بسم الله الرحمن الرحيم . إذا أردت أن تحفظ القرآن وتحصل على سند ، ما عليك سوى الاتصال بنا . كما يمكنك الحفظ معنا عبر الإنترنت
إذا أردت دراسة أحد علوم اللغة أو أحد المواد الشرعية فقط راسلني .::. إذا أردت إعداد بحث لغوي أو شرعي فنحن نساعدك بإذن الله

language اللغة

English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

اذكر الله

22‏/05‏/2012

أحبك أنتِ ....رائعة جويدة في حب مصر

يقولون سافر ...رائعة جويدة في حب مصر

يقـولـون: سافر.. وجرب وحاول
ففوق الرءوس.. تـدور المعــاول
وفي الأفـق غـيم.. صراخ.. عويل
وفي الأرض بركان سخط طويـــل
وفوق الزهور يموت الجمــــــال..
وتـحت السفوح.. تئن الجـبـــــال
ويخـبو مع القهرعزم الرجــــــال
وما زلت تحمل سيفـا عتيــــقـــا..
تصارع بالحلم.. جيش الضـــلال
يـقـولون: سافر.. فمهما عشقـت
نهاية عشقك حزن ثقيــــــــــــل
ستغـدو عليها زمانـا مشـــاعـــا
فـحلمك بالصبح وهم جمـــيـــــل
فكل السواقي التي أطربــــتـــــك
تـــــــــلاشـــي غنـــــــــاهـــــــا
وكل الأماني التي أرقتـــــــــك..
نســـــــــــيت ضيـــــــــاهــــــا
ووجه الحياة القديم البــــــريء
تكسر منـك.. مضي.. لن يجيء
يقـــولـون: ســـافــــــــــــــر..
فـــمهما تـمادي بك العمر فيها
وحلـــقــت بالنـاس بين الأمــل
ستـصبح يوما نـشيدا قـديمــــا
ويطـويك بالصمت كهف الأجـل
زمانـك ولـي وأصبحت ضيفــا
ولـن ينجب الزيف.. إلا الدجــل..
يقولون سافر.. ولا يـعلمــــون
بأني أموت... وهم يضـــحكون
فمازلت أسمع عنـك الحكــايـــا
وما أسوأ الموت بين الظنــون
ويخفيـــك عني ليل طويــــــــل
أخبئ وجهك بين العيــــــــــون
وتـعطين قلبك للعـــابثيــــــــــن
ويشقـي بصدك من يخلصـــون
ويقصيك عني زمـــان لقيـــــط
ويهنأ بالوصل... من يخدعون
و أنثر عمــــــري ذرات ضــوء
وأسكـب دمي.. وهم يسكرون
و أحمل عينيك في كـــــل أرض
و أغرس حلـمي.. وهم يسرقون
تساوت لديك دماء الشـهيــــــد
وعطر الغواني وكأس المجون
ثلاثون عاما وسبع عجـــــــاف
يبيعون فيك.. ولا يخجــــــلون
فلا تتـركي الفجر للسارقيــــــن
فعار علي النيل ما يفعلــــــــون
لأنك مهما تناءيت عنــــــــــــي
وهان علي القلب ما لا يــــهون
و أصبحت فيك المغنـي القديـــم
أطوف بلحني.. ولا يسمــــعون
أموت عليك شهيدا بعشقــــــي
وإن كان عشقي بعض الجنـون
فكل البلاد التي أسكرتنـــــــــي
أراها بقلـبي.. تراتيــــــــــل نيل
وكل الجمال الذي زار عينـــــي
و أرق عمري.. ظلال النـخيـل
وكل الأماني الـتي راودتـنـــــي
و أدمت مع اليأس قلبي العليــل
رأيتك فيها شبابا حزينـــــــــــا
تسابيح شوق.. لعمر جميـــــل
يقولـــــــــــون سـافــــــــــــــر..
أمــــــــــــوت عليـــــــــــــــك..
وقبـــل الرحـــــــيــــــــــــــــــل
سأكتب سطرا وحيدا بدمــــــي
أحبــــــــــــــــك أنـــــــــــــــت..
زمانـا من الحلم.. والمستحيـل

21‏/05‏/2012

أسس الشريعة الإسلامية ومصادرها وخصائصها ومبادئها

 أسس الشريعة الإسلامية ومصادرها وخصائصها ومبادئها

أولاً : لابد من التعريف بالمصطلحات التالية : الشريعة ، الدين . 

الشريعة : 

1.لغة: يراد بها المذهب والطريقة المستقيمة،  وشرعة الماء: مورد الماء الذي يقصد

للشرب.

2. اصطلاحا: يُراد بها جميع الأحكام التي شرعها الله عز وجل لعباده عن طريق

رسول من رسله.

وسميت تلك الأحكام شريعة لاستقامتها و عدم اعوجاجها، والشريعة الإسلامية (نسبة

إلى الإسلام) هي الأحكام التي شرعها الله لعباده على لسان محمد صلى الله عليه وسلم.

وتنقسم أحكام الشريعة الإسلامية إلى ثلاثة أقسام، هي:

أ- أحكام اعتقادية : وهي المتعلقة بذات الله تعالى وصفاته، وبالإيمان به وبرسله وباليوم

الآخر وما فيه من حساب وثواب وعقاب.

ب- أحكام أخلاقية: وهي الأحكام المتعلقة بأمهات الفضائل ، كالصدق والوفاء والصبر

والأمانة...

ج- أحكام عملية : وهي الأحكام المتعلقة بأعمال الإنسان، وهي نوعان:

عبادات:  وهي الأحكام الشرعية المتعلقة بأمر الآخرة، والتي يقصد بها التقرب إلى الله

وحده، كالصلاة والصيام...

معاملات: وهي الأحكام المتعلقة بأعمال الإنسان وتصرفاته التي يقصد بها تحقيق

المصالح الدنيوية، أو تنظيم علاقته مع فرد أو مجتمع، كالبيوع والرهن والشركة.

الدين

1. لغة: يطلق على معان كثيرة، منها: الخضوع، الجزاء، الطاعة، الحساب. وقد وردت

كلمة " الدين " في القرآن الكريم بمعان عديدة، منها:

﴿ إن الدين عند الله الإسلام...﴾ (سورة آل عمران: من الآية 19) .

﴿ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك... ﴾ (سورة الشورى: من

الآية 13)

﴿ والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين ﴾ (سورة الشعراء: الآية 82)

﴿...ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ (سورة الروم: من الآية 30)

﴿ وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدين ﴾  (سورة الصافات: الآية 20)

﴿ وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء...﴾ (سورة البينة: من الآية 5)  

2. اصطلاحا: يراد بالدين طاعة العبد لله تعالى وخضوعه للأحكام التي شرعها. 

ثانياً : أسس الشريعة الإسلامية
يقوم التشريع الإسلامي على أسس وركائز فريدة تكسبه الصلاحية لكل زمان ومكان و

إنسان، وأهم تلك الأسباب ما يأتي:

أولاً: التيسير و رفع الحرج

ومن مظاهره قلة التكاليف التي فرضت على الإنسان، وإباحة المحظورات عند

الضرورات، و يتجلى هدا الأساس في كثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية منها

قوله تعالى:

﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها...﴾ (سورة البقرة: من الآية 286)

﴿...و ما جعل عليكم في الدين من حرج...﴾  (سورة الحج: من الآية 78)

﴿... يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ﴾  (سورة البقرة: من الآية185)

ويؤكد الرسول صلى الله عليه و سلم ذلك الأساس في أحاديث كثيرة منها: 

( يسروا ولا تعسروا ). 

وأوصى اثنين من الصحابة قائلا: ( يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا ). 

ثانياً: رعاية مصالح الناس

إن المتتبع لأحكام الشريعة الإسلامية يتجلى له أن المراد منها تحقيق مصالح الناس،

وهذا من مقتضيات عمومية الشريعة و صلاحياتها لكل زمان ومكان، ومن النصوص

التي تشير إلى ذلك قوله تعالى:

﴿ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ﴾  (سورة البقرة: من الآية 185)

﴿...يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث...﴾

(سورة الأعراف: من الآية 157)

﴿ هذا بصائر للناس و هدى و رحمة لقوم يوقنون ﴾ (سورة الجاثية: الآية 20)

ومن السنة النبوية قوله عليه الصلاة و السلام: ( لا ضرر ولا ضرار ).

وإباحته زيارة القبور، بعد أن كانت ممنوعة تحقيقا لمصلحة: ( كنت نهيتكم عن زيارة

القبور، ألا فزورها فإنها تذكركم الآخرة ).

ويستنتج من تلك النصوص أن ( الشريعة مبناها و أساسها على الحكم و مصالح العباد

في المعاش و المعاد، و هي عدل كلها، و رحمة كلها، و مصالح كلها، و حكمة كلها،

فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، و عن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى

المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث ليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل...)

