وجود الفئة المستعدة للإيواء ولهذا قال تعالى :﴿ إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير﴾(سورة الأنفال : الآية 72) ، وقال تعالى : ﴿ والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم ﴾ (سورة الأنفال:75).
وقد كانت بيعة الحرب هي التمهيد الأخير لهجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة ، وبذلك وجد الإسلام موطنه الذي ينطلق منه دعاة الحق بالحكمة والموعظة (الحسنة) وتنطلق منه جحافل الحق المجاهدة أول مرة ، وقامت الدولة الإسلامية المحكمة لشرع الله(38).
 17 ـ التضحية في الهجرة :
كانت هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن البلد الأمين تضحية عظيمة عبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : (والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله ، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت)(39) .
وعن عائشة رضي الله عنها قالت : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة قدمها وهي أوبأ أرض الله في الحمى ، وكان واديها يجري نجلاً ـ يعني ماء آجناً ـ فأصاب أصحابه منها بلاء وسقم وصرف الله ذلك عن نبيه ، قال : فكان أبوبكر، وعامر بن فهيرة ، وبلال في بيت واحد ، فأصابتهم الحمى ، فاستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في عيادتهم فأذن، فدخلت إليهم أعودهم وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب وبهما ما لا يعلمه إلا الله من شدة الوعك(40)، فدنوت من أبي بكر فقلت : يا أبت كيف تجدك؟ فقال:
كل امرئ مصبح في أهله           والموت أدنى من شراك نعله
قالت : فقلت والله ما يدري أبي ما يقول : ثم دنوت من عامر بن فهيرة فقلت : كيف تجدك يا عامر؟ فقال :
لقد وجدت الموت قبل ذوقه        إن الجبان حتفه من فوقه
كل امرئ مجاهد بطوقه(41)          كالثور يحمي جلده بروقه(42)
قالت : فقلت : والله ما يدري عامر ما يقول . قالت : وكان بلال إذا أقلع عنه الحمى اضطجع بفناء البيت ثم يرفع عقيرته(43) ويقول :
ألا ليت شعري هل أبيت ليلة            بواد وحولي إذخر(44) وجليل
وهل أُرِدَن يوماً مياه مَجِنَـة            وهل يبدون لي شامة وطفيل(45)
قالت : فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال : (اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة ، أو أشد ، اللهم وصححها وبارك لنا في مدها وصاعها وانقل حماها واجعلها بالجحفة)(46).
ولا يخفى دور أم معبد رضي الله عنها في الهجرة، فكانت مكافأتها منه صلى الله عليه وسلم جزيلة. فقد استجاب الله دعاء نبيه صلى الله عليه وسلم وعوفي المسلمون بعدها من هذه الحمى، وغدت المدينة موطناً ممتازاً لكل الوافدين والمهاجرين إليها من المسلمين على تنوع بيئاتهم ومواطنهم(47) .
 18 ـ حسن المكافأة :
وقد روي أنها كثرت غنمها ونمت حتى جلبت منها جلباً إلى المدينة ، فمر أبو بكر ، فرآه ابنها فعرفه ، فقال : يا أمه هذا الرجل الذي كان مع المبارك ، فقامت إليه فقالت: يا عبدالله من الرجل الذي كان معك؟ قال : أو ما تدرين من هو؟ قالت: لا، قال : هو نبي الله ، فأدخلها عليه ، فأطعمها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطاها ـ وفي رواية : فانطلقت معي وأهدت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً من أقط ومتاع الأعراب ، فكساها وأعطاها ، قال : ولا أعلمه إلا قال : وأسلمت ، وذكر صاحب (الوفاء) أنها هاجرت هي وزوجها ، وأسلم أخوها حبيش، واستشهد يوم الفتح(48).
 19 ـ هكذا يكون الأتباع :
قال أبو بكر الأنصاري رضي الله عنه : ( ولما نزل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي نزل في السفل وأنا وأم أيوب في العلو ، فقلت له : يا نبي الله ـ بأبي أنت وأمي ـ إني لأكره وأعظم أن أكون فوقك ، وتكون تحتي ، فأظهر أنت فكن في العلو ، وننزل نحن فنكون في السفل . فقال : يا أبا أيوب: إن أرفق بنا وبمن يغشانا أن نكون في سفل البيت قال : فلقد انكسر جب لنا فيه ماء ، فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة لنا ما لنا لحاف غيرها ننشف بها الماء تخوفاً أن يقطر على رسول الله صلى الله عليه وسلم منه شيء يؤذيه(49).