ثالثاً: تحقيق العدل بين الناس

فهذا من الأسس القوية التي يعتمد عليها التشريع الإسلامي، وقد تظافرت النصوص

على ترسيخه؛ إذ نجد نصوصا تدعو إلى إقامة العدل، و أخرى تنفر من الظلم، فمن

النصوص التي تدعو إقامة العدل ما يلي: 

﴿ إن الله يأمركم بالعدل و الإحسان و إيتاء ذي القربى...﴾ (سورة النحل: من الآية 90)

﴿ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا

بالعدل...﴾ (سورة النساء: من الآية 58)

﴿ يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين

والأقربين...﴾  (سورة النساء: من الآية 135)

ومن النصوص التي تنفر من الظلم ما يلي:

﴿... ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع ﴾ (سورة غافر: من الآية18)

وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: ( الظلم ظلمات يوم القيامة ).

رابعاً: التدرج في التشريع

إن القرآن والسنة لم يأتيا جملة واحدة، بل استغرقا مدة الرسالة كلها، كما أن أحكامهما

شرعت تدريجيا تحقيقا لحكم جليلة ورد بعضها فيما سبق، وتخفيفا على الناس، تماشيا

مع فطرة الإنسان التي يتطلب التعامل معها التزام التدرج لتغييرها وحسن الارتقاء بها

كما أن التدرج يتلاءم مع منهج التغيير بشكل عام، إذ لا يمكن تغيير أوضاع المجتمعات

لتتفق مع الشريعة إلا بأسلوب التدرج، ويصدق هذا حتى مع المجتمعات الإسلامية التي

يتفاوت التزامها بالشرع، ذلك أن ( الواقع الإسلامي الراهن تتفاوت أوضاعه في القرب

من هداية الشريعة والبعد عنها، فرب وضع لم ينحرف عنها إلا بمقادير طفيفة فيكون

أخذه بالمعالجة الشرعية محققا للمقاصد المطلوبة، ورب وضع آخر ابتعد بعدا كبيرا

وافتقد من الشروط التي تهيئ لانفعاله بالشريعة إذا طبقت عليه ما يجعل تنزيلها الفوري

فيه مفضيا إلى حرج شديد يلحق بالناس...) 


ثالثاً : مصادر الشريعة الإسلامية

القرآن الكريم : 

للشريعة الإسلامية عند التحقيق مصدر واحد لاشريك له هو : الوحي الإلهي . 

وهذا الوحي قسمان : 

وحي متلو ، وهو القرآن الكريم ، ومعنى (( متلو )) أنه متعبد بتلاوته . ووحي غير

متلو ، وهو السنة النبوية . 

ومن فضل الله على المسلمين : أنهم وحدهم الذين يملكون المصدر الوحيد الذي يتضمن

كلمات الله تعالى الأخيرة للبشر ، سالمة من كل تحريف أو زيادة أو نقصان وهو القرآن

الكريم . 

كتاب تميز بجملة خصائص أهمها : 

الإعجاز ، الخلود والحفظ ، الشمول ، 

السنة النبوية : 

" السنة : هي ماروي عن النبي e من قول أو فعل أو تقرير . 

فإذا كان القرآن هو المصدر الأول للشريعة ، فالسنة هي المصدر الثاني لها ، وهي

البيان النظري ، والتطبيق العملي للقرآن .

القرآن بمثابة الدستور الذي يتضمن الأصول والقواعد الإلهية الأساسية التي لابد منها

لتوجيه الحياة الإسلامية ، وهداية البشرية إلى التي هي أقوم .

والسنة هي المنهاج النبوي الذي ُيفضل ما أجمله هذا الدستور ، ويخصص ما عممه ،

ويُقيد ما أطلقه ،ويضع له الصور التطبيقية من حياة الرسول e وسيرته الجامعة .

والقرآن يقرر أن من مهمة الرسول أن يبين ما أنزل الله من الكتاب  ، ﴿ وأنزلنا إليك

الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم  يتفكرون ﴾ ( سورة النحل : من الآية 44 )

والفرق بين القرآن والسنة أمور ، أهمها : 

1/ إن القرآن كله ثابت بالوحي الجلي ، فقد نزل به جبريل على قلب محمد e ، أما

السنة فمنها ماكان عن طريق الإلهام في اليقظة  ومنها عن طريق الإلهام في المنام :

الرؤيا الصادقة ، ومنها ماكان اجتهاداً من الرسول أقره الله عليه . 
2/ إن القرآن لفظه ومعناه من الله تعالى ، أما السنة فمعناها من الله و لفظها من رسل . 

رابعاً :خصائص الشريعة الإسلامية

تمتاز الشريعة الإسلامية   بخصائص ترفعها إلى أرقى درجة من العظمة والكمال

لا يرقى إليها أي قانون وضعي، وأهم خصائصها ما يلي:

أولاً: الربانية

بمعنى أن مصدر الشريعة هو الله سبحانه و تعالى، كما أن أحكامها تهدف إلى ربط

الناس بخالقهم، وبناء على ذلك يجب على المؤمن أن يعمل بمقتضى أحكامها، قال

تعالى: ﴿ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من

أمرهم...﴾  ( سورة الأحزاب: من الآية 36 ) 

وقد نتج عن خاصية الربانية عدة نتائج، أهمها:

1. خلو أحكام الشريعة الإسلامية من أي نقص، لأن شارعها هو الله صاحب الكمال

المطلق.

2. عصمتها من معاني الجور والظلم تأسيسا على عدل الله المطلق.

3. قدسية أحكامها عند المؤمن بها إذ يجد في نفسه القدسية والهيبة تجاهها.

ثانياً: الجمع بين الجزاء الدنيوي والأخروي

تتفق الشريعة مع القانون الوضعي في توقيع الجزاء على المخالف لأحكامها في الدنيا،

في حين لا تمتد يد القانون الوضعي إلى معاقبة الإنسان في آخر ته بينما تعاقب الشريعة

مخالفيها في الآخرة، فهي تجمع بين الجزاءين معا.

ثالثاً: الجمع بين الثبات والمرونة
تجمع الشريعة بين عنصري الثبات والمرونة، ويتجلى الثبات في أصولها و كلياتها و

قطعياتها، وتتجلى المرونة في فروعها وجزئياتها وظنياتها، فالثبات يمنعها من الميوعة

والذوبان في غيرها من الشرائع، والمرونة تجعلها تستجيب لكل مستجدات العصر. 

رابعاً: الموازنة بين مصالح الفرد والجماعة

إن الشريعة - على خلاف القوانين الوضعية - توازن بين مصالح الفرد والجماعة فلا

تميل إلى الجماعة على حساب الفرد، ولا تقدس الفرد على حساب الجماعة 

خامساً: الشمولية 
و تتجلى خاصية الشمولية في أربعة أمور هي:

1. من حيث الزمان: بمعنى أنها شريعة لا تقبل نسخا أو تعطيلا، فهي الحاكمة إلى أن

يرث الله الأرض ومن عليها.

2. من حيث المكان: فلا تحدها حدود جغرافية، فهي نور الله الذي يضيء جميع أرض

الله.

3. من حيث الإنسان: فالشريعة تخاطب جميع الناس بأحكامها، لقوله تعالى: 

﴿ وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا...﴾  (سورة سبأ: من الآية 28)

﴿ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ﴾  (سورة الأنبياء: الآية 107)

وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: ( كان النبي يُبعَث إلى قومه خاصة وبُعثت إلى

الناس عامة ).

4. من حيث الأحكام: إن أحكام الشريعة تناولت جميع شؤون الحياة، فقد رسمت

للإنسان سبيل الإيمان وبينت شروط وتبعات استخلافه، وتخاطبه في جميع مراحل

حياته، وتحكم جميع علاقاته بربه وبنفسه وبغيره. 

خامساً : أحكام الشريعة الإسلامية

في هذا الفصل الأخير نبين لك من مبادئ الشريعة وأحكامها المهمة ما ستعلم منه

كيف تجعل الشريعة الإسلامية حياة الإنسان مقيدة بضابطة محكمة وما في هذه

الضابطة من الحكم والمصالح.


مبادئ الشريعة: 


إنك إذا تأملت في نفسك ، علمت أنك قد جئت هذه الدنيا مودعاً في نفسك كثيرًا من

القوى ، التي تقتضي كل واحدة منها أن تستخدمها ولاتمهل  شأنها . ففيك العقلوالعزم

والرغبة ، والنظر والسمع والذوق ، وقوة اليدين والرجلين ، وعاطفة النفرة

والغضبوالشوق والحب والخوف والطمع ، وليس شيء منها بعديم المنفعة ، وما أوتيته

إلا لأنك في حاجة إليه . والذي يتوقف عليه نجاحك في هذه الدنيا  ، أن تحقق ما تتطلبه

إليك فطرتك وطبيعة نفسك.


ولكن لا يمكن ذلك إلا بأن تستخدم القوى التي أوتيتها في نفسك. ثم لا يخفى عليك أنك

قد أوتيت وسائل ، يمكنك أن تستخدم بها هذه القوى المودعة في نفسك . فأول وسيلة من

هذه الوسائل هي جسدك ، الذي تجد فيه الأدوات الضرورية كلها، ثم حولك هذه الدنيا ،

التي انتشرت فيها وسائل مختلفة لا تقع تحت الإحصاء. ففيها الناس من جنسك

لمساعدتك ، والبهائم لخدمتك ، والنباتات والجمادات والأرض والماء والهواء والحر

والنور ، وما إلى مثل هذه الأشياء الكثيرة التي لا يحصيها إلا الله، والله تعالى ما خلق

هذه الأشياء في هذا الكون إلا لتستخدمها وتسمتد منها في قضاء حياتك.


ثم انظر في الواقع من وجهة أخرى.


إنك ما أوتيت هذه القوى إلا لنفعك لا لمضرتك . فالصورة الصحيحة لاستخدامها

صورة فيها النفع لا المضرة ، وإن كانت فيها المضرة ، فإلى حد لا بد منه . يقول

العقل : إن كل صورة دون هذه الصورة غير صحيحة . فمثلاً إذا عملت عملاً مضرًا

في نفسك ، كنت على الخطأ ، وكذلك إذا استخدمت قوة من قواك على وجه يضر

غيرك ، كنت أيضاً من المخطئين . وكذلك إذا استعملت قوة من قواك على وجه يهمل

ما أودع في نفسك
من الوسائل ، كنت أيضاً من الخاطئين . يشهد لك عقلك أن المضرة ، ولو من أي نوع

كانت، عليك أن تبتعد عنها ، ولا تصبر عليها إذا كان الابتعاد عنها غير ممكن أو إذا

كانت بإزائها فائدة كبيرة ثم إذا تقدمت ، علمت أن الدنيا يوجد فيها نو عان من البشر ،

نوع من الذين يستخدمون بعض قواهم عمداً، في الوجوه التي تفسد عليهم سائر قواهم ،

أو تجلب المضرة على غيرهم من البشر ، أو هم يهملون أدواتهم التي أودعوها في

أنفسهم . والنوع الثاني ، من


الذين يفعلون كل ذلك من غير قصد من أنفسهم . فرجال النوع الأول من الأشرار ،

وهم في حاجة إلى قانون شديد يأخذ على أيديهم . ورجال النوع الثاني من الجهال ،

الذين لا يعلمون شيئاً، وهم محتاجون إلى علم يشعرهم بالصورة الصحيحة لاستخدامهم

قواهم.

ولقد جاءت الشريعة الإسلامية تسد هذه الحاجة ، وتحقق هذا الغرض ، فلا تريد أن

تهمل قوة من قواك ، أو تمحو رغبة من رغباتك ، أو تنفي من عواطف نفسك ، فهي لا

تقول لك : اترك الدنيا ، واقض أيام حياتك في الجبال والغابات والكهوف والمغارات ،

واشدد على نفسك واكسر سورتها، وذللها بالمصائب والشدائد، وحرم عليها زينة الحياة

الدنيا ولذاتها  ونعمها . كلا ! فإنها شريعة عني بوضعها الله الذي خلق للإنسان هذه

الدنيا، فكيف يرضى لكونه بالامحاء والخراب والفناء ؟ إن الله تعالى ما أودع الإنسان

في نفسه
قوة لا تنفعه ولا يحتاج إليها . وكذلك ما خلق شيئاً في السماوات ولا في الأرض عبثاً،

بل يريد أن يبقى الكون يسير سيرًا مستمرًا على نظام مدبر ، ينتفع فيه الإنسان من  كل

شيء ، ويستخدم مختلف أسبابه ووسائله . ولكن على وجه لا يضر نفسه ولا أحداً

غيره. ولهذا الغرض نفسه وضع الله تعالى ما وضع من قواعد الشريعة وضوابطها.

وهكذا حرمت هذه الشريعة على الإنسان كل شيء يجلب إليه الضرر ، وأحلت له كل

شيء يعود

عليه بالنفع ولا يضر غيره . إن المبدأ الذي يقوم عليه بناء الشريعة الإسلامية ، هو أن

الإنسان من حقه أن يعمل لتحقيق رغبات نفسه وحاجاتها ، ويسعى في سبيل منفعته

الذاتية كيفما يشاء . ولكن من الواجب عليه في الوقت نفسه ، ألا يتمتع بهذا الحق ، إلا

من حيث لا يضيع حقوق غيره من البشر بجهله أو شره ، بل ينبغي أن يكون مساعدًا

لهم ومتعاوناً معهم على قدر وسعه . 

لا يمكن أن يعرف كل إنسان ، في كل زمان ، عن كل شيء أو عمل ، ما فيه من النفع

أو الضرر . ولذا وضع الله تعالى – وهو العليم الخبير الذي لا يخفى عليه سر من

أسرار الكون – نظاماً صحيحاً كاملاً لحياة الإنسان ، وما كان الناس ليفطنوا إلى كثير

من مصالح هذا النظام في القرون القديمة : ولكن رقي العلم في هذا الزمان قد كشف

عنها الغطاء، بل لا يزال الناس يجهلون كثيرًا من مصالحه في هذا الزمان أيضاً،

ولكنها لا تزال


تتكشف وتتجلى لأعين الناس، على قدر ما يكتب للعلم من الرقي والنمو. والذين عولوا

على علمهم الناقص وعقولهم الضعيفة ، ما وجدوا لأنفسهم بداً في آخر الأمر ، أن

يتخاروا قاعدة من قواعد هذه الشريعة نفسها، بعدما هاموا على__ وجوههم، وخبطوا

في ظلمات الجهل والخطأ والضلال خبط عشواء إلى قرون . أما الذين

اعتمدوا على رسول الله ، واهتدوا بهديه ، واستناروا بنوره ، فقد أمنوا عواقب الجهل

ومضراته، فهم يواظبون دائماً على قانون وضع على قواعد العلم الصحيح الخالص ،

سواء أعرفوا ما فيه من المصالح، وما في اتباعه من المنافع، أم لم يعرفوا. وبحكم

الشريعة الإسلامية ، يجب على كل فرد من أفراد البشر أربعة أقسام من

الحقوق :

 1- حقوق الله.

2- حقوق النفس.

٣- حقوق العباد.

4- حقوق ما تحت يده في هذه الدنيا من شيء يستخدمه وينتفع منه.

من الواجب على كل مسلم صادق ، أن يعرف هذه الأقسام الأربعة من الحقوق ،

ويؤديها بكل إخلاص وأمانة وصدق . والشريعة الإسلامية قد بينت كلاً من هذه الأقسام 

  على حدة ، ووضعت وأوضحت لأدائها من الطرق والمناهج ، ما يساعد البشر على

أدائها معاً في آن واحد، بحيث لا يضيع منها حق ما ضمن حدود الإمكان . 