 20 ـ الهجرة النبوية نقطة تحول في تاريخ الحياة :
كانت الهجرة النبوية في مكة المشرفة إلى المدينة المنورة أعظم حدث حول مجرى التاريخ ، وغير مسير الحياة ومناهجها التي كانت تحياها ، وتعيش محكومة بها في صورة قوانين ونظم وأعراف وعادات وأخلاق وسلوك للأفراد والجماعات وعقائد و تعبدات وعلم ، ومعرفة ، وجهالة وسفه ، وضلال وهدى ، وعدل وظلم(50) .
 ▲

(1)  - انظر : الهجرة في القرآن الكريم ، ص175 .
(2)  - انظر : الهجرة النبوية المباركة ، ص199 .
(3)  - نفس المصدر السابق ، ص200 .
(4)  - انظر : المستفاد من قصص القرآن (2/108) .
(5)  - انظر : الهجرة النبوية المباركة ، ص206 .
(6)  - انظر : الهجرة النبوية المباركة ، ص206 .
(7)  - انظر : الهجرة النبوية المباركة ، ص126 .
(8)  - انظر : السيرة البنوية لابن هشام (2/102) إسناده صحيح .
(9)  - انظر : الهجرة النبوية المباركة ، ص128 .
(10)  - انظر : فقه السيرة للدكتور محمد سعيد رمضان ص193 .
(11)  - انظر : الهجرة في القرآن الكريم : ص364 .
(12)  - انظر : معين السيرة : ص148 ، 149 .
(13)  - المسند (1/3) تحقيق : أحمد محمد شاكر .
(14)  - انظر : في ظلال الهجرة النبوية : ص58 .
(15) - انظر : التربية القيادية (2/191، 192) .
(16)  - السيرة النبوية دروس وعبر للسباعي ، ص71 .
(17)  - انظر : الهجرة النبوية المباركة ، ص204 .
(18)  - انظر : السيرة النبوية لأبي فارس ، ص254 .
(19)  - انظر : السيرة النبوية للسباعي ، ص68 .
(20)  - انظر : الهجرة النبوية لأبي فارس ، ص54 .
(21)  - انظر : الحركة السنوسية في ليبيا للصلابي (2/7) والشاعر هو أحدم رفيق المهدوي .
(22)  - انظر : الهجرة النبوية المباركة ، ص205 .
(23)  - انظر : الهجرة النبوية لأبي فارس ، ص59 . شرح المواهب (1/405) .
(24)  - انظر : الإصابة (1/146) .
*  - وفتح الله لقوم أسلم أبواب الهداية على يديه . لعل العبارة هكذا أوضح مما هي عليه .
(25)  - انظر : المستدرك على الصحيحين (4/92) رقم 6981 صحيح الإسناد .
(26)  - صحيح الجامع الصغير (1/338) رقم 986 .
(27)  - الفتح الرباني للساعاتي (20/289) .
(28)  - انظر : التاريخ الإسلامي للحميدي (3/178) .
(29)  - انظر : السيرة النبوية المباركة ، ص205 ..
(30)  - انظر : السيرة النبوية للسباعي ، ص43 ، الهجرة في القرآن الكريم ، ص367 .
(31)  - انظر : السيرة النبوية لأبي فارس ، ص358 ، 359 .
(32)  - انظر : الهجرة في القرآن الكريم ، ص365 .
(33)  - انظر : تأملات في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ، محمد سيد الوكيل ، ص103 ، 104 بتصرف .
(34)  - انظر : الهجرة النبوية المباركة ، ص202 .
(35)  - انظر : بناء المجتمع الإسلامي في عصر النبوة ، محمد توفيق ، ص119 .
(36)   - نفس المصدر ، ص122 ، 123 .
(37)   - انظر : فقه السيرة للبوطي ، ص172 .
(38) - انظر : الغرباء الأولون ، ص198، 199 .
(39)   - الترمذي ، كتاب المناقب ، باب فضل مكة (5/722) رقم 3925 .
(40)  - الوعك : الحمى .
(41)  - بطوقه : بطاقته .
(42)  - بروقه : بقرنه .
(43)   - عقيرته : صوته ، قال الأصمعي : إن رجلاً عقرت بجله فرفعها على الأخرى وجعل يصيح ، فصار كل من رفع صوته يقال له : رفع عقيرتهن وإن لم يرفع رجله .
(44)  - الإذخر : نبات طيب الرائحة .
(45)  - شامة وطفيل : جبلان مشرفان على مجنة على بريد مكة .
(46)   - البخاري ، كتاب الدعوات ، باب الدعاء يرفع الوباء والوجع ، رقم 6372 .
(47)  - انظر : التربية القيادية (2/310) .
(48)   - انظر السيرة النبوية لأبي شهبة (1/489 ، 490) .
(49)   - انظر : السيرة النبوية الصحيحة للعمري (1/220) .
(50)   - انظر : محمد رسول الله ، محمد الصادق عرجون (2/423) .