09‏/05‏/2012

كتاب جديد في الفقه ....أحكام الإكراه وتطبيقاته في الفقه الإسلامي

أحكام الإكراه وتطبيقاته في الفقه الإسلامي



عنوان الكتاب
أحكام الإكراه وتطبيقاته في الفقه الإسلامي
اسـم المؤلف
تيسير محمد برمو
النـاشــر
دار النوادر - دمشق
سنة الطبع
ط1 – 1433هـ
عدد الصفحات
576
نوع الكتاب
رسالة علمية تقدم بها المؤلف لنيل درجة الماجستير بجامعة دمشق كلية الشريعة.
التعريف بموضوع الكتاب:
الإكراه حالة من حالات الضرورة التي وضع لها الشارع أحكاماً استثنائية خاصة بها، حيث راعى الشارع حال المستكره، والضغط الذي يتعرض له بسبب الإكراه، فرفع عنه الإثم، وأبطل حكم كثير من تصرفاته تخفيفاً ورحمةً به.
الكتاب الذي سنتناوله هذا الأسبوع يتناول أحكام الإكراه في الفقه الإسلامي، مقارنةً مع القانون السوري،
وقد بدأ المؤلف كتابه بتمهيد ذكر فيه عرضاً موجزاً عن الأهلية وعوارضها، اقتصر فيه على بيان معنى الأهلية، وأقسامها، والعوارض التي قد تعترضها.
ثم شرع في الباب الأول والذي تكلم فيه عن القواعد العامة للإكراه, وقد غلب على هذا الباب الطريقة الاستنتاجية, واشتمل على فصلين اثنين:
أما الأول: فبيَّن فيه معنى الإكراه، وتعريفه في اللغة، وفي الشرع، عند المذاهب الأربعة، وغيرهم من المعاصرين، كما ذكر تعريفه القانوني، ليستخلص من ذلك كله تعريفاً وهو (الضغط على إنسان ظلماً بوسيلة مرهبة أو بتهديده بها لإجباره على القيام بتصرف ممتنع عنه), ثم ذكر بعد ذلك، صور الإكراه، وأركانه، المستنبطة من هذا التعريف.
وفي مبحث من مباحث هذا الفصل تناول المؤلف شروط الإكراه عند الفقهاء، فتطرق لشروط المكرِه, وشروط المستكره, وشروط المكرَه به, وشروط المكرَه عليه, ليعقبها بعد ذلك بذكر شروط الإكراه في القانون، مع عقد مقارنة بين شروط الإكراه في الفقه الإسلامي, وشروطه في القانون، مبيناً أن هناك أوجه اتفاق واختلاف بينهما، ليتناول بعد ذلك أقسام الإكراه عند الفقهاء والأصوليين من جانب، وأقسامه في القانون من جانب آخر.
انتقل المؤلف بعد ذلك إلى الفصل الثاني, وقد خصصه للحديث عن أثر الإكراه، متناولاً إياه من عدة جوانب, فتناول أثره في التكليف مرجحاً أن المستكره مختار من وجه وغير مختار من وجه آخر، فهو مختار كونه يمكلك أصل الاختيار وهو القدرة على فعل الشيء وعلى تركه, وغير مختار لكونه يقصد دفع الضرر المكره به لا ذات ما أكره عليه.
وتناول أيضاً أثر الإكراه في المسؤولية القانونية، وضابط أثره في التصرفات عند المذاهب الأربعة، ومن وجهة نظر القانون، ثم ذكر بعد ذلك أثر الإكراه في التصرفات الشرعية والحسية.
بعد ذلك شرع المؤلف في الباب الثاني, وقد جعله للفروع والمسائل الفقهية, جمع فيه بين الطريقة الاستقصائية والاستنتاجية في البحث, فجاء على صورة مسائل فقهية قد حرر محل النزاع فيها, وذلك بذكر صورها وعرض آراء الفقهاء فيها واستعراض أدلتهم ومناقشتها مع الترجيح.
وهذا الباب تألف من خمسة فصول: كان الحديث في الفصل الأول منها، عن أثر الإكراه في صحة العبادات، وفسادها، وتناول فيه مسائل من الطهارة, والصلاة, والصيام, والاعتكاف, والحج.
وفي الفصل الثاني من فصول هذا الباب تكلم عن أثر الإكراه في صحة المعاملات، وفسادها، فذكر فيه الإكراه على عقد البيع بحق, وبغير بحق, حيث رجح المؤلف بطلان عقد المستكره بغير حق, وصحته إذا كان بحق.
أما الفصل الثالث فكان الحديث فيه عن أثر الإكراه في الزواج, والطلاق، واليمين وعرض فيه المؤلف عدة مسائل أورد فيها أقوال أهل العلم وناقشها, ورجح منها ما ترجح لديه.
من ثم تحدث المؤلف عن أثر الإكراه في الجنايات والحدود, وذلك في الفصل الرابع من هذا الباب, فتناول بالحديث الإكراه على القتل والجرح, مرجحاً إيجاب القصاص على المستكره والمكره في هذه المسألة. وأما الإكراه على الإضرار بالنفس، فقد ذكر لها المؤلف صورتين: أن يكرهه على الإضرار بنفسه من خلال تهديده بضرر مماثل, وفي هذه الصورة رحج المؤلف أنها لا تعدُّ إكراهاً, والصورة الثانية والتي عدَّها المؤلف إكراهاً, وهي أن يكرهه على الإضرار بنفسه من خلال تهديده بضرر أشد.
كما تناول في نفس هذا الفصل مسائل متعلقة بالإكراه والحدود, منها الإكراه على الزنا، فذكر أنه لا خلاف أن المرأة المستكرهة على الزنى لا حدَّ عليها, بينما الرجل وقع فيه الخلاف, ورجح المؤلف قول الجمهور أنه يسقط عنه الحد لشبهة الإكراه, والحدود تدرأ بالشبهات.
ومن المسائل أيضاً، مسألة الإكراه على الردة، وبقية الحدود كالقذف, وشرب الخمر, والسرقة, والحرابة, وإكراه البغات لأهل الذمة على القتال معهم.
ومما تناوله المؤلف في هذا الفصل أيضاً، مسائل الإكراه والضمان, أو الإكراه على إتلاف المال أو أخذه, وقد رجح المؤلف ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من أن الضمان يكون على المكرِه دون المستكرَه, إذا كان المكرَه به مما يوجب هلاك النفس أو عضو من الأعضاء.
ثم ختم المؤلف الباب والكتاب بفصل خامس بعنوان الإكراه والقضاء، تناول فيه عدة مسائل منها: الإكراه على الإقرار، والإكراه على الحكم بغير ما أنزل الله تعالى, وعلى شهادة الزور.
بقي أن ننوه أن الكتاب في أصله رسالة علمية، تقدم بها المؤلف لنيل درجة الماجستير من جامعة دمشق، كلية الشريعة قسم الفقه الإسلامي, نسأل الله أن ينفعه به في الدارين.

التقدمية والرجعية ،،، مقال رائع للعلامة الراحل على الطنطاوي رحمه الله

التقدمية والرجعية
علي الطنطاوي (ت 1420هـ - 1999 م)
نشر عام (1966 م)
أعرف أن لكل عصر كلمات تمشي فيه على الألسن، يقبل عليها الشباب ويفتنون بها من غير بحث عن حقيقة معناها، كما يتلقف النساء (أعني بعض النساء) الموضات في الثياب، ويقلدنها، ويحرصن عليها من غير أن يدركن الفائدة منها! ولقد كانت الموضة السائرة ونحن صغار كلمة (عصري)، وكانوا يتهمون كل متمسك بالدين بأنه متعصب، وغير عصري. وقبلها كانت الموضة كلمة (منوَّر)، فالذي يخالف ما عليه الشباب يتهمونه بأنه غير منور. وكان كثيرون من ضعاف الإيمان يتظاهرون بترك الدين (وهم متدينون في الواقع) خوفاً من أن يقال إنهم غير منوَّرين، أو إنهم متعصبون غير عصريين!
وقد بطلت اليوم هذه الكلمات، وحلت محلها كلمات جديدة، صارت هي موضة العصر، وهي كلمات (التقدمي) و(التقدمية) و(الرجعي) و(الرجعية). ولقد كنت أكتب من تسع عشرة سنة كلمات قصاراً في جريدة شامية بعنوان (كل يوم كلمة غيرة)، فكتبت يوماً أسأل أهل التقدمية عن تعريفها الذي يبين حقيقتها وعن تعريف الرجعية الذي يوضح حدودها، وانتظرت طويلاً فلم أجد عندهم الجواب الشافي.
الذي أعرفه أن التقدمية مشتقة من التقدم، وأن العرب قالوا (التقدمية) في مثل هذا المعنى. وتستطيعون أن تراجعوا معناها في (أساس البلاغة) وفي المعاجم. وأعرف أن الرجعية من الرجوع. فإذا وقفت في جدة ووجهك إلى البحر وتقدمت فأنت بهذا المعنى تقدمي، تزداد (تقدمية) كلما اقتربت من الشاطئ، وإذا جعلت ظهرك إلى البحر وتقدمت فأنت تقدمي أيضاً، تزداد (تقدمية) كلما ابتعدت عن البحر. فكلاهما تقدمي، فمن منكما التقدمي الحقيقي؟
فأنت لا تعرف (التقدمية) إذن إلا إذا حددت الوجهة التي تتوجه إليها. هذا هو التفريق المادي بالنسبة إلى الرجل الذي يمشي، فما هو التفريق المعنوي بين (التقدمية) التي يدعون إليها، و(الرجعية) التي يخوفون الناس بها؟
هل يريدون بالتقدمي الرجل الذي يدعو إلى الجديد، إلى عصر الذرة والصاروخ، وبالرجعي الرجل الذي يتمسك بالقديم، ويريد أن نعود إلى عهد الجمل والسراج؟ إن كان هذا هو الذي تريدون، فليس بشيء؛ لأن الأمور لا تقسم إلى جديد وقديم، بل إلى حقٍّ وباطل، وخير وشر. وإذا كان كل قديم- على رأي هؤلاء- عتيقاً بالياً، واجباً تركه، فإنَّ العقل أقدم من الدين، فإذا تركتم الدين لقدمه، فاتركوا العقل؛ لأنه أقدم منه، وعودوا مجانين، هاربين من مستشقى المجاذيب! والحب قديم، فاتركوا الحب. والزواج قديم، فأبطلوا الزواج. وآباؤكم وأجدادكم صاروا من أهل القديم، فتبرؤوا من آبائكم وأجدادكم... أفهذا كلام يا ناس؟!
كلا، ما هذا هو المقياس الصحيح. وإذا كان في هذا العصر تقدم العلم وازدهار الحضارة، فإن فيه الحروب المدمرة، والقنابل المبيدة، والتهتك والفساد، وفي هذا العصر تركنا اليهود يسلبوننا قطعة من قلب بلادنا، ويستأثرون بها دوننا، ويشردون أبناءها حتى يتفرقوا فوق كل أرض، وتحت كل نجم، وقبل ألف سنة كان أسلافنا يركبون الإبل، لا يعرفون السيارات، ولا الطيارات، ويعيشون على السُّرج، ومصابيح الزيت، ولكنهم كانوا سادة الدنيا، وكانوا أعزَّ الأمم.
فإذا قلتم: إننا رجعيون. فنحن معكم، ونفتخر بأننا من الرجعيين. لكننا لا نريد الرجعة إلى عهود الاستعمار، ولا إلى أيام الانحطاط والتأخر، بل نريد الرجوع إلى العهد الذي كنا فيه ملوك الأرض، وكنا أساتذة العالم، وكان في أيدينا صولجان الحكم، وكان في أيدينا منار العلم. إلى عهد الصدر الأول، العهد الذي خرجت فيه الجيوش العربية المسلمة من هذا البلد تحمل راية محمد صلى الله عليه وسلم، فركزتها على كل جبل، وفوق كل قلعة، ومن قلب فرنسا إلى قلب الصين.
على أننا إذا تلفتنا إلى الماضي، فلا نلتفت إليه لنرجع القَهْقَرى، ونمشي إلى الوراء، بل لنستمد منه القوة على السير سعياً إلى الأمام، إلى الأمام لنربط بين الماضي المجيد، والمستقبل المجيد، إلى الأمام لنصل مجدنا الجديد بمجدنا التليد.
إننا نعلم أن الاستغراق في الماضي وحده نوم أو جمود، والاستغراق في المستقبل وحده هوس وجنون، والاستغراق في الحاضر وحده عجز وقعود. ونحن نريد أن نستمدَّ من الماضي دافعاً وحافزاً، ومن المستقبل موجهاً ومرشداً، ومن الحاضر عماداً وسناداً.
إننا ندعو إلى العودة إلى الماضي، ولكن ما معنى هذا؟ هل معناه أن نعود القرون الماضية، ونرجع الكرة الأرضية في دورانها، ونسقط من حساب الزمان هذه القرون الطويلة، حتى نعيش في القرن الأول الهجري مرة أخرى؟ هذا مستحيل.
هل معناه أن نعود إلى حياة القرن الأول؛ فنركب الإبل، وندع السيارة، ونسكن الخيام، ونترك البيوت، ونعود إلى طبِّ الحارث ابن كلدة، أو أبي بكر الرازي، ونترك الطب الحديث؟ هذا ما لا يقول به أحد؛ بل نريد العودة إلى مثل ما كان عليه أجدادنا؛ من العلم، والمجد، والقوة، والسلطان.
ونحن نعلم أنَّ هذا المجد لا يعود بالأحاديث والخطب، ونعلم أنَّ السجين المصفَّد بالأغلال لا يطلقه تذكر الحرية، والتغني بلذاتها، وأن الجائع لا يشبعه تذكر موائد الماضي، واستعراض ألوانها، وأن الفقير لا يغنيه تذكر زمان غناه، والزهو بما صنع فيه، وأن الذلة لا تُدفع عن الذليل بنظم قصائد الفخر بعزة جده وأبيه.
ولكننا نعلم أيضاً أن السجين الذي ينسى أيام الحرية يستريح إلى القيد، ولا يجد حافزاً إلى الانطلاق، وأن الفقير الذي ينسى زمان الغني يطمئن إلى الفقر، ولا يجد دافعاً إلى الاستغناء، وأن الذليل الذي ينسى عزة أبيه يألف الذلَّ، ولا يجد قوة على دفعه.
إذا اطمأننا إلى جلال ماضينا، وحسبنا أن خطبة بتمجيده، ومقالة بالإشادة به، تغنينا وتكفينا، فلن يعود لنا هذا الجلال أبداً، وإن نسينا أننا أبناء سادة الأرض، وأساتذة الدنيا، لم يحرك أعصابنا شيء إلى استعادة هذا المجد.
فلنأخذ من الماضي بقَدْر، نأخذ منه ما يدفع ويرفع وينفع، وندع منه ما يُثبِّط ويُقعد ويُنيم. وإننا لا نريد أن نعود إلى الزمان الماضي، فالزمان يمشي أبداً لا يقف ولا يعود، ولا نعود إلى مثل معيشة الزمان الماضي، ونترك ثمرات الحضارة، ولكن نعود إلى المثل العليا، وإلى الفضائل التي لا تفقد قيمتها بمرور الزمن؛ فكما أن الذهب والألماس لا يضره القدم، ولا يصدأ كما يصدأ الحديد، فإن في المعاني ما هو كالألماس والذهب في المعادن.
نحن نريد أن نعود إلى هذه الحياة؛ هذه هي رجعيتنا التي لا ننكرها بل نفتخر بها، قد عرفناها ووضَّحناها، فما هي تقدميكم يا أيها السادة التقدميون؟
هل معناها التقدم من أهل الغرب وتقليدهم في كل شيء، بل تقليدهم في الشرِّ الذي يشكون منه، ويتمنون الابتعاد عنه؟ وأن نهمل عقولنا، ونترك شرع ربنا، ونتبرأ من آبائنا وأجدادنا، ونمشي وراء الغربيين فنقول بمقالهم، ونفعل فعلهم، فإن كشفوا العورات كان سترها رجعية، وإن أعلنوا الزنا كان إعلانه تقدمية، وإن لبسوا السراويل في أذرعهم، والمعاطف في أرجلهم، أو قعدوا على الأرض، وأجلسوا الكراسي فوقهم، أو أكلوا الحساء (الشوربة) بالشوكة، والبطيخ بالملعقة،، فقد وجب في شرعة التقدمية أن نفعل فعلهم وإلا كنا رجعيين؟!
إذا كان هو المراد بالتقدمية فتشجعوا وقولوه، ولا تدعونا نطالعه من خلال السطور ومن بين الكلمات .

المصدر: فصول في الدعوة والإصلاح للشيخ علي الطنطاوي، جمع وترتيب مجاهد مأمون ديرانية - دار المنارة، السعودية، ط1، 2008هـ (ص 9) بتصرف.

التدرج في تطبيق الشريعة... المفهوم والرؤية ..أحمد سالم ( أبو فهر السلفي )

التدرج في تطبيق الشريعة... المفهوم والرؤية
أحمد سالم (أبو فهر السلفي)
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
فإن السعي لضبط الأفراد والجماعات والمؤسسات وسائر النشاطات الإنسانية بمرجعية الوحي فيُحل الجميع ما أحل الله ويحرمون ما حرم الله ويجتهدون في تقدير حكم ما سكت الوحي عنه وَفْق المصلحة والمفسدة والموازين الخاصة بكل باب: هو عين ما يعبَّر عنه بتطبيق أو تحكيم الشريعة.
ولما كان كثير من ذلك يحتاج إلى سلطان، كان طلب حيازة السلطان الممَكِّن من تحكيم الشريعة واجباً بالتبعية لوجوب تحكيم هذه الشريعة الإلهية.
ولاعتبارات سياسية واجتماعية، وداخلية وخارجية، فإن حيازة هذا السلطان ظلت في أغلب الأحيان متعذرة على حَمَلَة المرجعية الإسلامية، بل صارت معرفة خصومهم بمكان حيازة السلطان من مشروعهم هي نفسها حجة استضعافهم والتسلط عليهم، وهو ما حدا ببعضهم إلى التخلي عن حيازة السلطان هدفاً لحَمَلَة المرجعية الإسلامية، وحتى صار عنده من السياسة ترك السياسة.
وبعد الثورات العربية توفر مجال صحي - وإن بصورة نسبية - لكي يعرض الإسلاميون مشروعهم الإصلاحي، ومنذ لحظة عرض المشروع وحتى توسد بعضهم للسلطة بالفعل مروراً بكل مراحل الوصول للسلطة من خطاب إعلامي ومسار انتخابي، كان السؤال الأبرز هو سؤال التدرج؟
ويطرح هذا السؤال عادة للإجابة عن سؤال آخر يتم طرحه وَفْق خلفيتين فكريتين:
الأولى: تسأل عن الطريق الذي سيسلكه الإسلاميون لتطبيق الشريعة، وهل سيحملون الناس عليها قسراً ولو لم يرضها الناس منقلبين على الديمقراطية التي كانت وسيلة توسدهم للسلطة؟
الثانية: تسأل عن الطريق الذي سيسلكه الإسلاميون لتطبيق الشـريعة وهل سيعطلون شريعة الله استسلاماً لضغوط الشعب وتسليماً بمقتضيات الديمقراطية رغم مصادمة هذه المقتضيات للمرجعية الإسلامية، وهو ما يخالف التقييد الذي على أساسه توسل الإسلاميون بالديمقراطية.
فالمجموعة الأولى تسأل عن صورة تحكيم الشـريعة خوفاً من أن يتم الانقلاب على الديمقراطية لحساب تحكيم الشريعة، والمجموعة الثانية تسأل عن صورة تحكيم الشـريعة خوفاً من الاستسلام للديمقراطية على حساب تحكيم الشريعة.
وهنا يجيب الإسلاميون - غالباً - بأنهم سيستعملون آليـة التـدرُّج ليبـرز سؤال التدرج ما هو وما هي حدوده ومعاييره ومجالاته؟
وتحاول هذه الورقة استكشاف بعض معالـم الجواب عن هذا السؤال، فأقول وبالله التوفيق:
أولاً: التدرج لغة: قال ابن فارس: «الدَّالُ وَالرَّاءُ وَالْجِيمُ أَصْلٌ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى مُضِيِّ الشَّيْءِ وَالْمُضِيِّ فِي الشَّيْءِ»[1].
فلفظ (درج) دال على المشي والمضي.
وأما (درَّج) بالتشديد فقال في اللسان: «وَيُقَالُ: دَرَّجْتُ الْعَلِيلَ تَدْريجاً إِذا أَطعمته شَيْئاً قَلِيلاً، وَذَلِكَ إِذا نَقِهَ، حَتَّى يَتَدَرَّجَ إِلى غَايَةِ أَكله، كَمَا كَانَ قَبْلَ الْعِلَّةِ، دَرَجَةً دَرَجَة»[2].
فهو دال على التأني في تناول الشيء أو بلوغه، و (تدرج) مُطَاوع دَرَجه وَإِلَيْهِ تقدم شَيْئاً فَشَيْئاً وَفِيه تصعد دَرَجَة دَرَجَة[3].
فجماع دلالات التدرج: أنه أَخْذ الأمر شيئاً فشيئاً لا دفعة واحدة.
ثانياً: أنواع التدرج:
التدرج ينقسم إلى ثلاثة أنواع:
النوع الأول: التدرج في التشريع، ومعناه: أن يكون مقصود المشرِّع تشريع صورة معينة لكن يتوسل إليها بتشريع مؤقت قاصر عن الصورة المقصودة ثم يتدرج المشرِّع حتى يصل إلى صورة المنع التي كانت مقصودة له أول الأمر.
ومن أشهر أمثلته التدرج في تشريع الخمر على أربع مراحل.
النوع الثاني: التدرج في إبلاغ الصورة التشـريعية، ومعناه: بيان بعض الدين والحق والسكوت عن بيان بعضه إلى أن يحين وقته.
ومن أشهر أمثلته حديث معاذ المشهور لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى قوم أهل كتاب.
النوع الثالث: التدرج في التنفيذ: وفيه تكون الصورة التشـريعية معلومة بينة ولكن يُسكت عن إنفاذها وتحقيق مقتضياتها.
ومن أشهر أمثلته ما وقع من الْخَلِيفَةِ الرَّاشِدِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ؛ فَإِنَّهُ جَاءَ إلى الحُكْمِ بعدَ مظالِـمَ اقترفَهَا بعضُ الذينَ سبقُوهُ، فتدرَّجَ في الإصلاحِ ولَـمْ يتعجلْ في التغييرِ، فدخلَ عليه ولدُهُ عبدُ الملِكِ، فَقَالَ لَهُ: «يَا أَبَتِ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَمْضِيَ لِـمَا تُرِيدُهُ مِنَ الْعَدْلِ؟ فَوَاللهِ! مَا كُنْتُ أُبَالِي لَوْ غَلَتْ بِي وَبِكَ الْقُدُورُ فِي ذَلِكَ».
قَالَ: «يَا بُنَيَّ ! إِني إِنَّمَا أُرَوِّضُ النَّاسَ رِيَاضَةَ الصَّعْبِ، وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُحْيِيَ الْأَمْرَ مِنَ الْعَدْلِ، فَأُؤَخِّرَ ذَلِكَ حَتَّى أخرجَ مَعَهُ طَمَعاً مِنْ طَمَعِ الدُّنْيَا، فَيَنْفِرُوا مِنْ هَذِهِ وَيَسْكُنُوا لِهَذِهِ»[4].
ثالثاً: دواعي التدرج والتحديات الموجبة لاستعماله عند من يستعمله:
تدور دواعي التدرج على ثلاثة أشياء:
1 - العجز عن إنفاذ الشريعة والإلزام بها.
2 - القدرة على إنفاذ الشريعة، ولكن مع غلبة مفسدة ترك التدرُّج على مصلحة الإلزام بالشريعة.
3 - القدرة وقلة المفسدة، ولكن إرادة صاحب السلطان الرفق بالناس وتهيئتهم وحُسْن سياستهم.
هذه ثلاث علل يتم التعلُّل بها عند إرادة التدرج، والمقصود أنها علل ممكنة لدعوى التدرج، وقد صلحت بالفعل للقول بالتدرج في حالات معينة، وليس المقصود صلاحيتها للقول بجواز التدرج شرعاً من غير اعتبار للموازنة بين الدواعي والموانع في الحالات المخصوصة.
رابعاً: رؤية التيارات الإسلامية حول التدرج:
سأكتفي هنا لضيق المقام بذكر ما يمثل رأي جماعة الإخوان المسلمين في مصـر، ثم ما يمثل رأي الدعوة السلفية بالإسكندرية، ثم رأي الدكتور حازم أبو إسماعيل مرشح الرئاسة في مصر.
1 - الإخوان المسلمون:
• نشر الدكتور عطية فياض على موقع جماعة الإخوان المسلمين بحثاً حول التدرج، قرر فيه منع تدرج التشريع وجواز استعمال التدرج في البلاغ والتدرج في التطبيق والتنفيذ مع ذكر قواعد حاكمة[5].
• في تصريحات للدكتور محمد سعد الكتاتني أمين عام حزب الحرية والعدالة ورئيس مجلس الشعب بعد ذلك قال فيها: «في حال وصول الحزب لسُدَّة الحكم في البلاد؛ فلن يمنع الخمور بالمنازل أو الفنادق، ولن يحجب المواقع الإباحية، ولن يطبق الحدود، ولن يتدخل في تصرفات السائحين على الشواطئ».
ونفى الكتاتني سعي الجماعة لتطبيق الحدود فور وصولها للحكم، وأن الوقت لا يزال مبكراً للحديث عن هذه النقطة؛ مستشهداً بتصرُّف أمير المؤمنين عمر بن الخطاب عندما أوقف تطبيق الحدود في عام المجاعة[6].
2 - الدعوة السلفية بالإسكندرية:
يقول الشيخ ياسر برهامي: «... فالتدرج المبني على القدرة والعجز مشروع، فما عجزنا عنه لا نؤمر بتطبيقه، وما قدرنا عليه وجب علينا تطبيقه. والتدرج المبني على مراعاة المصلحة والمفسدة مشروع أيضاً، مثل: النهي الوارد عن قطع الأيدي في الغزو، وأما التدرج الراجع إلى أهواء الناس؛ فلا شك أنه تضييع للحق وللشرع»[7].
وينص الشيخ عبد المنعم الشحات على أن الفرق بين تصورهم للتدرج وتصور الإخوان يكمن في حرص الدعوة السلفية على بيان الحق كاملاً ثم تنفيذ ما يستطيعونه ويطيقه الناس، أما الإخوان - وَفْق تصوره - فلا يذكرون سوى أنهم لن يفعلوا كذا أو سيفعلون كذا فقط فيظن الناس أن هذا القدر المكتفى به هو الدين كله[8].
3 - المرشح الرئاسي في مصر الدكتور حازم أبو إسماعيل:
يفرق الدكتور بين التدرج الذي يحصره في التدرج التشريعي ويرى أنه انقطع بانقطاع الوحي، وبين الاستطاعة التي يذكر في حدها نفس ما يذكر في النوعين التاليين من التدرج، وإن كان يخص ما يؤذن بها بالضرورة فقط، فيقول: «التدرج غير حد الاستطاعة تماماً، ده حكم فقهي، وده حكم فقهي آخر تماماً، التدرج حرام، يعني إيه حرام؟ يعني خلاص الشرع اكتمل... تطبيق الشريعة فريضة الآن، مش تدرُّج، لأ هي فريضة بأكملها الآن.
كل ما في الأمر أنني عندما جئت أطبق وجدت الذين ستطبق عليهم الشريعة ليسوا سلسين، فعاينت أنني ربما - مثلاً - أجبرتهم على شيء فانتقضوا على الإسلام كله، فأصبح هذا يمثل بالنسبة للحاكم حالة ضرورة، اللي هو تخلف الاستطاعة»[9].
خامساً: المرتكزات الشرعية لتأصيل التدرج:
المراد بالمرتكزات هي الأسس والأصول الشرعية التي يتم بناء القول بالتدرج عليها، وهي أعم من الأدلة؛ إذ تشمل الأدلة وكلام أهل العلم.
المرتكزات ها هنا ثلاثة أنواع:
النوع الأول: ما فيه ممارسة للتدرج في الوحي أو عمل السلف، كما في دلالة خبر معاذ على التدرج في البيان، وتَرْك النبي صلى الله عليه وسلم للكعبة رفقاً بالناس ومراعاة للمفسدة المتوقعة، وما في ترك النبي صلى الله عليه وسلم لعقوبة المنافقين من تدرج بترك إنفاذ الحكم فيهم للمفسدة الغالبة، وما في قصة يوسف - عليه السلام - وخبر النجاشي - رضي الله عنه - ودلالة ممارسة عمر بن عبد العزيز على التدرج في التنفيذ.
النوع الثاني: المرتكزات التي تُستعمَل كمناط يؤذن بالتدرج فتكون بمثابة العلل في قياس التدرج الذي يمارسه صاحب السلطة على التدرج الذي في الممارسة النبوية أو السلفية.
فمن معاقد الإجماع في هذه المسألة أن في التدرج خروجاً عن الأصل الذي هو وجوب التحاكم والتحكيم والاستجابة والإنفاذ لأمر الله ورسوله:{وَمَا كَانَ لِـمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْـخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 46] .
يقولُ الدكتورُ القرضاويُّ تحت عنوان: «الأصلُ عدمُ المشاركةِ»: «لا ريبَ أنَّ الأصلَ في هذه القضيةِ ألَّا يُشاركَ المسلمُ، إلَّا في حكمٍ يستطيعُ فيه أن ينفذَ شرعَ اللهِ في ما يوكلُ إليه من مهامِ الولايةِ أو الوزارةِ، وألَّا يخالفَ أمرَ اللهِ - تعالى - ورسولِه»[10].
وهو ما يعني أن الخروج عن هذا الأصل بالتدرج سواء بالتشـريع - إن وجد من يجيزه - أو بالسكوت عن البلاغ أو بالسكوت عن الإنفاذ والإلزام، كل ذلك محوج إلى ما يؤذن به من الشريعة ويخرج المكلف عن رِبقَة الإثم الذي يحل به إن هو خالف أمر الله في ما ذكر.
بحيث يقول صاحب السلطة: سأتدرج ها هنا ولن أبلغ أو لن أنفذ وألزم بشرع الله لوجود علة شرعية يراعيها الشرع فتؤذن بهذا.
من هنا كان القول بالتدرج مؤسَّساً على المرتكزات التالية:
1 - نصوص الشرع الدالة على إيذان الإكراه بارتكاب بعض المحرمات وترك بعض الواجبات.
2 - نصوص الشرع الدالة على إيذان حالة الضرورة بارتكاب بعض المحرمات وترك بعض الواجبات.
3 - نصوص الشرع الدالة على أن الوجوب منوط بالاستطاعة والقدرة.
4 - نصوص الشرع الدالة على أن الحاجة تؤذن بارتكاب بعض المنهيات وترك بعض الواجبات.
5 - نصوص الشرع وقواعده الدالة على الموازنة بين المصالح والمفاسد ودرء المفسدة الغالبة ولو بترك بعض الواجبات وفعل بعض المنهيات التي دونها في المفسدة.
6 - نصوص الشرع الدالة على الرفق بالناس[11].
النوع الثالث: نصوص بعض أهل العلم في تقرير جواز التدرج:
وأسوق لها مثالاً واحداً، وهو قول شيخ الإسلام: «فَأَمَّا إذَا كَانَ الْـمَأْمُورُ وَالْـمَنْهِيُّ لَا يَتَقَيَّدُ بِالْـمُمْكِنِ: إمَّا لِجَهْلِهِ، وَإِمَّا لِظُلْمِهِ، وَلَا يُمْكِنُ إزَالَةُ جَهْلِهِ وَظُلْمِهِ، فَرُبَّمَا كَانَ الْأَصْلَحُ الْكَفَّ وَالْإِمْسَاكَ عَنْ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ... فَالْعَالِـمُ فِي الْبَيَانِ وَالْبَلَاغِ كَذَلِكَ؛ قَدْ يُؤَخِّرُ الْبَيَانَ وَالْبَلَاغَ لِأَشْيَاءَ إلَى وَقْتِ التَّمَكُّنِ، فَإِذَا حَصَلَ مَنْ يَقُومُ بِالدِّينِ مِنَ الْعُلَمَاءِ، أَوِ الْأُمَرَاءِ أَوْ مَجْمُوعِهِمَا؛ كَانَ بَيَانُهُ لِـمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ شَيْئاً فَشَيْئاً بِمَنْزِلَةِ بَيَانِ الرَّسُولِ لِمَا بُعِثَ بِهِ شَيْئاً فَشَيْئاً، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الرَّسُولَ لَا يُبَلِّغُ إلَّا مَا أَمْكَنَ عِلْمُهُ وَالْعَمَلُ بِهِ وَلَـمْ تَأْتِ الشَّرِيعَةُ جُمْلَةً... فَكَذَلِكَ الْـمُجَدِّدُ لِدِينِهِ، وَالْـمُحْيِي لِسُنَّتِهِ لَا يُبَلِّغُ إلَّا مَا أَمْكَنَ عِلْمُهُ وَالْعَمَلُ بِهِ... وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ بَابِ إقْرَارِ الْـمُحَرَّمَاتِ وَتَرْكِ الْأَمْرِ بِالْوَاجِبَاتِ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ وَالتَّحْرِيمَ مَشْرُوطٌ بِإِمْكَانِ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، وَقَدْ فَرَضْنَا انْتِفَاءَ هَذَا الشَّرْطِ، فَتَدَبَّرْ هَذَا الْأَصْلَ فَإِنَّهُ نَافِعٌ»[12].
سادساً: صفة التدرج المأذون فيه وَفْق رؤية الباحث:
من الجلي أنه من الناحية التنظيرية فإنا لا نعلم أحداً من التيارات الإسلامية يقول بالتدرج في التشريع؛ وإنما غاية كلامهم هو استعمال نوعَي التدرج ( البلاغي - التنفيذي ) ، ولذلك فالذي سأبسطه هنا هو تأكيد بطلان استعمال التدرج التشريعي، مع ذكر صور خفية منه، ثم ذكر بعض الإشارات المهمة لضبط نوعي التدرج الباقيين، ولعلِّي ألخِّص رؤيتي حول هذه القضية في النقاط التالية:
1 - مدار البحث في التدرج بأنواعه إنما هو على قاعدة الموازنة بين المصالح والمفاسد، وعلى الأصل المقرر أن «الشَّـرِيعَة جَمِيعهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ الْـمَفْسَدَةَ الْـمُقْتَضِيَةَ لِلتَّحْرِيمِ إذَا عَارَضَتْهَا حَاجَةٌ رَاجِحَةٌ أُبِيحَ الْـمُحَرَّمُ »[13] ؛ حيث إن ترك بعض المأمور به وفعل بعض المنهي عنه هذا الترك الذي ينتج عن التدرج لا بد أن يكون لتحصيل مصلحة أعظم من مصلحة فعل وإنفاذ المأمور المعيَّن أو لدرء مفسدة أعظم من مفسدة فعل المنهي المعيَّن . ومتى اختل هذا الميزان - كأن يمكن البلاغ أو إنفاذ الشريعة والإلزام بها من غير مفسدة راجحة - لـم يجز التدرج، مع الإقرار بوجود مساحات للاجتهاد في تقرير غلبة المفسدة والمصلحة .
2 - استعمال التدرج في محاله الصحيحة هو نفسه تطبيق للشريعة .
3 - مما يُوسع دائرة الشريعة المطبقة من غير تدرج، الإلحاحُ على بيان الأساس الشرعي لمحاربة الفساد المالي والإداري وطلب صلاح البلاد والعباد وطلب النهوض والرقي بالأفراد والأمم ونحوه من المطالب المتفق على تحصيلها بين الإسلاميين وغيرهم فتكون المطالبة بها وتحصيلها تطبيق للشريعة لا يحوج إلى تدرج .
4 - التدرج التشريعي بمعنى أن يُشرِّع صاحب السلطة تشريعاً جديداً فيه تحليل ما حرم أو تحريم ما أحل الله بدعوى التدرج، حرام ليس في الشرع ما يُسوِّغه، والتشريع حق لله - عز وجل - لا يشركه فيه غيره، ولا يؤذن بارتكابه إلا إكراه محقَّق، وهذا لا يوجد في بابنا لإمكان الانحياز عن السلطة وتركها أصلاً، أو الانعزال عن الحقيبة التشريعية في هذا القطاع براءة لله - عز وجل - ومن الصور الخفية للتدرج التشريعي أن يأتي صاحب السلطة من الإسلاميين إلى جريمة حرَّمها الشرع وعاقب عليها بعقوبة معيَّنة بينما القانون يبيحها أو يخفف عقوبتها فيريد صاحب السلطة أن يضع لها عقوبة مدنية غير العقوبة المنصوصة في الشرع يزعم أنه يتدرج نحو العقوبة الشرعية، وهذا باطل وهو من منازعة الله في التشريع، ويؤدي إلى توطين مبدأ العقوبات المدنية واستبدالها بعقوبات الشـرع، وترك العلمانية صلعاء مقبحة للناس هكذا أحسن من تخفيفها بما يُضِل عن الوحي والشـرع، ومصلحة فرض عقوبة مدنية على الزانية - مثلاً - تنغمر في مفسدة التشريع من دون الله، وفي مفسدة ترقيق استبدال الشريعة في قلوب الناس .
5 - التدرج في البلاغ والتدرج في التنفيذ جائزان، تدل عليهما أدلة الشـرع العامة والخاصة، مع التنبيه إلى أنهما بمنزلة العفو والسكوت لا بمنزلة التحليل والتشـريع، ولذلك يقول شيخ الإسلام في حد هذا التدرج: «الْعَفْوَ عِنْدَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فِي بَعْضِ الْأَشْيَاءِ؛ لَا التَّحْلِيلَ وَالْإِسْقَاطَ».
6 - ترك الإلزام بالشريعة في زماننا والسكوت عن القوانين الوضعية وعدم السعي المباشر لتغييرها أكثره بسبب المفسدة المتوقَّعة من مثل هذا السعي سواء من نفرة داخلية أو ضغط دولي خارجي، ومراعاة غلبة المفسدة في ذلك نص عليها العلماء، فيقول شيخ الإسلام: «والأصل أن هذه الواجبات تقام على أحسن الوجوه . فمتى أمكن إقامتها مِن أمير لم يُحتَج إلى اثنين، ومتى لم يقم إلا بعدد ومِن غير سلطان أقيمت إذا لم يكن في إقامتها فساد يزيد على إضاعتها، فإنها من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن كان في ذلك من فساد ولاة الأمر أو الرعية ما يزيد على إضاعتها لم يدفع فساد بأفسد منه»[14].
7 - إلا أن عدم السعي المباشر لا ينفي السعي التدريجي فما لا يدرك كلُّه لا يترك جلُّه والميسور لا يسقط بالمعسور، واستعمال آليات الديمقراطية والتشريع البرلماني في ذلك جائز من باب الحاجة والضرورة على أن تكون صياغة ذلك هي المطالبة بإنفاذ شرع الله في ذلك تحاكماً للمادة الدستورية القاضية بمصدرية الشريعة، ولا يصاغ ذلك في صورة مدنية تُخضِع الشريعةَ فيه للتصويت من جانب المطالب مع جواز التصويت إن طرحها غيرنا .
8 - التأمل في كيف ترك النبي صلى الله عليه وسلم الكعبة على حالها مراعاة لحال قريش، وكيف ترك عقوبة المنافقين لغلبة المفسدة، ثم حرصه على أن تُحدَّ المرأة المخزومية يدل على وجوب النظر في كل حكم شرعي بحسبه وألا يجعل التدرج وقانونه وأصوله قواعد كلية تطبَّق على فترة زمنية شاملة أو نظام حكم بأكمله؛ وإنما يجب على المجتهد النظر في كل حكم يريد أن يترك بلاغه أو إنفاذه بدعوى التدرج، وأن يكون هذا النظر في كل حكم على حدة، وأن يوزن كل حكم وما يقترن به من دواعٍ للتدرج وموانعٍ منه وزناً خاصاً ليُخرَج بحكم تبرأ الذمة به ويستحق صاحبه أجر الاجتهاد أصاب أم أخطأ . أما غير ذلك من الأقوال المطلقة في ترك إنفاذ شريعة الله أو إبلاغها بدعوى التدرج ومن غير اجتهاد خاص متأنٍّ؛ بل بعضها باجتهاد على الهواء لم تستغرق مدته سوى ما بين انتهاء سؤال المذيع التليفزيوني إلى بداية الإجابة ... كل ذلك عبث بالشريعة وتلاعب بها .
9 - التدرج في البيان لا يعني النطق بالباطل، ولا يجوز ذلك إلا في حدود ضيقة وأكثر المأذون فيه هو السكوت . أما عبارات من نوع لن نمنع كذا، ولن نمنع كذا كما ورد في عبارة الدكتور الكتاتني فلا بد من اقترانها ببيان ما يعتقده من تحريم الله لذلك وأن هذا الترك للمنع إنما هو تنفيذي وليس إقراراً لحق .
10 - أن الحاجة للتدرُّج في حكم من الأحكام أو بعض الأحكام يحتاج حاجة ماسَّة إلى معرفة تامَّة بالواقع الذي تتشابك فيه العلاقات من شؤون اجتماعية واقتصادية وسياسية داخلية وخارجية؛ لأن هذه المعرفة هي وحدَها التي ستمكِّننا من تقدير المفاسد المترتبة على ترك التدرُّج أو على التدرُّج والحاجة إليه، لمعرفة ما إذا كان التدرُّج واجباً أو غير جائز . وهذا يبيِّن الضرورة القصوى لمعرفة العالم الشرعي بالواقع؛ لأن جزءاً من أحكامه لا يتم تصوُّر مسائلها إلا بإدراكٍ كاملٍ للواقع محلِّ الحكم [15] .
11 - حد المفسدة الغالبة التي تؤذن بترك الإلزام بالشريعة، هو أن يؤدي الإلزام لنفرة شعبية تفسد أمور البلاد وتعظم فتنتها . أما إن كان مَن في السلطة غالباً مسيطراً فلن تحصل هذه النفرة سوى بصورة لا تؤثر ولا تعظم مفسدتها، فيجب عليه الإلزام بالشـريعة مع الرفق في هذا الإلزام وليس الرفق الذي يؤدي لترك الإلزام . يقول شيخ الإسلام: «فليس حُسن النية بالرعية والإحسان إليهم أن يفعل ما يهوونه ويترك ما يكرهونه، فقد قال الله:{وَلَوِ اتَّبَعَ الْـحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ} [المؤمنون: 71] ، وقال - تعالى - للصحابة:{وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ} [الحجرات: 7] ، وإنما الإحسان إليهم فعل ما ينفعهم في الدين والدنيا ولو كرهه من كرهه؛ لكن ينبغي له أن يرفق بهم في ما يكرهونه؛ ففي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا كان العنف في شيء إلا شانه»[16]
الهوامش:
[1] معجم مقاييس اللغة، لأحمد بن فارس بن زكرياء القزويني الرازي، أبو الحسين (ت 395هـ): (2/275)، وانظر: الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، لأبي نصـر إسماعيل بن حماد الجوهري الفارابي (ت 393هـ): (1/313).
وانظر: كتاب العين، لأبي عبد الرحمن الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي البصري (ت170هـ): (6/77).
وتهذيب اللغة، لمحمد بن أحمد بن الأزهري الهروي، أبو منصور (ت 370هـ): (10/338).
[2] لسان العرب، لمحمد بن مكرم بن على، أبو الفضل، جمال الدين ابن منظور الأنصاري الرويفعي الإفريقي (ت 711هـ): (2/267).
[3] المعجم الوسيط، لمجمع اللغة العربية بالقاهرة: (ص277).
[4] صحيح: أخرجه الخلال في «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» (ص37) تحقيق الشيخ مشهور حسن والشيخ هشام السقا - ط/المكتب الإسلامي دار عمار (1990م).
[5] http://www.ikhwanonline.com/new/Article.aspx?ArtID=94868&SecID=360
[6] في حواره مع جريدة الأهرام اليومية، في عددها الصادر صباح يوم (السبت) (10/ 12/ 2011 م).
[7] موقع أنا السلفي (1/ 12/ 2001 م)
http://anasalafy.com/play.php?catsmktba=31219
[8] حلقة على قناة الناس (يوتيوب)
http://www.youtube.com/watch?v=wcD_3W-F9ks
[9] درس في مسجد (يوتيوب).
http://www.youtube.com/watch?v=wwmLocZXC1k
[10] من فقه الدولة في الإسلام، ص178.
[11] انظر تفصيل هذه الأدلة في بحثي: «واقع المسلمين بين فقه الاستضعاف وفقه التمكين».
[12] انظر: مجموع الفتاوى: (20/57 - 61). وقد سقت كلام الشيخ تاماً ونصوصه في هذا كاملة في كتابي سابق الذكر.
[13] انظر: مجموع الفتاوى: (29/49).
[14] مجموع الفتاوى: (34 / 176).
[15] بتصرف من مقال قصير للشيخ الشريف حاتم العوني بعنوان: «تطبيق الأحكام بين التدرج والهجوم».
[16] مجموع الفتاوى: (28/364).